قميص أضيق من قلبي

عبد الرحمن خاطر

في الصباح،

أُزرِّرُ قميصي ببطءٍ متعمّد،

كأنّي أعتذرُ للجسد

عن سنواتٍ استعملتُهُ فيها

كوسيلةٍ

لا كحلم،

وتركتُهُ يحملُ وحده

كلَّ هذا الشغف

دون إذنٍ،

ودون وعدٍ بالنجاة.

 

أزرّرُه…

زرًّا

زرًّا،

ومع كل زرّ

ينطفئ نجمٌ صغير

في صدري،

كأن السماءَ

تُوقِّعُ على حضوري

في هذا اليوم.

 

القميصُ لم يُخَطْ

لِمَا ظنوه أنا؛

المقاسُ صحيح،

لكن القلب

لم يُؤخذ في الاعتبار.

 

أُدخِلُ ذراعيّ

في أكمامه

كما يُدخِلُ المتهمُ

اعترافَهُ الأول،

فتتقلّص الغرفة،

النافذةُ تُزاحُ قليلًا،

والهواءُ يتراجع

خطوتين إلى الوراء

احترامًا للاختناق.

وأبتلعُ المرآة

كي لا ترى

كيف يختنقُ صدري

باسمي.

 

الزرُّ الأخير ليس للزينة،

إنه نقطةُ اللاعودة،

بوابةٌ ضيّقة

تمرّ منها الرئتان

وتبقى الأحلامُ عالقةً

في الطابور.

 

لم أفهم أبدًا

رابطة العنق

حبل مشنقةٍ صغير

تُعدمُ عليه أعمارنا

 

هكذا يليقُ بالرجل،

وهكذا يُخبَّأُ الخوفُ

تحت الأزرار.

 

كلما تنفستُ

شدَّ عليَّ

كأنهُ يقول:

اهدأ،

الحياةُ لا تُلبَسُ هكذا.

 

في الطريق

كانت المدينة

ترتدي القميص نفسه،

الشوارعُ مشدودة،

العماراتُ تكتم أنفاسها،

والناسُ يمشون 

كأزرارٍ إضافية

لا لزوم لها

لكن لا أحد

يجرؤ على نزعها.

 

كم قميصًا 

احتاجَ العالمُ

ليُخفي هذا الكمّ

من القلوب؟

 

حاولتُ أن أخلع القميص

في منتصف النهار،

لكن الزمن شدّه أكثر،

وقال لي:

ليس الآن،

ما زال هناك من ينتظر 

أن يراك

مُحكم الإغلاق.

 

حين أخلعُ القميصَ

في آخر اليوم،

يسقطُ عنّي

كما تسقطُ جملةٌ

بعد طولِ كذب،

وأنظرُ إلى صدري

فوجدتُ آثارَ الأزرار

ككواكب منطفئة،

تُخبرني أنني نجوتُ

لكن بثمنٍ غير مرئي.

وأبقى

نصفَ إنسانٍ

ونصفَ هواء.

 

هذا القميص

لم يُفصَّل لي،

فُصِّلَ

لنسخةٍ أصغرَ منّي

 

كأنَّ العالمَ

لا يعرفُ

غير هذا المقاس.

 

 

 

 

 

 

 

 

شاعر وكاتب مصري، صدر له: أحاديث الصامت، قاطف النجوم، كأبي آدم فتنتني الشجرة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع