جمالية الغياب: دراسة بنيوية تأويلية في ديوان “اسمها في الغيب زليخا” للشاعر عبد الوهاب الشيخ

abd alwahhab al sheekh

د. محمد سعيد شحاتة

تقوم هذه الدراسة على مقاربة ديوان “اسمها في الغيب زليخا” لعبد الوهاب الشيخ من منظور جمالي بنيوي، ينظر إلى الغياب لا بوصفه عنصرًا عارضًا في التجربة الشعرية، بل بوصفه مبدأً منظّمًا تنتظم حوله البنية النصية والرؤية الدلالية في الديوان بأكمله، فالغياب هنا لا يُفهم باعتباره فقدًا أو نقصًا في التشكيل، وإنما بوصفه طاقة جمالية منتِجة، تتحول داخل النص إلى أداة بناء، وإلى شرط أساسي لولادة المعنى واستمراره، وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الديوان لا يكتب حضور المرأة، ولا ينجز سردية عشق مكتملة، بل يشتغل على تعليق التحقّق وتحويله إلى بنية لغوية وزمنية ومشهدية؛ فالمرأة تُقدَّم منذ العنوان بوصفها اسمًا في الغيب، والزمن يُفكَّك لصالح حاضر ممتد، والمكان يظلّ مؤقتًا وهشًّا، والصوت الشعري يتحول إلى مونولوج، واللغة تغدو بديلًا عن اللقاء، لا وسيلة لشرحه، وبهذا لا يصبح الغياب موضوعًا للقصيدة، بل شكلها العميق، الذي يتسرّب إلى كل مستويات البناء الشعري.

وتعتمد هذه الدراسة منهجًا تحليليًّا تركيبيًّا، يستفيد من أدوات النقد البنيوي والسيميائي ونظريات التلقي، دون الارتهان الصريح لإطار نظري واحد؛ إذ تسعى القراءة إلى تتبّع جمالية الغياب عبر مستويات متعددة: العتبة النصية، وبنية الزمن، وتشكيل المكان، وبناء الصوت الشعري، وتمثيل المرأة، والبعد الدرامي والمشهدي، وصولًا إلى اللغة بوصفها فعلًا تعويضيًّا، ثم إلى القارئ بوصفه الحلقة الأخيرة في اكتمال الأثر، وفي هذا السياق تنتقل الدراسة منهجيًّا من تحليل البنية إلى تحليل الرؤية، ثم إلى تحليل الأثر، بما يتيح مقاربة النص بوصفه تجربة شعرية وقرائية في آن واحد.

ولا تهدف هذه الدراسة إلى إصدار حكم تقويمي على الديوان بقدر ما تهدف إلى الكشف عن منطق اشتغاله الجمالي، وإبراز كيف يتحول الغياب من دلالة سلبية إلى قيمة فنية، ومن تجربة فَقْدٍ إلى استراتيجية كتابة، ومن ثمّ تسعى القراءة إلى تثبيت موقع ديوان “اسمها في الغيب زليخا” ضمن سياق الشعر العربي المعاصر بوصفه ديوانًا يراهن على العمق البنيوي، وعلى إنتاج معنى مؤجَّل، وعلى إشراك القارئ في لعبة الغياب نفسها التي يقوم عليها النص منذ لحظة عنونته الأولى.

العنوان بوصفه عتبة دلالية:

يمثّل عنوان الديوان “اسمها في الغيب زليخا” عتبة دلالية كثيفة، تتجاوز الوظيفة التعريفية إلى وظيفة تأويلية عميقة؛ إذ يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام تركيب لغوي غير مكتمل على مستوى الإسناد، لكنه مكتمل على مستوى الإيحاء، فالعنوان لا يقول “زليخا في الغيب” بل يختار الصيغة الاسمية المركبة “اسمها في الغيب زليخا” بما يوحي بأن زليخا ليست حضورًا جسديًّا مباشرًا، بل اسمًا، أي علامة لغوية، مؤجلة ومحتجبة في فضاء الغيب، وهذا الانزياح ينسجم مع مناخ الديوان كله؛ إذ تتكرر ثيمة الغياب بوصفها شرطًا للوجود الشعري، كما في قوله (هذا الفراغ / هو جرة الندم / الثقيلة التي أحملها») والعنوان من هذه الزاوية لا يقدّم شخصية بقدر ما يقدّم حالة وجودية، حيث يتحول الاسم إلى أثر، والغيب إلى مجال دلالي مفتوح، إن اختيار “الاسم” بدل “المرأة” أو “الحبيبة” يؤكد هيمنة اللغة على الجسد، والرمز على الواقعة، وهو ما سيظهر لاحقًا في اشتغال النصوص على الإشارة أكثر من التصريح، وعلى التلميح بدل الاكتمال السردي.

