فاطمة الشرنوبي
يصرخ مغني الراب البلجيكي ستروماي Où t’es, papaoutai? أين أنت بابا؟
هرولتُ إلى محرك البحث جوجل أسأله ما بال هذا المغني يسأل أين أباه بصوت باكٍ حينا وصارخ حينا؛ فهمس في أذني أن أباه قد قُتل في مجزرة رواندا في العام 1994.
الأغنية التي أُطلقت في العام 2013 – أي مذ 13 عاما – عادت إلى الواجهة من جديد من خلال مؤثري منصات السوشال ميديا متراقصين أمام كاميرات هواتفهم، بَدَوا مثل مهرّج يؤدي دورا من وراء قناعٍ ملطّخ بألوان فاقعة على ألحان أغنية تبدو في الوهلة الأولى راقصة غير أن موسيقاها المعجونة بصراخات حناجر مجروحة تثير حزنا مّا في النفوس.
توقفتُ قليلا عند كلمة مجزرة .. ذكّرت نفسي أن الفن دائما مرآة لنا، لآلام الشعوب وأفكارها وخواطر أبنائها، كاشفا للأسرار ومكنون الصدور والنفوس. الفن إنما هو أداة راقية تفتح في وجه الذاكرة الجمعية والفردية صفحات ظننّاها طُويت من التاريخ، غير أنّ الصفحات السوداء لا تُطوى، بل تُشعل نارا في الكِتاب وتحرق الأخضر واليابس إن أحسّت أنها شحبت في الذاكرات، فتقرّر من خلال أغنية أو فيلم أو قصة أو رواية أن تبرق من جديد.
في أغنية Où t’es, papaoutai? أين أنت يا بابا؟
تصرخ قبيلة التوتسي (الأقلية في رواندا) على لسان ستروماي وتقول لقد ذبحوا منّي مليون في 100 يوم. يعني بحِسبة رياضية ما يعادل عشرة آلاف في اليوم والليلة على أيدي الهوتو (الأغلبية الساحقة في رواندا).وحتى تلك اللحظة التي اكتشفت فيها قصة المجزرة المروعة والتي راح فيها والد المغني الصارخ كنت أعتقد أن “سؤال أين أنت بابا؟” تنديدا بالقتل الجماعي في 1994، وحتما فإن ستروماي يحيي ذكرى الإبادة في وطنه الأم، غير أنه بعد البحث والتنقيب عن نجم الراب، أصله وفصله ومرحلة طفولته، علمت أنّ الأمر ليس تماما كما ظننت. ستروماي متحدثا عن أبيه قال سابقا:
“عندما علمتُ بوفاته، لم أبكِ. ربما لم أكن مستعدًا لذلك. الحقيقة تبقى أننا لن نستطيع تعويض الوقت الضائع مع هذا الأب الذي لم نره ونحن صغار.”
والد ستروماي شأنه شأن أغلب الآباء، يكدّون واصلين الليل بالنهار باحثين عن لقمة العيش والنجاح المهني حتى وإن كان الثمن هو الابتعاد عن أبنائهم وأزواجهم لأشهر طوال.
ولكن بالنسبة لي، وإن أعطيتُ لنفسي الحقّ في تفسير الأغنية، كلماتها، موسيقاها، والألم وراء صرخة قائلها خاصة في المقاطع الأخيرة، فأرى أنّ الألم مزدوج: لم يكن الأب موجودا حين كان عليه أن يكون قريبا من أبنائه، والأمر الثاني أنه وفي مرة من مرات غيابه الطويلة راح قتيلا مع مليون آخرين بدم بارد فقط لأنه ينتمي إلى قبيلة توتسي. وتبقى صيغة السؤال المحفوف بالألم هي المسيطر على الأغنية، ففي هذا المقطع يسأل بصوت جريح:
Dites-moi d’où il vient
Enfin je saurai où je vais
Maman dit que lorsqu’on cherche bien
On finit toujours par trouver
أخبروني من أين هو آتٍ
لكي أعرف في النهاية أين أذهب
أمي تقول: عندما نبحث جيدا
سننتهي حتما بإيجاد ضالّتنا
وحين ينتهي به الأمل إلى الفقد التام، لا يجد إلا أن يوجّه توبيخًا، كذلك في صيغة سؤال، إلى أبيه، الذي ظهر في صورة تمثال شمعي في الفيديو كليب للأغنية:
Ah, sacré papa
Dis-moi, où es-tu caché?
Ça doit faire au moins mille fois que j’ai
Compté mes doigts
آه أيها الأب المبجّل
أخبرني أين تختبيء؟
قمتُ بالعدّ على أصابعي ألف مرة على الأقل
***
“الآن أدركتُ أن كل كائنٍ بشريٍّ يخفي في داخله شيئًا مرعبًا”.
من رواية “سيدة نهر النيل”
وبالغوص في الأدب الأفريقي الذي نقش المجزرة في حروفه وعلّق جماجم ضحاياها على أعمدته وخلّد القبح الإنساني الذي تخطّى اللّامعقول في رواندا، فهناك أدب سابق للمجزرة محذّرا من تصاعد الكراهية الإثنية والتوتّرات القبلية كما في رواية “سيدة نهر النيل” «Notre-Dame du Nil» للكاتبة التوتسية سكولاستيك موكاسونجا. تدور أحداث الرواية في مدرسة ثانوية داخلية كاثوليكية في رواندا، حوالي عام 1980، أي قبل الإبادة الجماعية ب14 سنة.
ولم تكتف بذلك، ولكنها – وقد فقدت معظم عائلتها في المجزرة – فقد نشرت سيرتها الذاتية بعنوان “الصراصير” Inyenzi ou les Cafards في 2006 في إشارة صريحة لاحتقار التوتسي والتمييز العرقي ضدّهم حيث كان يُشار إليهم بـ (الصراصير) والدعوة لمعاملتهم كحشرات بغيضة لا تستحقّ الحياة. وكما جاء في سيرتها الذاتية، فإن الشراهة للدّماء حوّلت الجار إلى عدو، والصديق إلى خِصم. كما تركت المجزرة الأحياء غرقى في ندوب لا تندمل ولا يمكن للزمن محوها بالكامل.
“الويل لمن ينهشه النسيان.”
من رواية “سيدة نهر النيل”
تحكي موكاسونغا أن الناجين مثلها كان لديهم شعور بالذنب، لماذا نجونا بينما فقد الكثيرون حياتهم؟
تشير موكاسونغا في كتابها أن التعافي من الماضي يتطلب الحفاظ على الذكريات لضمان عدم تكرار الفظائع، كما أن إبقائه حيّا يعيق عملية الشفاء الكامل، أي أن المعاناة للناجين مزدوجة: فمن جهة، كان من الضروري إحياء الماضي على صفحات الكتاب، ومن جهة أخرى، فإن إعادة عيش هذا الألم باستمرار قد يعمّق الجراح والندوب. وهنا يكمن التحدي في تذكر الماضي وتكريمه، وفي الوقت ذاته إيجاد طرق للمُضي قُدُمًا وإعادة بناء الحياة بشكل جديد بعيدا عن فظائع الماضي.
***
وإنني كل مرة تصفعني أخبار مجازر من الماضي أو الحاضر أتذكر آيات من سورة البقرة حيث تسأل الملائكة ربّها {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، فيردّ عليهم جلّ جلاله قائلا {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.















