قصائد من ديوان “سكة بيضاء”

abd alrahman mokled

عبد الرحمن مقلد

كلب أسود في الظلام

راكضًا مثلَك خَوفِي/ المنهكَ المشطورَ في عَدْوِ الظّلالْ 

مدركي إنْ خانَ حتفٌ

أو تهاوت بي قوايْ

نائلي إن نالَ من قلبي الكلالْ

أنتَ يا وحشي المُحَتَمْ

من تناديه الغريزةْ

كي يرى جسمي المُحطمْ

محضَ صيدٍ

..

هكذا ينجو الطريدُ

جَعْلُ خطوٍ دائمًا قدامَ خطوِ

لا أرى إلا أمامي يا رفيقي الوحشَ

غيرَ النبعِ يسري في المرايا

وحواسي كلُّها أحجارُ قدحي

النجاةُ أنني أنسى لهاثي؛

صوتَ كبحِي في عواءِ الوحش

في روعِ انقباضٍ

وانقضاضٍ

وصراخٍ قبل إنهاء الخوار

الفرارْ

راكضًا خلفَ الحياةِ

خاطفًا قلبي المهيض

واثبًا أعمى

جريحًا

هاربًا من ذاك يا كلبي العنيدِ

لائذًا بالمطلقاتِ 

وحشُ هذا الليلِ خلفي

ناشبًا أظفارهَ في ما يطولُ

واثقًا من أنَّ إسقاطي وسهوي

لازمان

إنني فردوسُ كلبي

في السوادِ

إن إغفائي ورهوي

فيه إجهازي عليه..

فليكن لي بعضُ غفوة

بعض إبطاءٍ

فهفوة

كلُّ جرح طالقًا ما فيّ من رعبِ الخمول

إن هذا الوقت حتفي.

*

موكب الحسناوات يهبط إلى القرية

 مع الفجرِ..

هذا التقاءُ الندى بالنهودِ

لتنثرَ لأْلأْها القَطَراتُ

ويسطعَ من حاسراتِ الصدورِ البريقُ

يطأن ورودَ السفوحِ

خفافَ الكعوبِ

ويفتحن بابَ العبيرِ

قطعن الصحارى؟

أم السابحاتُ العذارى

على بسطٍ من سحابِ

أم الأرض تنبتُهن على برّنَا

أم الخمرُ

ما إن سفحنا بناتِ الكرومِ

عدون خفافًا

خفافًا على الحلم

نصف سكارى

أبانَ النهاُر أماراتهن

وكان لنا أن يغني السرابُ

وتلك الشفاهُ ترددُ ما أنشدَ

أيُّ حادٍ حدا موكبَ الفاتنات

إلى حيّنا في الصباح

أناخ الجِمَالَ

وأرسى الندى فوقَ بيضِ النهود

وأسرجَ ما لا نطيقُ من النورِ

حتى شهدنا مسراتهن

غشاةَ العيون

كأن لا نراها..

عذارى كشفن لنا عرسَهن

وكان الوثوبُ على طيفهن بدِيلا

اللواتي مررن علينا

قساة دلالٍ

وأكثرن من لذةٍ مشتهاةٍ

هبطن على مهلهن

ضربن لنا موعدًا

لم نطعه!

جميلاتُ هذا النهار

فَرَاشاتُ أحداقهن يلاعبننا

فسلامٌ على فارداتِ الذوائبِ

حين يودعننا كانسحاب الظلال

يغادرننا للهوادج

يغريننا بالركوبِ وبالركض

لكننا لا نودُّ

نسرّي مع الخمرِ

ما فات من ذكرهن

ونأملُ في أن يعدن صباحَ غدٍ

ولسنا نملُّ طراحَ الغرام على البعد

ما يستجدُ من الافتتان بهن

وهن يغادرننا خافراتِ الوجوه 

وتلك النهودُ يسيلُ عليها الندى.

*

فوحة الليمون في الخصلات

مختبئيْن بين القشِّ

ما زالتْ بقايانا تجيدُ الصمتَ

تحبسُ آخرَ الأنفاسِ

مرتابيْن لم نبرحْ مساحتَنا

وإن طارتْ خطى في الريحِ

لم نمسكْ نواصِيها

تُرانا خلفَ هذا البابِ

ما زلنا؟

وفوقَ السطحِ مدسوسيْن بين القشِّ؟

يغري آدمٌ حواءَ بالجميزِ

واحدةً بواحدةٍ

لترفعَ من بُلوزتِها

وتكشفُ بعضَ ما انفردتْ به عنه

..

خدعنا كلّ منْ في البيتِ

لم نأخذْ عرائسنَا

ولم نصحبْ ملائكةً عصافيرَ ستفتنُ

مثلما تجري بها العاداتُ

توقِعُنا ونحن هناك ملبوسانِ

مجمُوعانِ تحتَ القشِّ

زُغْلولان من لحمٍ ومن زغبٍ

ومصعوقان خوفَ الذبحِ

مخطوفانِ

لا يبقى سوى أن يهرُبا في الليل

..

مصيرٌ يرسمان الآنَ في عجلٍ

تلفلفُ في إشاربِ الأمِّ

بعضَ الجُبْنِ

أرغفةً من البتّاو

قطفاتٍ من الجرجيرِ

قبلتُنا إلى المجهول

لا نخشى سوادَ الليل

فالقطّان بريّان براقان

إن سرجتْ “فتاتيشٌ” لصيادينَ

ظنوا أنّ قرموطيْن

محشوران في إحدى الجوابي

لهاثُك غابَ عن أُذني

هل انسربتْ خطى

نفضتْ بقايا القشِّ

واعتدلتْ

وعدّلتِ البلوزةَ

قبل أن تُلقي قطافَ التوتِ للجوعانِ

لم يبرحْ منامَتَه

ليحرسَ في سريرِ القشِّ هيئتَها

ويحضنَ طيفَها المذعورَ

يُسْكِنَ نبضَها الخوّافَ

إن قاقتْ دجاجةُ أمها

أو فرّ أرنبُها وخافَ من اللهاث الحيِّ

..

هل كنَّا هنالك تحتَ هذا القشِّ

أم أنَّا هُنا والآنَ

هذا الأب

هذي الأمُّ

مبتسميْن يلتقيان عند السوقِ

مأخوذيْن بالتجديف في الدنيا

وينتظران حتى يرجعا للقش

يشتبكان

يرتبكان

ينتفضان

راحتُها على يده يقبلها وتسحبها

على أملِ اللقاء الرحب

تعدلُ بعض ربكتِها

وتركضُ

لم تعدْ من يومِ ما كنّا وراء الباب

نصعدُ أولَ الأعتابِ

نجني أولَ الأعناب من تعريشةٍ بالسطحِ

أي يدٍ تناولُنا وتدفعُنا لترتبكَ السراويلُ الغلامةُ

كي نرى في الفعلِ أعمقَ من تلامُسِنا

وأبعدَ من تشعبُطِنا على جسمين

في شبقٍ أليفٍ لم يدربْ بعدُ

نبغي أن نشبَّ على أصابعنا

نطاولَ آخر البقع التي نشتمُّها بالحدس

تُطْلَق فوحةُ الليمون في الخصلات

مَازَجها هبوبٌ من منامتِها

ومن زَغبٍ سقاهُ تعرقُ الأزهارِ في السروال

فتنةُ قبعاتِ القش إذ نتبادلُ الأدوار

أيّ يدٍ تباعد بين منسييْن تحت القشِّ.

………………………..
*صدر عن دار المحرر في  معرض القاهرة للكتاب 2026

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع