على صدري ترقد مدينة خربة.. وقصائد أخرى

fathy mohazzab

فتحي مهذب

أسعد من حي بن يقظان.

أنا أكتب في كهف مليء بالوحوش..
أنا ذئب ماكر ألهو بحمام الأبجدية..
تسعدني رقصة السحليات المريبة
وتمتمة العناكب في خلوتها..
لا تطيب لي الكتابة إلا على ضوء
يراعات تزورني من حين إلى آخر..
تبحث عن يراعة روحي المختبئة..
في أدغال الجسد..
كل وحش أخ هارب من غيمة ..
كل وحش يباغتني بهدية فاخرة..
كتف غزالة مشوي على ثالثة الأثافي..
قلب غرغر مخلوط بدم أقحوان..
بينما وحش يتلو قصائدي بصوت
رخيم تطاير دموعه مثل ريش
كروان..
– مابك ؟
– ثمة موتى ينظرون إلينا من
أسفل..
– أهل الكهف ينتظرون قرع النواقيس ..
– فروا من تماثيل مدججة بالفؤوس..
أنا أكتب في كهف..
أعالج خفافيش مريضة
بسحر الكلمات..
فقط بمخيلتي الطويلة
أحيانا أصيد بجعة طائشة..
وأختلس شرابا نادرا من شجرة
تعمل بوابا أنيقا أمام الكهف..
وتردد قصائدي بصوت مبحوح..
**

اقترب يا ولدي

اقترب يا ولدي
قاب روحين أو أدنى
لأضمك أكثر
لأملأ سماء قلبي بنجوم نظرتك المتلألئة
لأدع نسخة من وجهي
في بريد مخيلتك
منديل الوداع يرفرف في الهواء
الكلمات حمام متجمد في السقف
القبطان تحت جلدي المغضن
يناديني بنبرة متقطعة
والمركب على أهبة الإقلاع
أوصي شجرة الليمون
بأن تحبك أكثر
عصافير الدوري
بإيقاظك صباحا
والقمر بأن ينام بجوارك
أيام الصيف
أوصي كلبنا المطواع
بأن يحرسك من الكوابيس
وذئاب العزلة القاسية
أوصي المرآة
بأن تطلعك على وجهي
ساطعا ومكتظا بالحكمة
وجهي المخبأ في تضاعيفها
أوصي الليل والنهار بإزالة الأشواك
من سريرك الخشبي
كل آلهة الحضارات القديمة
بأن تغمرك بالضوء واليقين والمحبة
أوصي الحديقة بكتابة رسائل
من ذهب خالص بعد رحيلي
ليسمعك كلماتها العذبة
طائر السنونو
إقترب يا ولدي
إقترب مني كثيرا
دع عينيك تتكلم بفصاحة
قلبك يفرغ دموعه بهدوء تام
صوتك يتمرن على تسلق
سلالم الفراغ الطويلة
لا تتعب قدميك المتعبتين
يكفي أن تغلق عينيك قليلا
حتى أتجلى أمام سعادتك
وأحضنك حد الفناء المطلق
إقترب يا ولدي
لأضمك أكثر
لأسمعك إيقاع مفاصلي الهشة
المركب على أهبة الإقلاع
هناك في ظلمات القاع
ناس جيدون

**

الحمامة المطوقة 

رغم موتها الكوميدي..
وبكاء ذئاب مهذبة في الجوار..
وهطول لقالق فوق قرميد البيت..
لم ننس جثتها التي جرتها زلاجة
يجرها دب قطبي..
وعواء نوافذ وأبواب وحيطان
وراء جنازتها..
مثل أبناء منكسرين..
رغم احتفاء الموتى بقدومها..
لم تزل تدق بابنا كل مساء..
تترك مطرزات وهدايا نادرة
من العالم الآخر..
ثم تطير مثل حمامة مطوقة
في الأحياز الأثيرة .
**

طرق متواصل

أسمع طرقا متواصلا
بدلا مني فتح الباب متصوف
قابلته في المنام ..
حاملا مصابيح نادرة جدا..
كتبا صفراء مليئة بالنجوم..
تتراشق معانيها بمكعبات الضوء..
سيدي : فراشة عثرت على روحك
تحاول الطيران في الحديقة..
بينما سرب نوارس يساعدها
لانجاز المهمة..
– ذرها وشأنها..
– إن لي سبعين ألف روحا..

