حاوره: رمضان جمعة
اعتدنا ماجد سنارة كاتبًا جريئاً يتناول في أعماله قضايا المجتمع الشائكة، بلمسة ساخرة وأسلوب جريء، لكنه يفاجئنا هذه المرة باقتحامه لعالم أدب الطفل بمجموعة قصصية تحمل عنوان: “كَبِيكَج حارس الكنوز وقصص أخرى”، تصدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 عن دار “زاجل مصر”، ليكون بذلك -على الأغلب- أول كاتب من أبناء جيله يُقدم عملًا منشورًا موجهًا لهذا العالم الساحر، عالم الأطفال، في هذا الحوار مع الكاتب “ماجد سنارة”، نتحدث معه عن هذه التجربة وهذا التحول:
من كتابة تحمل ملامح سخرية وسرد جريء عن قضايا اجتماعية وهموم الشباب، إلى الكتابة للأطفال، ما الذي دفعك لهذه التجربة المختلفة تماما عما قدمته سابقًا من أعمال؟
في البداية دعني أعترف لك بمنتهى الأمانة أن أخر ما كنت أتوقعه، أن أكتب للأطفال، نظرًا لما ذكرته في البداية أن غالبية القضايا التي أتبناها وأطرحها مرتبطة بالمنطقة الشائكة، كتابة حرة، تعري وتفضح وتحاول الوصول لأكثر المناطق المعتمة، وهذا يخالف تمامًا الأدب الموجه للطفل، لكني -كما تعلم- أحب التحديات وتغيير الجلد، أتعامل مع الكتابة كلعبة ممتعة، لذلك كتبت أول عدد في سلسلة “منصور زوربا” مع أني أيضًا لم أكن أتوقع كتابة روايات بوليسية، ولما نالت إشادة الجمهور اكتسبت ثقة أكبر في التنقل ما بين الموضوعات والأشكال الكتابية، فأول ما أحرص عليه دومًا في كتابتي أن تكون ممتعة مهما كان شكلها أو الفئة الموجهة إليها.
أعود لنقطة أدب الطفل، أنا أحب دومًا التفاعل مع عملي، حتى لا يكون مجرد روتين، ومع عملي كمحرر أدبي في مؤسسة هنداوي، وتخصصي في أدب الطفل، فقد قمت بتحرير ما يقرب من مئة كتاب تم نشرهم على تطبيق وموقع “بوك تايم” التابع لمؤسسة هنداوي، وفي ظل الانغماس في هذه القصص والعوالم المختلفة، تولدت في داخلي رغبة الكتابة لهذه الفئة العمرية الكبيرة، فوجدتني أتخيل فجأة أطفال عائلتي وأطفال أقاربي وقريتي ومعارفي، وبدأت أشعر بدافع كبير في الكتابة لهؤلاء، وللأمانة شعرت بمسئولية غريبة، أن أحاول تقديم قصص تحبب الأطفال في الثقافة والمعرفة، تُنمي خيالهم، وتجعلهم يتقبلون أنفسهم والآخرين، بالإضافة أني صرت مدركًا لقواعد الكتابة الآمنة للأطفال بحكم طبيعة عملي، وهو ما ساعدني كثيرًا وشجعني في الكتابة إليهم.
كانت أعمالك السابقة تعتمد على قضايا واقعية شائكة، هنا اعتمدت على الفانتازيا؛ كيف استطعت أن تحول قلمك من قلم يتناول واقع قاس إلى قلم ناعم وخيالي؟ وما هو التحدي الذي واجهك في اختيار مفردات اللغة التي تستخدمها لمخاطبة أطفال، خاصة أن الأطفال في الوقت الحالي، يختلفون عن جيلنا نحن لما كنا أطفالًا؟
بالطبع اعتمدت على الفانتازيا في بعض القصص، فمن ضمن متع الكتابة للأطفال، أنها تطلق العنان لخيالك ككاتب أن يشكل العوالم الخيالية كيفما يشاء طالما التزم بكونها كتابة آمنة للأطفال، تستطيع أن تجعل الطفل يطير، أو يواجه عصابات خطرة، أو يستكشف حتى مثلث برمودا، فالطفل يريد تنمية خياله ومعرفة عوالم غريبة دون التركيز في قوة الحبكة، فالحبكات البسيطة العادية التي قد لا تقنع الكبار، تكون مقنعة للأطفال في إطارها الخيالي، لأنه في النهاية يبحث أولًا عن المتعة قبل أن يدرك المعنى.
أما ما يختص باللغة، فأنا أحاول الكتابة لهم بلغة حية وبسيطة، لغة مستقاة من قاموسهم وأحاول التقريب ما بين اللهجة العامية والفصحى لتبدو الحكاية جذابة وحميمية للأطفال.
هل حيّدت تمامًا اهتماماتك الاجتماعية في هذه المجموعة الموجهة للأطفال، أم مررت قضايا اجتماعية تخص الأطفال ولكن بطريقتك المبسطة؟
أشكرك على هذا السؤال الذكي والخبيث في نفس الوقت، والحقيقة أني فعلت الأمرين على حسب فكرة القصة وموضوعها، فقد كتبت قصصًا ارتبطت بتمرير قضايا اجتماعية لتحمل قيمة تربوية مهمة، يعني مثلًا، قصة “المهرة منورة” تناسب الأطفال جدًا عن إدراك عاقبة الغرور، لكنها أيضًا تصلح للقراءة من الكبار، لأنها تحمل التجسيد الحي للأنثى التي تغتر بجمالها وتحاول الوصول لمكانة أعلى دون الاهتمام بمسألة الحب والعواطف، وفي قصة “العصفورة نودي”، نجد القصة عن عصفورة، لكنها تحمل مفهوم العصفورة في مكان العمل، وهو مفهوم يعرفه الكبار، لكنها تُعلم الأطفال عدم النميمة ونقل الكلام لإحداث الفتنة والصراع في مملكة الغابة وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فأنا أيضًا أحاول أن ألعب لعبة مع الطفل، ومع مستويات متعددة لتلبية ذكاء كل طفل.
هل ترى في هذه التجربة المختلفة عما سبق وقدمته، مخاطرة قد تبعدك عن جمهورك المعتاد؟
على العكس تمامًا، فهي ستوسع دائرة جمهوري، خاصة وأنه لا يوجد تعارض بين هذا وذاك، فأنا سأنشر للكبار والأطفال، الأطفال لن يقرأوا كتب الكبار، والكبار لن يقرأوا كتب الأطفال إلا للأطفال، ما عدا حالات نادرة، بالإضافة أني كما قلت لك أتعامل مع الكتابة كلعبة ممتعة، فأنا أتحدى نفسي أولًا وأكتب ما يروق لي، وبعد ذلك ليقل القارئ كلمته، فأنا من النادر أن أفكر في الجمهور في مرحلة الكتابة نفسها.

بعد خوضك تجربة الكتابة للطفل، هلى ترى أن أدب الطفل في مصر يعاني فجوة جيلية؟ وكيف عالجت في مجموعتك هذه الفجوة؟
أعتقد أنه يوجد محاولات جادة ومحترمة من كتاب شباب يكتبون للطفل حاليًا، أتفق معك في نقطة الفجوة ما بين القديم والحديث نظرًا لصعوبة اللغة وتكرار الموضوعات، لكن أعتقد الجيل الجديد في الكتابة يحاول التقارب مع الطفل وفهم دوافعه وأفكاره وما يلفته ويؤثر فيه، أنا شغوف جدًا بالإستماع إلى الكثير من الأطفال، ومعرفة ما يدور في عقولهم، أحب لو أجعل من كل واحد منهم بطلًا لحكاياتي.
كيف يرى ماجد سنارة مستقبل أدب الطفل في ظل التطور التكنولوجي الرهيب في السنوات الأخيرة خاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي؟
الإبداع البشري لن يموت، لأن البشر هم من يخترعون ويطورون، هم الفعل وليس الاستجابة، جمال الكتابة البشرية في أنها ليست كتابة كاملة، أو كتابة جامدة أو معلبة، لكنها تأتي محملة بكثير من العواطف والتجارب والرؤى الشخصية، فمثلًا الذكاء الاصطناعي قد يمنحك كتابة جمالية فيما بعد، لكنها خالية من المصطلحات الجديدة أو اللغة المتطورة، أو اللغة الشفهية من ألسنة البسطاء، لذلك فأنا أرى أن كلما حاول المبدع أن يكون قريبًا من هؤلاء الذين يكتب لهم، كلما كان سابقًا للذكاء الاصطناعي، لأنه مثلما قلت هو الفعل وليس الاستجابة.
بعد هذه التجربة، هل تنوي مستقبلًا، تقديم عملًا أو أعمالًا أخرى لعالم الأطفال؟ أم ستعود لاستكمال مشروعك الذي اعتاد قراءك عليه؟
سأفعل الاثنين، لا أريد أن أحرم الصغار من المتعة التي أمنحها للكبار.. “من حق الكل يتبسط”، هذه مزحة قد تعتبرها تصلح لأن تكون قناعة وحقيقة أيضًا، في النهاية، سأقدم أعمالًا أخرى كثيرة للأطفال، ولدي مشاريع وكتابات أخرى للكبار، لكل كتابة متعتها، وأنا أحب تجربة كل المتع في الكتابة، والحياة أيضًا.