ويحمل لفظ “اسمها” في العنوان حمولة فلسفية ولسانية واضحة؛ فالاسم في الثقافة العربية ليس مجرد وسيلة تعريف، بل هو حامل للهوية والقدر والمعنى، غير أن الشاعر يعمد إلى نزع هذا الاسم من وظيفته الإشارية المباشرة، حين يضعه في حيز الغيب؛ فالاسم هنا لا يثبت الهوية بل يعلّقها، ويتجلى هذا التعليق في نصوص متعددة من الديوان، حيث ترد الحبيبة غالبًا بصيغة الغياب أو النداء غير المكتمل، كما في قوله (أشبه برفّة طائر وحيد/ في سماء المكان) الاسم إذن لا يُستدعى ليؤكد الحضور، بل ليكرّس المسافة، ومن منظور سيميائي، يتحول “زليخا” إلى دالٍّ بلا مدلول ثابت، ويتبدل بتبدل السياق الشعري، ويتشظى بين الجسد، والذكرى، والحنين، والتوق الصوفي. إن هذا التوتر بين الاسم والغياب يضع القارئ أمام معادلة مفادها أن الحب في هذا الديوان ليس علاقة بين ذاتين حاضرتين، بل علاقة بين ذات ولغة، وبين شاعر واسم يسكن الغيب.

ويشكّل لفظ “الغيب” أحد أكثر المفردات ثراء في العنوان؛ لما يحمله من أبعاد دينية وصوفية ووجودية، فالغيب في المخيال العربي ليس مجرد ما هو غير مرئي، بل ما هو مؤجَّل، وموعود، ومتعالٍ عن الإدراك الحسي، حين يقول الشاعر “اسمها في الغيب” فإنه ينقل العلاقة العاطفية من مستوى الواقع إلى مستوى الترقّب والتوق، وهو ما ينسجم مع نبرة الابتهال والدعاء التي تتكرر في الديوان (يا أهل الله / ساعدوا روحي كي ترى) و بهذا المعنى يغدو الغيب فضاءً شعريًّا تتحرك فيه الرغبة دون أن تتحقق، ويتحول فيه الحب إلى حالة انتظار دائم، كما أن الغيب هنا ليس نقيضًا للحضور، بل شرطه الشعري؛ فكلما تعمّق الغياب ازداد التوهج اللغوي، إن العنوان إذن لا يَعِد بالكشف، بل يؤسس لاقتصاد دلالي قائم على الحجب، وهو ما يجعل القراءة فعل بحث لا فعل استهلاك.

واختيار اسم “زليخا” ليس اختيارًا بريئًا أو محايدًا، بل هو استدعاء كثيف لتراث ديني وأدبي طويل، بدءًا من قصة يوسف القرآنية، مرورًا بالتصوف، وانتهاءً بالشعر الحديث، زليخا في هذا السياق ليست المرأة الشهوانية فقط، بل المرأة التي تتحول شهوتها إلى عشق مطلق، ثم إلى فناء، وهذا البعد يظهر في نصوص الديوان التي تمزج بين الجسد والروح، كما في قوله (الظلام جسدًا / وروحًا) إن وضع زليخا في الغيب يعيد تأويل القصة الأصلية، فبدل أن تكون امرأة مرئية في قصر، تصبح رمزًا متعاليًا، أقرب إلى المعشوق الصوفي، وبهذا يتحول العنوان إلى مفتاح تناصي يفتح النص على طبقات متعددة من المعنى، دون أن يقع في فخ الاستعادة المباشرة أو السرد الحكائي.