**

على صدري ترقد مدينة خربة

– على صدري صخرة سيزيف..
طيور تأكل من رأسي..
دب النهار يلوح لي
هابطا في منطاد باتجاهي..
إخوة يوسف فروا إلى جهة غامضة..
مخلفين ندوبا وكدمات زرقاء
في تضاعيف روحي..
البئر آهلة بزئير الأسلاف..
وعلى حافتها أحصنة نافقة..
دب النهار يقترب
مسلحا بمسدس يتبعه جيش
من المتناقضات..
وجوه قذرة وسامة جدا..
عربات من القش مليئة بالخونة..
سفسطائيون يقلمون أظافر الموتى
المسيح إختفى في غابة موحشة..
على صدري ترقد مدينة خربة..
وجرحى يشربون من دمي
على إيقاع الرماد .
**

باب المقبرة

دائما يقف أمام باب المقبرة
وينادي جمهرة الأموات
كأحد الناجين من الحرب
قوموا يا أحباب
استمعوا لأغنيتي المفضلة
مرحبا بكم
في جزيرتي المسحورة.

**

كالدلو

إرم رأسك كالدلو
في بئر المحسوسات
هناك في الظلمة مقابر جماعية
هناك قبارون كثر في جسدك
توابيت مليئة بالجثث
انتبه إلى ذاتك
الأحصنة النافقة في ساحة لا وعيك
هناك جنود بقبعات زرق
يحتضرون عند الأكمة المجاورة
لا ينتبه أحد لموتك الداخلي
في البئر المعتمة
يسقط الكثير من موتاك الجدد
انتبه جيدا
الجسد يأكل ذاته
بشراهة مفرطة
العالم ينطفئ شيئا فشيئا
جيرانك الأشرار والطيبون
كل شيء منذور للهلاك
انتبهوا جيدا لموتكم المكرور
ثمة أشباح تترصدنا من الشرفة
أصوات فوق رؤوسنا
تشتعل كعجلة مطاطية
وأنت لماذا لم تنتبه لعجلات القطار
إذ يدهس جسدك
تنتثر أشلاؤك في كل مكان
ألم تر شيئا هابطا كالباشق من عل
لماذا لم ينتبه سائق الباص
إلى الهوة السوداء
والطائر المسكين
إذ يسقط في الفخ
والأفكار الكبيرة
في شرك اليوطوبيا
حقا نحن عميان
نطن في مشرحة الزمن
ذي الرائحة المقززة
نتهافت كالحشرات
الثقوب العمياء تبتلع كل شيء.

**

أتذكرين يا سلمى؟

 أتذكرين يا سلمى
الشمس آخر المساء
كيف تفرغ الرصاص في ذؤابتها
مستاءة ومكسورة الخاطر؟
أتذكرين هبوب قطيع الماعز
وانتصاب الراعي في الأكمة
مثل تمثال من البرونز؟
أتذكرين السلحفاة التي ترضع الفراغ
مكومة مثل تابوت في كنيسة؟
أتذكرين طقطقة مفاصل الأرجوحة
والفراشات التي تقاسمنا الدهشة..؟
أتذكرين يسوع الجميل
بعينيه الزرقاوين وقامته المديدة
في عربة ملآى بالخبز والنبيذ ؟
أتذكرين الموتي بزي الرهبان
يطردون النعاس بالعكاكيز والصلوات؟
أتذكرين اليعسوب النافق على كم قميصك؟
صوتك المائي الهادر
الزارب من قاع الأساطير
الذي أكاد ألمسه بأصابعي؟
كم أنت سماوية جدا يا سلمى
مأهولة بصخب الينابيع
وحكمة الآلهة.

