مروان ياسين الدليمي
حينَ تغيبُ
لا يفرغُ المكانُ
بل يتعلّمُ ازدحامَهُ الجديد.
الكُرسيُّ الذي كنتِ تتركين عليه ظِلَّكِ
يُصغي الآنَ إلى الغرفة
والنافذةُ ترفعُ حاجبَ الزجاج
كأنّها تسألُ الهواءَ: أينَ ذهبتِ؟
الفنجانُ لا يزالُ دافئًا
مع أنّ القهوةَ بردت.
الرائحةُ تمشي ببطءٍ
وتصطدمُ بالجدار
ثم تعودُ إليَّ
كحقيقةٍ لا تجدُ فمًا.
أمدُّ يدي
فألمسُ فراغًا ينبضُ.
الفراغُ هنا ليس غيابًا
إنّه امتلاءٌ آخر
تعلّمَ الكلامَ بصوتِكِ.
الساعةُ تُخطئُ العدَّ
كلّما مرَّتِ في ذاكرتي
والوقتُ
هذا الحيوانُ المتردّد
يجلسُ عند قدمي
ينتظرُ إشارةً
كي يواصلَ السير.
أفهمُ الآن:
حينَ تغيبينَ تتكاثرُ الأشياءُ
وتصبحُ التفاصيلُ
أكثرَ يقظةً من البشر.
في الممرِّ
تمشي خطاكِ وحدها
لا تُحدِثُ صوتًا
لكنّ البلاطَ يعرفُ عددَها
ويحفظُهُ عن ظهرِ قلب.
المِرآةُ لا تُعيدُ وجهي
كما كان.
فيها فراغٌ يشبهُكِ
ينحني قليلًا
ثم يبتسمُ كمن يعرفُ سرًّا
ولا يقولُه.
الضوءُ الذي كان يتسرّبُ من كتفِكِ
عالِقٌ الآنَ في المصباح
يرتجفُ
كلّما حاولتُ إطفاءَ النهار.
أفهمُ أنّ الغيابَ
ليس فعلًا واحدًا
بل سلسلةُ أفعالٍ صغيرة
تُمارسُها الأشياءُ ضدَّ النسيان.
حتّى الكلماتُ
تغيّرَتْ.
اللغةُ لم تعد طريقًا
صارت غرفةً بلا باب
أجلسُ في وسطِها
وأسمعُ الصمتَ
وهو يُرتّبُ أفكاره.
أسألُ نفسي:
هل العلاقاتُ أمكنةٌ مؤقّتة؟
وهل القلبُ مدينةٌ لا تُهدَم
بل تُعادُ هندستُها كلّما غابَ أحد؟
أشعرُ أنّني أقيمُ فيكِ
لا في المكان
وأنّ العالمَ كلَّهُ
يحاولُ تقليدَ حضورِكِ
ولا ينجح.
أتعلمُ أخيرًا
أنّ الغيابَ لا يُقاسُ بالمسافة
بل بكمِّ الهواء
الذي يتغيّرُ شكله
حينَ أمرُّ باسمه.
الشارعُ يواصلُ حياتَهُ
لكنّهُ يفعلُ ذلك ببطءٍ محسوب
كأنّهُ يخشى أن يُسقِطَ ذكرى.
الوجوهُ عابرة
غير أنّ ظلّكِ يمشي بينها
بثقةِ من يعرفُ الطريق.
أجلسُ إلى نفسي
كما لو أنّها شخصٌ آخر.
نحتسي الوقتَ
جرعة
جرعة
جرعة
ونتركُ اللحظة
أن تكتملَ وحدَها
دونَ استعجال.
أفهمُ الآنَ
أنّ المكانَ
ليس جدرانًا ولا أسماء.
إنّهُ ما يبقى
حينَ نغيبُ عن بعضِنا
وما يزدحمُ بنا
حينَ نظنُّ أنّنا رحلنا.
حينَ تغيبينَ
لا أبحثُ عنكِ.
أنا أفتحُ العالمَ
وأدخلُهُ ببطء
فأجدُكِ
في كلِّ شيءٍ
لم أضعهُ في الحُسبان.