العنوان بوصفه برنامج قراءة:

يمكن القول في الخلاصة إن عنوان “اسمها في الغيب زليخا” لا يكتفي بوظيفة التسمية، بل يعمل بوصفه برنامج قراءة كامل للديوان؛ فهو يحدد منذ البداية طبيعة الخطاب (غيابي، رمزي، تأملي) ويضبط أفق التلقي، ويهيئ القارئ لدخول عالم لغوي يقوم على التوتر بين الحضور والغياب، ويتأكد هذا الدور البرنامجي حين نلاحظ أن معظم قصائد الديوان تتحرك داخل هذا الأفق، حيث الحب جرح، والاسم أثر، والمرأة فكرة، كما في قوله (هذا الفراغ / هو جرة الندم») وعليه، فإن العنوان ليس مدخلًا شكليًّا، بل بنية دلالية كبرى تتكرر بصيغ مختلفة داخل المتن الشعري، مما يمنحه مركزية حقيقية في بناء الديوان.

تحوّل زليخا من التعيين الاسمي إلى الرمز الشعري:

لا تظهر “زليخا” داخل الديوان بوصفها شخصية سردية محددة الملامح، بل بوصفها كيانًا رمزيًّا متحوّلًا، يتجاوز المرجع الحكائي إلى أفق شعري مفتوح؛ فالاسم الذي وُضع في العنوان داخل حيز الغيب، لا يعود لاحقًا ليأخذ شكل حضور مباشر، وإنما يتشظّى داخل صور واستعارات وإشارات متفرقة، وهذا التحول من التعيين إلى الرمز يتجلى في اعتماد الشاعر على النداء والتلميح بدل الوصف، كما في قوله (أشبه برفّة طائر وحيد / في سماء المكان) حيث لا نجد معشوقة محددة، بل أثرًا عاطفيًّا طفيفًا، يكاد يكون هوائيًّا، وزليخا هنا ليست “من هي”، بل “ما تتركه” من رجفة داخل الذات الشاعرة، ومن منظور نقدي، يمكن القول إن الشاعر يحرّر الاسم من عبء المرجع، ليعيد شحنه بطاقة رمزية قادرة على التعدد والتأويل، وهو ما يمنح الديوان طابعًا حداثيًّا واضحًا، يرفض التمركز حول الشخصية لصالح التمركز حول الحالة الشعورية.

زليخا بوصفها تجسيدًا للغياب الفاعل:

الغياب في هذا الديوان ليس حالة سلبية أو فراغًا عدميًّا، بل قوة فاعلة تُنتج المعنى، وزليخا، بصفتها رمزًا، تتجسد غالبًا من خلال هذا الغياب المنتج؛ ففي نصوص كثيرة، يحضر الفراغ بوصفه أثرًا للحبيبة لا نقيضًا لها، كما في قوله (هذا الفراغ / هو جرة الندم / الثقيلة التي أحملها) و هنا يصبح الغياب مادة ملموسة، ذات وزن وألم، وكأن زليخا تُعرف بقدر ما تُغيّب، وهذا التوتر بين الحضور المتخيَّل والغياب الواقعي يضع الرمز في قلب التجربة الوجودية للشاعر، حيث الحب ليس امتلاكًا، بل تحمّلًا، وليس اكتمالًا، بل نقصًا دائمًا، وبذلك تتحول زليخا إلى مرآة تعكس هشاشة الذات، وعجزها عن القبض على المعنى إلا عبر الفقد.

الجسد والروح في تشكيل الرمز:

يتأسس رمز زليخا في الديوان على جدلية واضحة بين الجسد والروح، دون أن ينحاز الشاعر انحيازًا حاسمًا لأيٍّ منهما، ففي قصيدة “جسد وروح” يصرّح الشاعر (يلبس الظلام جسدًا / وروحًا) ويَرِدُ هذا القول داخل مقطع يصف حالة التباس كاملة بين الحسيّ والميتافيزيقي، والسياق العام للمقطع يُصوِّر لحظة انغمار شامل في العتمة، حيث لا تعود الظلمة حالة خارجية أو نفسية فقط، بل كيانًا كليًّا يطال الجسد والروح معًا، ويأتي القول في ذروة المقطع بوصفه خلاصة دلالية، فهو نفيٌ لأي فصل بين المادة والمعنى، وإعلان لوحدة التجربة العاشقة/الوجودية، يثول الشاعر:

في ساعة الفزع الطرية

التي يسيل من أفمامها الغبار

أحمل بدلًا من قلبي

آخر مفعمًا بالسكون

لتزهر أغنية في فم السمكة

لتبرق أنشودة في حدقة العُقاب

ثم يتقدم ظلي..

ظلي الداثر

ويلبس الظلام جسدًا وروحًا

ومن الناحية الأسلوبية يعمل التركيب (يلبس الظلام جسدًا / وروحًا) على تكثيف المشهد عبر حذف الروابط والتفسير، ليترك للقارئ استنتاج الامتداد الكلي للظلام، ووظيفيًّا في الديوان، تُعدّ العبارة مثالًا واضحًا على جمالية الغياب؛ إذ يتحول الغياب/الظلام من ظرف إلى جوهر شامل، وزليخا هنا ليست جسدًا شهوانيًّا خالصًا، ولا روحًا مجردة، بل كيانًا مركبًا، تُستدعى عبره الرغبة بوصفها طريقًا للمعرفة، وهذا التداخل يعيد إنتاج صورة زليخا التراثية، ولكن بعد تفريغها من بعدها الأخلاقي أو القصصي، لصالح بعد وجودي صرف. فالجسد لا يُدان، والروح لا تُقدّس، بل كلاهما يدخلان في نسيج التجربة الشعرية بوصفهما شرطين للتوق والحنين.

زليخا واللغة بوصفها موطنًا نهائيًا:

إذا كانت زليخا في الغيب من حيث الوجود فإنها في اللغة من حيث التحقق؛ فالشاعر لا يسعى إلى استحضارها واقعيًّا، بل إلى إعادة بنائها لغويًّا عبر الإيقاع، والصورة، والنداء، ويتجلى هذا المنحى في مقاطع تتعامل مع الكتابة ذاتها بوصفها فعل اقتراب من الغائب، كما في قوله (وأنت أمامي / حروف متناثرة) ويرد هذا القول في سياق ميتا شعري واضح، حيث يتأمل المتكلم فعل الكتابة ذاته، والمقطع يصف حالة استعداد للقول، لا قولًا مكتملًا، ويصوّر الحروف بوصفها مادة مبعثرة تُمدّ أمام الذات كما يُمدّ الجسد أو الطريق، وهنا يبلغ الوعي الميتا شعري ذروته حين يصوّر الشاعر فعل الكتابة بوصفه مدًّا للحروف أمام الذات، وهنا أيضًا تتحول الكتابة إلى فعل وجودي تعويضي، لا إلى وسيلة تعبير فقط، يقول الشاعر:

انثري الألم ربيعًا

وأعيديني لنقطة البدء

كي أشرع في كتابة اسمي على لوحة الدرس

وأنت أمامي حروف متناثرة

أجمعها بشفتيَّ

ثم أبدأ نشيدي

وزليخا بهذا المعنى ليست موضوع القصيدة، بل شرطها؛ إذ لا وجود لها خارج فعل القول، ومن هنا يمكن اعتبار الرمز زليخا استعارة كبرى للقصيدة نفسها، فكلاهما غائب، وكلاهما لا يتحقق إلا في اللغة.

وفي الختام يمكن القول إن زليخا في هذا الديوان ليست رمزًا مغلقًا أو أحاديّ الدلالة، بل أفقًا مفتوحًا للتأويل، تتداخل فيه المرجعيات الدينية، والصوفية، والوجدانية، دون أن تهيمن إحداها هيمنة مطلقة، وهذا الانفتاح يجعل الرمز قادرًا على استيعاب تحولات الصوت الشعري من قصيدة إلى أخرى، دون أن يفقد تماسكه، ويكفي أن نلاحظ كيف تتكرر نبرة النداء والتوسل، كما في قوله: (يا أهل الله / ساعدوا روحي كي ترى) ويَرِد النداء في مقطع يتّخذ شكل مناجاة جماعية، ينتقل فيها الصوت الشعري من مخاطبة الحبيبة الغائبة إلى مخاطبة سلطة روحية عليا، ويبدأ السياق بإحساس بالانطفاء والتيه، ثم يتحوّل إلى طلب للرؤية لا للخلاص الجسدي، مما يجعل النداء تعبيرًا عن عجز معرفي/وجودي أكثر منه توسّلًا عاطفيًّا، وتتجاور في المقطع مفردات الطريق، والعين، والروح، بما يؤكد أن الغاية ليست اللقاء، بل الكشف، ووظيفيًّا يُعدّ هذا الموضع من أبرز تجليات البعد الصوفي في الديوان، كما يشكّل لحظة انتقال من خطاب أحادي إلى أفق كوني، دون أن يتحقق ردّ، ليبقى النداء مفتوحًا، لندرك أن زليخا لم تعد مجرد معشوقة، بل أصبحت نقطة التقاء بين الحب، والمعرفة، والغياب.