**

أيها الشعر

أيها الشعر
أرضعتك حليب عيني الجميلتين
أطعمتك خبز أعصابي
وثمار حديقة رأسي
حتى استويت على سوقك
صرت يشار إليك بالبنان
مكسوا بٱلاف الأجنحة
بجوارك عرشك
تسبح الشياطين والنجوم الثاقبة
لايحدك مكان ولا زمان
يحبك خلق كثير
من الجن والآناسي
وهانذا اليوم
أتخبط في الظلمات
عيناي غيمتان مشردتان
في العتمة الكثيفة
أيها الإله العاق
تبا لصانعك من هشاشة اللامعنى.

**

العيش مرة ثانية

 إذا تمكنت من العيش مرة ثانية
سأطرد الليل من عينيك يا ريتا
من شوارعنا الملآى بالوحل والضجيج
من غابة الشرايين الكثيفة
من المبغى الذي يلتهم الوعول والسحالي
سأضربه على أسته بالمكنسة
أهدده بقطع خصيتيه
إن حاول الرجوع إلى بيت العالم
إذا تمكنت من العيش مرة ثانية
شأشتري تابوتا جميلا من الراهب (برامز)
أملأه بالفستق وشطائر البيتزا
والمزيد من قطع البطاطس المقرمشة
للسهرات الطويلة تحت الأرض
أنا أحب الإصغاء إلى تجارب الأموات
أحب زراعة الماريخوانا في القبر
أحب ربط علاقات أثيرة
مع جثث الغرقى والمنتحرين
التفكير في سرقة عربة عزرائيل
زيارة درب التبانة
بفم مليء بالضباب والنوستالجيا.
إذا تمكنت من العيش مرة ثانية
سأضحك خمس ساعات في اليوم
أقرص مؤخرة الواقع العبثي
سأقفز مثل كنغر في الكازينو
سأبرهن على صحة التناسخ
أمدح الوشق الأحمر الذي يسكن جسدي
سأركض وراء قطيع متناقضاتي
وأصيح أنا الراعي الذي يجري إلى الوراء
سآكل الشوكولاطة مع قناص
نرشق المعزين بالرصاص الحي
سألعب مع الأرواح الشريرة والمستذئبين
أعتني بمسدس أبي
أمسح عنه الغبار والدموع
وأكون رشيقا مثل لاعب التنس
أزجر السحب الطالعة من أظافري
أدع المهرجين يكسرون مفاصل الأمطار
إذا تمكنت من العيش مرة ثانية
سأدعي النبوة في الأمكنة العامة
سأقاتل المشركين بالصحون الطائرة
أطرد الرجال من المدينة
وأجلب المزيد من الويسكي والنساء
سأظل عاريا وسكران طوال اليوم
وآخر المساء أحصي نسائي الشقراوات
ثم أنام على بساط من النهود الطازجة
بينما عواء الذئاب يتساقط
كالشؤبوب على سطح مسمعي

**

الشعر هرب

حتى الشعر هرب منذ أسابيع
معملا شفرته الحادة
في حرير مخيلتي
لم يعد يطيق النوم في حديقة رأسي
كان يحب الموسيقى
والبنات ذوات العيون الزرق
ويلوح لببغاء الجارة
بعصا الساحر
الشقي فر بجواهر قلبي
أخشى أن يخطفه طائر العقعق
ويرميه في البئر
رغم سنواته الطويلة
التي قضاها في خيمة أعصابي
وصروف الدهر المتقلبة
لم يزل شابا بطول عشرين ضحكة مجلجلة
يأكل من فستق شراييني
ويشرب من دمي
عذبته أسئلة الوجود الكبرى
والنساء اللواتي يضئن
مثل البواخر في العتمة
أنا وجميع سكان روحي
في انتظاره على جمر القلق.

