محمد أبو الفتوح
أقف عند مشارف النص بخشوع، محاولا النفاذ؛ من أول فقرة أدركت أنني أمام نص كُتب بإخلاص، فنويت الإخلاص.
لماذا تتشمم الحيوانات خراءها بعد إتمام التخلص منه؟ ولماذا يحمل الإنسان ارتباطا خاصا بتلك الرائحة؟ ألأنها دليل على إكمال دائرة الحياة؟ الوهن.. الأكل.. الهضم.. العافية.. التخلص مما بقى.. الارتياح. الرائحة كريهة، لكنها تحمل شعورا بالاكتمال، بالنجاح في دورة أخرى من دورات الحياة، دورة يعني توقفها عند أي نقطة قبل نهايتها الموت.
الخائف هو من فتنني في هذا الكتاب القصصي، الخائف الذي وُلِد رقيقا في عالم من القسوة، هل الخوف والرقة رديفان بشكل ما في هذا العالم؟
هذا الخائف تأكله الفوضى المطبقة، لذلك أضحى محبا للتحكم، لا كحب النرجسي الذي يستمد ذاته من التوجيه، بل كحب الطفل المذنب المنتظر أباه فاتحا الباب في أي لحظة لتفنيد كل احتمالات الانكشاف في المرة التالية.
اشتمام الاكتمال والاطمئنان في رائحة الخراء “منذ ١٠٠٠ عام” هو ذاته الرغبة في الحصول على كرتونة مياه مثالية الأركان، لا يشوبها انبعاج أو انحناء.
لم يولد الخائف كذلك، وُلد ليكتشف ويعيش، ولكنه أيضا وُلد ليجد من سبقوه وقد اتفقوا على منظومة مقصودها ألا يكتشف وألا يعيش، الاكتشاف يعني إمكانية الخطأ والحياة تعني إمكانية الموت، إذن فهم الخائفون ينقلون خوفهم عبر طقوس “غرز الإبرة في البدن”، ولا ينتهون إلا باكتمال تكون الخائف الجديد.
وإن كُتِب عليك أن تعيش/تموت في مملكة الخوف، وإن أردت أن تتحكم في فوضى الاحتمالات؛ فلا أفضل من أن تتوِّج نفسك ملكا: “ملك إذا أمضى عزيمة أمره لم يثن عَزْمته اعتراض العذَّل”.
تمشي بثقل تأملك لأنساق الانسجام في أرض من لين العشواء، والعشواء – كما يخبرني قاموس المعاني – الظلمة، إذن فالخائف لا يبغي سوى إنارة الطريق، وبينما يمشي يتعثر بغير عثرة؛ فيشك، يدرك أن تأمله قد عبر الشعرة بين المتحول والثابت، وعليه يدرك أن كل حيَله لا تعدو كونها من الحياة كون “الحَتَّة”/القشرة من السمكة، وأن حيلته الكبرى أمام بدن العالم الهائل أن يُحتحته حتتا قابلة للمضغ، خائنا للحقيقة، هاربا من “إدراك الشيء على ما هو عليه”.
للخائف قط يدعى فتحي، ود “لو كان رمزا فيصير حضوره مفتوحا على التأويل”، لأحقق له أمنيته، فتحي رمز لكل مخلوق نجح في العيش كما نجح في تشمم خراءه، فتحي حقق أهدافه كأفضل ما يتناسب مع طبيعته، أكل وشرب، تكاثر ومرر جيناته، لعب وتنطط، ثم أصيب بالسكري ومات راضيا زاهد لأنه فعل كل شيء.
أما “نحن يا فتحي، المولودين في ماضٍ خلا من الأهداف، نسير إلى مستقبلٍ يشبهه، وهذا العام القاسي طبيعيًّا يشبهنا، ومثله المُقبِل من الأيام.”.
٢٨ يناير ٢٠٢٦