اللغة الشعرية في الديوان:

تتمثل أولى خصائص اللغة الشعرية في ديوان “اسمها في الغيب زليخا” في ميلها الواضح إلى الانزياح عن المعيار التداولي، بحيث تتحول الجملة إلى حقل توتر بين المعنى المعجمي والدلالة الإيحائية، ولا تُبنى العبارة على منطق الإخبار المباشر، بل على منطق التشكيل، كما نرى في قوله (اخفِضي َصْمَتك لَيْعلو الهمس / أنتِ هنالك عصيّة على الوقت / غائبةٌ إلا عن أصابعي ) حيث تنقلب العلاقة التقليدية بين العلو والانخفاض، فيصبح خفض النبرة سبيلًا لعلو الهمس، ويتحوّل البعد الحسي “على اليد” إلى بعد وجودي يتعلّق بإمكان اللمس من عدمه، وهذا الانزياح التركيبي يوازيه انزياح دلالي يجعل “الهمس” قيمة أعلى من الصوت الظاهر، ويجعل الغياب شرطًا للتوهج الحسّي، وبذلك يتأسس مستوى من الكتابة يراهن على قارئ قادر على التقاط هذه التحويلات الدقيقة، وعلى إدراك أن اللغة في هذا الديوان لا تنقل تجربة مكتملة بقدر ما تنتجها أثناء التلفظ، فتغدو القصيدة مختبرًا دائمًا لإعادة صوغ العلاقة بين الذات والعالم، وبين الاسم والغيب، وبين القول والصمت، ومن ثم يمكن النظر إلى الانزياح بوصفه إستراتيجية جمالية واعية، لا مجرد تزيين بلاغي؛ إذ يتكرر في أغلب النصوص، عبر كسر التوقع النحوي، وتوليد المجاز من تركيبات غير متوقعة، واستثمار المفارقات بين الحسي والمجرّد، بحيث يغدو أيّ تأويل ممكنًا فقط إذا استحضر القارئ هذه البنية المنزاحة بوصفها قاعدة خفية تنظّم الخطاب الشعري في مجمله، وتمنحه وحدته الداخلية رغم تنوع القصائد، واختلاف مقامات القول، وتعدد الأصوات الجزئية داخل الديوان، بما يجعل الانزياح اللغوي ذاته أحد مكوّنات هوية هذا النص، وشرطًا لقراءته قراءة نقدية منتجة وليست استهلاكية سطحية.

ويتبدّى بناء الصورة الشعرية في الديوان بوصفه امتدادًا طبيعيًا للانزياح اللغوي، إذ لا تُستمد الصورة من مطابقة الواقع، بل من إعادة تخييله عبر علاقات جديدة بين الأشياء، ونموذج ذلك صورة الذات العاشقة في مقطع (وكم كانت تلك البلوزة الرهيفة/تضغط بقوة خاصرتك/وأنت تديرين بصرك/في المكان/ وأنا أتلقى رسائل جسدك/في هدوء/ظاهري ثلج/وباطني نار/بينما سحبة بنطالك الرشيقة/أشبه برفة طائر وحيد/في سماء المكان) حيث تتشكّل صورة العاشق على هيئة ذات متلقّية لا فاعلة، تتموضع داخل المشهد لا في مركزه، وتُعرَّف من خلال أثر الجسد الآخر فيها لا من خلال فعل مباشر يصدر عنها، فالصورة لا تبنى هنا على توصيف الجسد الأنثوي في ذاته، بل على شبكة من العلاقات الحركية والإيحائية التي تجعل الجسد حدثًا بصريًّا ووجدانيًّا في آن واحد. فالبلوزة “الرهيفة” لا تُذكر بوصفها لباسًا، بل بوصفها قوة ضغط، أي بوصفها أثرًا حسّيًّا يولّد توترًا داخليًّا، يتجاور فيه الهدوء الظاهري مع الاشتعال الباطني، وفي ثنائية (ثلج/نار) تُكثّف الانقسام الوجودي للذات العاشقة.