**

موت عبثي

بعد موتها العبثي
مخلفة أربع كتاكيت
خبأتها في قلبي
خشية أن تخطفها العقبان
بكينا طويلا أنا والباب والبستان
شيئا فشيئا كبر الفراغ
في غرفة النوم
صار ينام إلى جواري
نتقاسم سريرا واحدا
أضع حبات منومة
في كأس مليٸة بالدموع
ليحتسيها وينام إلی الأبد
كنت أخشى كثيرا
على كتاكيتي الصغيرة
من ذٸاب النوستالجيا
ترعرعت كتاكيتي في دارة قلبي
وحين استوت على سوقها
فرت إلى غابة المستقبل
حيث قطيع المستذئبين والدببة
بقيت وحيدا
بكيت طويلا
أنا والباب والبستان
صار الفراغ ينبح بشدة
فوق سريري
أحيانا يهاجمني
كان متوحشا للغاية
كاد أن يقطع شحمة أذني
لذلك اشتريت دمية كبيرة
بعينين زرقاوين
وعجيزة ممتلئة
أحيانا تطلق ضحكة مدوية
وكلمات هيروغليفية
صارت تناديني باسمي
إسمي المتشقق من صدأ النسيان
سعدت كثيرا بنبرتها المليئة
بالغنج والدلال
عادت الروح إلى إسمي الهزيل
من أثر الإهمال والتشيؤ
لذلك طردت الفراغ من شباك البيت
فاتحا وراء مؤخرته النار
مالئا عالمي بجمال هذه الدمية
فرحت كثيرا
أنا والباب والبستان
صرنا عاٸلة متماسكة
كل يسرد حكاياه للآخر
بينما ينبح الفراغ خارح أسوار البيت.
**

في كل جنازة 

في كل جنازة
أبعث إليها رسالة بخط يدي
مبقعة بغيمة من الدموع
سأرتمي بين أحضانك
يوما ما
مثل نورس صغير
شردته العواصف
العالم لم يعد على ما يرام يا أمي
إبنك فقد الكثير من الضوء
إمتلأ كثيرا بكائنات اللاشيء
يفرغ الشك مثانته في كلماته
يطير بعيدا مع الغيوم
ملوحا بمنديله إلى قارب الطفولة
هرمت يا أمي
واستدقت عظامي
أتعبتني صداقة جلجامش
موت أنكيدو العبثي
في كل جنازة
وبظهر مقوس وروح مهشمة
أبكي بمرارة لاتطاق
لا أبكي أحدا غيرك يا أمي
أعزي كرسيك المتحرك
الذي رميته بعد موتك
في حديقة رأسي
الأجراس التي تقرع
في كنيسة صوتك العذب
الحياة تغيرت كثيرا يا أمي
السماء امتلأت بالحفر والمستنقعات
القراصنة استولوا على مركب نوح
الكلاب تفتح النار في الشوارع
تغيرت كثيرا يا أمي
صوتي شاحب وهزيل
سلمى اختفت في كثافة اللامرئي
العالم صار أضيق من سم الخياط

****

متوحشون

الناس متوحشون جدا
يركبون قوارب النهار
يصيدون بعضهم بعضا
يحملون الطرائد على ظهور مقوسة
يشعلون النار بحماس بالغ للغاية
يشوون جثث بعضهم
ينادي مصاص الدماء
العشاء جاهز
الضوء خافت جدا
سيصلون قريبا
ستزرب خفافيش قرمة من أظافرهم
لنهش اللحم الطازج
ستقرع النواقيس في العتمة
وتبدأ حفلة الشواء
مبارك هذا الدم الذهبي
وشميم هذه الأجزاء المقطعة
تطلع كلاب هائلة من حناجرهم
قطط رمادية مجنحة
بعيون فارغة
ومواء مخيف
خذ حصتك من اللحم والموسيقى
خذي ذؤابة كل شيء
يا للمأدبة الملكية الفاخرة
الناس يأكلون بعضهم بعضا
الليل والنهار يتقاتلان
يأكلان بعضهما بعضا
العالم ينصت لسقوطه المدوي
بدم بارد
والمحو يخطط لمجزرة فظيعة.
**

فتحي مهذب

68 مقال
شاعر من تونس

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع