مروان ياسين الدليمي
1
أتذكّرهم.
ليس كما يتذكّر الحجرُ ظلَّه عند الظهيرة
بل كما تتذكّر الريحُ نافذةً تُغلق في وجهها.
الذاكرة ليست في رأسي.
إنها حيوانٌ غريب ينام عند قدمي
ينهضُ مذعورًا حين يسمع اسمي
ويمشي ورائي ككلبٍ أعمى.
أحيانًا تَسخرُ مني
تُعيد إليّ وجوهًا مبتورة
ضحكات بلا أفواه
وأسماءً تتعثر في فمي
مثل حروف مكسورة.
لكنني أعيش بها.
أشربُها كما يُشرب الماء المالح
أستنشقها كما يُستنشق دخانُ الحطب الرطب
وأُمسكها بأصابعي كما تُمسك يدٌ مرتجفة بظلّ لا يريد أن يبقى.
إنّ صمودي ليس في صلابتي.
أنا هشٌّ كزجاجة تسقط كل يوم ولا تنكسر.
صمودي
في هذا الحيوان الغامض الذي يرفض أن يتركني
في الذاكرة التي تضحك عليّ
ثم تعود وتبكيني
ثم تُمسك بيدي كي لا أسقط في النسيان.
2
النسيان ليس عدوي.
إنه شجرة مائلة عند بابي
كلما مررتُ بها أظنها ستسقط عليّ
لكنها تكتفي ببعثرة أوراقها على كتفي.
أحيانًا يكلّمني بصوتٍ رخيم
يعدني بالراحة
يقول: “تعال، ضع رأسك على صدري
سأغسل عنك وجوه الذين رحلوا” .
لكنه كاذب
يترك بقعًا من الطين على قلبي
ثم يهرب.
أصغي إليه كما يُصغى إلى بائعٍ في السوق
أعرف أنه يخدعني
ومع ذلك أشتري منه شيئًا صغيرًا:
نسيان رائحة قميص
نسيان يومٍ بلا شمس
نسيان وعدٍ لم يتحقق.
غير أن الذاكرة تعود مثل قافلةٍ عنيدة
تجرّ أجراسها عبر لياليّ
توقظني من نومٍ هشّ
وتضع أمامي صورًا كالأطفال
يركضون في ممرات روحي
ويصرخون: “نحن هنا” .
أضحك أحيانًا من سخريتها
من هذا الحبل المشدود بين النسيان والذكرى
كأنني مهرّج في سيرك قديم
يوازن جسده على خيطٍ ممدود
ويعلم أنه سيقع
لكنه يواصل السير لأن الجمهور ينتظر.
3
أعرف أنني لستُ قويًا.
القوةُ تنتمي إلى الجبال التي لا تتحرك
إلى الحديد الذي يصدأ ولا ينكسر.
أنا شيء آخر:
ريحٌ تسير وهي تتفتت
ماءٌ يتسرب من بين أصابعٍ لا تملك سوى الارتعاش.
لكنني أبقى لأنني أتذكّر.
أتذكّر كما يتذكّر الليلُ شموعه
وكما تتذكّر الطيورُ فخاخها
وكما تتذكّر الشوارعُ خطوات الذين لم يعودوا.
إنهم يعيشون في داخلي.
يتنفسون في رئتي
يضحكون في عروقي
ويجلسون معي حين أضع الخبز على الطاولة.
أحيانًا يكتبون عني رسائل لا أقرأها
وأحيانًا يلقون عليّ أسئلة لا أجيب عنها.
كل حبٍّ لا يموت يتحول إلى ظلّ
وكل ظلٍّ يرافقني يتحول إلى نافذة
وكل نافذة تُفتح تصبح طريقًا
وطريقي مزدحمٌ بهم
أولئك الذين غابوا وظلوا
أولئك الذين يمدّون جسورهم عبر فراغي.
لذلك أقول:
صمودي ليس في جسدي
بل في هذا الركام المضيء من الوجوه
في هذا الضجيج الناعم الذي لا يصمت
في هذه الذاكرة التي تمشي إلى جانبي
تضحك وتبكي
وتعلّمني أن أعيش.

