وتتعمّق الصورة حين ينتقل التركيز من الثبات إلى الحركة، ومن “الضغط” إلى “إدارة البصر”، ثم إلى “سحبة البنطال الرشيقة”، حيث يتحول الجسد إلى سلسلة من الإيماءات الدقيقة، لا إلى كيان مكتمل، وهذه الإيماءات لا تُنتج سردًا، بل تراكمًا بصريًّا ينتهي إلى استعارة مركزية (رفّة طائر وحيد في سماء المكان)، وهنا تبلغ الصورة ذروتها الانزياحية؛ إذ يُنزَع الجسد من ثقله الأرضي، ويُعاد تشكيله في أفق هوائي خفيف وعابر، ولا يعود الطائر رمزًا للحرية فحسب، بل للوحشة أيضًا، بما أن الرفّة مفردة، والطائر وحيد، والسماء ليست سماء مطلقة بل “سماء المكان” أي فضاء محدود ومؤقّت.

بهذا، تتبدّى الصورة الشعرية في هذا المقطع بوصفها صورة علاقة لا صورة جسد، علاقة تتأسس بين نظر ونظر، وبين حركة وحسّ، وبين داخل وخارج، كما يتضح أن الذات العاشقة لا تُعرَّف من خلال الفعل أو الامتلاك، وإنما عبر التلقّي الصامت لما يرسله الجسد الآخر من رسائل، وهو ما ينسجم مع منطق الديوان العام القائم على الإرجاء والغياب، وتحويل العشق من واقعة مكتملة إلى تجربة حسّية مؤجَّلة تُبنى في اللغة لا في الواقع.

وعلى هذا النحو، تتشكّل الصورة الشعرية في هذا الموضع بوصفها صورة علاقة لا صورة جسد؛ إذ تتحول الحركة العاطفية إلى رفّة جناح، بما تحمله من دلالة على هشاشة الشعور ودقته، لا على اكتماله أو رسوخه، وفي هذا الإطار، لا تُستثمر الخاصرة بوصفها تفصيلًا جسديًّا إيروتيكيًّا مباشرًا، بل بوصفها نقطة توتر دلالي، حيث تُجسّد “الخاصرة التي ترتفع” تداخل الجسدي بالكوني؛ إذ يرتبط ارتفاع الجسد بحركة البصر في الفضاء، فينزاح المشهد من حميميته الأولى إلى أفق كوني مفتوح، وتكشف هذه الصورة المركبة عن نزوع واضح لدى الشاعر إلى تحويل التفاصيل اليومية العابرة إلى مشهد كوني، وإلى جعل الجسد مركزًا لدينامية الوجود، لا مجرد موضوع للرغبة المؤقتة.

وتتسم اللغة في كثير من مقاطع الديوان بتداخل لافت بين النبرة الغنائية العالية والعبارة اليومية شبه النثرية، في مزيج يقرّب النص من فضاء القصيدة الحديثة التي تستثمر اليومي دون أن تفقد كثافتها الشعرية، ويتجلّى هذا بوضوح في نصوص المقهى، وخاصة في نصه:

تعالي لمائدة المحبة

ابدَئي بالسَّلام

وضَعي جسدَك

على مائدةِ المحبَّة

ولتُطلقي روحَك

– تلك الرَّهيفة –

في سمائي

أنا المعذَّب

يقتلُني الوقت

وتحييني ابتسامتُك الغضَّة

بينما تَنْثرين

عبقَك في المكان

ولفتاتُ عنقك الوجِلَة

تنقلُني من حالٍ هي المَحبَّة

إلى حالٍ هي الوَلَه

هابطًا ببصري

إلى حيث تمسكُ

خاصرتُك بالوقت

وتقلِّبُه كيفما شاءت

أو كما شاء لها أن تكون

وحيث تحطُّ عيني

مفعمةً بالألَق

على وجهكِ الصَبُوح

وأبدأُ في ارتشافِ الندى

المُنْبعثِ من ظاهرِ الخدَّين

رشْفَةً

      رَشْفَة..

(ويالَنَفَائسكِ الكامنة !)

حيث يتحوَّل الفضاء المألوف «المائدة» إلى حقل دلالي مفعم بالتوتر الإيروسي والروحي معًا، ولا تعود المائدة مجرد عنصر مكاني أو تفصيل يومي، بل تغدو مركزًا مشهديًا تتقاطع فيه الرغبة والسكينة، والجسد والروح، والوقت المؤجَّل. فـ«مائدة المحبة» تستعير معجم الأكل والجلوس والرشفة، لكنها تنفتح في الوقت نفسه على معنى المشاركة في السرّ العاطفي، وعلى إقامة طقس حميمي بديل عن اللقاء المكتمل، طقس يقوم على التلقّي لا الامتلاك، وعلى الإيماءة لا الفعل الحاسم. كما تحيل «الابتسامة الغضّة» إلى صورة جمال غير مكتملة، لا تُقدَّم بوصفها وصفًا جسديًا مباشرًا، بل كأثر وجداني عابر، يعاد توظيفه في سياق معاصر لا يخلو من مفارقة دلالية.

ويكشف هذا التداخل بين اليومي والرمزي عن قدرة الشاعر على كتابة تجربة العشق بلغة قريبة من المحادثة، لكنها محمّلة بظلال صوفية ومرجعيات وجدانية وثقافية متراكبة، بحيث يمكن قراءة المائدة في مستوى حرفي واقعي، وفي مستوى مجازي يجعل من الجسد مجالًا للنعمة والهبة، لا موضوعًا للرغبة المباشرة أو الامتلاك الجسدي الصريح. ومن منظور أسلوبي، يؤشر هذا المزج إلى وعي الشاعر بضرورة كسر الحاجز بين اللغة الشعرية الفخمة واللغة المتداولة، دون الوقوع في النثرية الخالصة، وذلك عبر الحفاظ على الإيقاع الداخلي، والتوازي التركيبي، والاقتصاد في الصورة، وبناء مشهد شعري يقوم على التكرار الهادئ والحركة البطيئة. ومع ما يتيحه ذلك من قربٍ من القارئ، واتساع لآفاق التأويل في آن واحد، تصبح اللغة اليومية نفسها موضوعًا للتحويل الجمالي، لا مجرد حامل محايد للمعنى الانفعالي أو السردي، وهو ما ينسجم بعمق مع الرؤية الكلية للديوان التي تجعل من العشق تجربة مؤجَّلة تُبنى في اللغة، لا حدثًا يتحقق في الواقع.

يُسهم الإيقاع، في هذا الديوان، في تعميق البنية الدلالية، متجاوزًا حدود الوزن الخليلي أو التفعيلة بالمعنى التقليدي إلى إيقاع داخلي قوامه التكرار، والتوازي، وتقطيع الجملة، ففي قصائد المقهى مثلًا، نقرأ مقطعًا من قبيل “رجلٌ طيّب! / نعم! أنا رجلٌ طيب!” حيث يتأسس الإيقاع على تعاقب الجمل القصيرة المنفصلة ظاهريًّا، والمتصلة دلاليًّا عبر خيط انفعالي واحد، وتُسهم علامات التعجب في تعزيز الإيقاع البصري والنفسي معًا، بحيث يتلقّى القارئ العبارات على هيئة نبضات متتابعة، لا على أنها إخبار مسطّح عن حالة رضا أو غربة، ويتكرر النمط نفسه في مواضع أخرى، عبر تكرار صيغ النداء (تعالي…)، أو عبر الجمل الفعلية القصيرة، أو ما يشبه اللازمة الشعرية داخل القصيدة، كما في تكرار (رشفة / رشفة) في نص “تعالي لمائدة المحبة” حيث يتحول التكرار إلى وحدة إيقاعية تثبّت اللحظة الحسية وتمنع انطفاءها السريع.

هذه البناءات الإيقاعية تُقرّب النص من أداء شفهي محتمل، وتمنح القصائد قابلية للإنشاد أو القراءة العالية دون أن تفقد بعدها التأملي، ومن زاوية أسلوبية، يمكن القول إن الإيقاع الداخلي يعمل هنا بوصفه آلية لضبط تدفّق الانفعال، ولحماية النص من التسيّب النثري، عبر توزيع الطاقة الشعورية على وحدات صوتية ودلالية متوازنة، وبهذا يُحكم القبض على المعنى حتى حين يبدو الخطاب أقرب إلى الاعتراف العفوي أو البوح اليومي المباشر؛ إذ يغدو كل تكرار صوتي، وكل تقطيع سطري، علامةً على إصرار الذات على تثبيت تجربتها في الذاكرة، ومقاومة النسيان الذي يهدّد تفاصيلها الهشّة.

وعلى مستوى الحقل المعجمي، تتكرر في الديوان مجموعة من الألفاظ المحورية التي تشكّل ما يشبه شبكة دلالية ناظمة للخطاب الشعري، من قبيل الغياب، والفراغ، والفرح المؤجَّل، والنداء، والعتمة، والجسد، والمقهى، وغيرها من المفردات التي لا تحضر بوصفها عناصر لغوية معزولة، بل بوصفها وحدات دلالية متفاعلة تُعاد صياغتها باستمرار داخل السياقات المختلفة للنص، ويتكثّف هذا الحقل اللغوي على نحو أكثر شمولًا في قصائد تتجاور فيها هذه المفردات داخل بنية واحدة، كما في القصيدة التي تُفتتح بنداء صريح:

يا أهلَ الله

ساعدوا روحي

كي ترى

أنا الموشومُ

بالمحبَّةِ

على قلبي

وساعدي

أمام جمرةِ

العشقِ اللاهبة

وكلِّ هذا الضياء

الذي يَنْتفي

ليفسحَ الطريق

أمام مقلةٍ زرقاء

وجبهةٍ عابسة

هذا الفراغُ

المحيطُ بي

بعضُ غيابها..

هذا الفراغ

هو جرَّةُ الندم

الثقيلة

التي أحملُها

على كتفي

وأسير..

وحيدًا

بلا هدف

شريدًا

دونما وِجْهَة

حيث تتجاور مفردات الغيب والرؤية والعشق والفراغ والجسد في سياق واحد، لا بوصفها إشارات معجمية ثابتة، بل بوصفها حلقات في سلسلة دلالية متحوّلة، ويتخذ “الغيب” هنا وظيفة مزدوجة؛ فمن جهة، يرسّخ بُعد البُعد واللامرئي في صورة المعشوقة الغائبة، ومن جهة أخرى يحمّل التجربة الحاضرة نفسها ثقل الماوراء؛ إذ يتحوّل طلب الرؤية إلى غاية مؤجَّلة لا تتحقق إلا لغويًّا، وفي هذا السياق، لا يُطرح “الفراغ” بوصفه حالة نفسية مجردة، بل بوصفه كيانًا ثقيلًا يُحمَل جسديًّا (جرة الندم الثقيلة / التي أحملها على كتفي) بما يكشف عن تداخل الحقول المعجمية المرتبطة بالجسد، والألم، والتيه.

وعلى هذا النحو، لا تبدو المعاجم المستعملة اعتباطية أو عفوية، بل تندرج ضمن مشروع واعٍ لبناء قاموس خاص بالديوان، يتجاور فيه الديني بالصوفي، واليومي بالوجودي، والحسي بالميتافيزيقي، بحيث يمكن تتبّع تطور التجربة العاطفية عبر تحوّل دلالات هذه الألفاظ داخل القصيدة الواحدة، لا عبر تكرارها فقط، واستنادًا إلى هذا القاموس، يصبح تحليل النص ممكنًا بوصفه متابعة دقيقة لطريقة توزيع المفردات وتكاثفها وتحولها الدلالي، لا مجرد الوقوف عند جماليات المجاز المعزول عن نسقه المعجمي العام، الأمر الذي يفتح الباب أمام قراءة سيميائية تتناول البُنى العميقة للخطاب، مثل ثنائية الحضور والغياب، والنور والعتمة، والفرح والحزن، بوصفها ثنائيات تتجسد لغويًّا أولًا، قبل أن تُترجم في مستوى الأحداث أو السرديات الجزئية، وفي التكوين البصري أحيانًا، كما في هيئة الغلاف والعناوين الداخلية للقصائد.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع