حوار مع الشاعر المصري فتحي عبد الله

حاوره: أسعد الجبوري

كان يحملُ وسادةً على رأسه ويمضي بحثًا عن غرفةٍ له في زقاق المتاهة التي أنزلهُ فيها الإبليس بعد الرحلة الطويلة التي قضاها بمتابعة حركة السيوف المسلولة في معارك ما كان يُسمّى بالطحالب الشعرية. ذلك ما عرفناهُ عن الشاعر المصري فتحي عبد الله  (1957–2021)، الذي كان وحيدًا إلا من الوسادة الخالية المبلّلة بالأحلام التي رأينا واجب التدرّب عليها ومعرفة طقوسها وأحوال مخلوقاتها، وكيفية التفاعل معها بالكشف عمّا بذاته من تراب وكتب وخمور وذكريات وأيديولوجيا وظلام ونساءات ومزارع وأحواض للأسماك.

سألنا الشاعر فتحي، قبل أن ندخل في صلب الحوار، عن مكان إقامتنا الراهن، فنكرنا أن تكون للبريد إقامة في مكان أو زمان. فقهقه بصوتٍ عالٍ وقفز سياج المتاهة، لنتبعه إلى تلك المصطبة الخشبية التي وضع عليها وسادته ورأسه وأحلامه. وقبل أن يتواصل دماغه مع النوم وأشباح العالم الميتافيزيقي العالي، حاولنا أن نطرح عليه بعض الأسئلة ونبدأ بالحوار. لذلك سألناه

س: أين كان فتحي عبد الله قبل الشعر؟

ج: كنت نائمًا برحم اللغة.

س: وكيف كان المكان ذاك؟

ج: أتذكر أنه كان دافئ المياه.

س: ومن أيقظك من منامك القديم يا فتحي؟

ج: ليس غير النيل. جرفني دون توطئة، لأكون على السطور هنا وهناك.

س: هل كانت الأسطر من تراب أم مكوّنة من مواد أخرى؟

ج: كانت أسطرًا معجونة بالآلام وبالآمال المريضة والتشويش الشعري البسيط.

س: كم من المتاعب تتحمّل القصيدة؟

ج: أكثر مما نتحمّل نحن الشعراء. فلبعض الكلمات في النصوص طاقات استثنائية على تحويل الرمال إلى ذهب.

س: وأين تغتسل القصيدة إذا ما أخطأت بالتعبير؟

ج: بمياه النيل. فبقدر ما هو نهر طويل الباع ومشاكس، بقدر ما هو مُطهِّر للغة من الأخطاء ومنظِّف للأوساخ.

س: ومن برأيك هو المصحّح لذنوب الشاعر؟

ج: المخيّلة، ليس غير.

س: وهل المخيّلة أداةٌ لمحو الذنوب أم لتدوير فضلات العقل وجعلها نصوصًا جمالية قابلة للانغماس بالأنفُس وبالكتب وبحدائق العاشقين؟

ج: كنت أعتقد بأن المخيّلة هي زمن الشعر. ذلك ما آمنت به قبل الموت وبعده.

س: ما الذي يحلم به الميت يا فتحي؟

ج: أن يجد كرسيًّا على حافة هاوية، ينقذه من متاعب البحث عن نفسه في غوغل.

س: والتمتّع بأغنية «أنا بانتظارك» أليس كذلك؟

ج: أجل. فالتشرّد، مثلما كان، سيبقى المنفى الممتاز لبطولة غودو صموئيل بيكيت.

س: ولكن قُل لي: أين تتجسّد بطولة الشاعر؟

ج: من حسن الحظ أنني وجدتها قطةً نائمةً تحت السطر، وذلك ما أبعد الكآبة عن وجهي قليلًا.

س: هل تظنّ الكآبة تكسّر مرآة الوجه؟

ج: لا، ولكنها تُسكره بالضبط.

س: ما الذي بحثت عنه في السموات ووجدته سهلًا ودون تكلفة هنا يا فتحي؟

ج: الجنس والتظاهرات والشغب.

س: والشعر، ألم تجد له أثرًا هناك؟

ج: نعم، وجدته يغطي سموات الأرض. كان الشعار الطاغي على لغة أهل الجنة هو تضامن الحيامن في أحواض الكلمات.

س: والخيال؟

ج: لا حاجة للخيال هناك، فثروة الشاعر تأتي بإنتاج ذكريات متحرّرة من أهل الأرض بدافع لبيدوي–لغوي.

س: هل لأنك كنت صاحب «راعي المياه»، مجموعتك الأولى؟

ج: لم أكن يومًا صاحب مياه.

س: ولِمَ التنكّر وأنت صاحب كتاب «تبتلك المياه»؟

ج: حاولت تجفيف عقلي من الطوفان.

س: ونجحت بما رغبت به يا فتحي؟

ج: قُل إنني غريق تلك المياه في ذلك الكتاب الشعري الأول. لقد أفرزت الطبيعة كل كلمات ذلك الكتاب، حتى اعتقدت أنه تراب ويمكنني الحرث فيه وزرعه بمختلف المشاعر وجني مختلف المحاصيل.

س: هل ملكيتك لحاسّة الفلكلور هي ما جعلك فلاحًا لغويًا يتصدّر المشهد الشعري المصري في فترة ما؟

ج: كلّ من يدخل كتابي الثاني «سعادة متأخرة» سيجد مشاهد جليلة لانصهار الحديد في الأوردة والنقاط وعلى ظهور الكلمات.

س: هل شعرت بأن الكلمات كانت ثقيلة على ظهرك وأنت تعبر الخط الفاصل ما بين الحياة والموت؟

ج: أنا حملت أرضًا كما كنت أعتقد، ولكنني سرعان ما تأكدت بأن حمولاتي عائلية بالدرجة الأولى.

س: عائلية وحسب؟!!

ج: أجل. فالعائلة هي تراب مصر، وقمح مصر، وقطن مصر، ودمع مصر، وسيف مصر، وعشق المصريين بمختلف الطوائف والمذاهب والمشارب والانتماءات.

س: لذلك كنت تبكي على صدر مصر يا فتحي؟

ج: ذلك ما كنت عليه في «أثر البكاء»، كتابي الذي طُبع بدموعي الكلاسيكية منها والحداثوية على حدّ سواء.

س: ما قصة الدمع الكلاسيكي؟ وكيف يختلف عن الدمع الحديث؟!

ج: لكل جرح عام دمعٌ قديم يناسب وضعه وظرفه، فيما الذات فلها دمعها الخاص الذي يبدأ من حرائق الباطن وحتى الشغف والهجران وملفات الوداع.

س: كيف كنت تنام يا فتحي؟ وأين؟

ج: كان نومي شبيهًا بآلة إشارات المرور في شوارع الليل، ولم أكن متيقّنًا يومًا بأن وسادتي ستتحوّل من الحجر إلى مرحلة الحرير.

س: ألا تعتقد بأن قصيدة النثر أفضل سرير يناسب جسمك على سبيل المثال؟

ج: لا أبدًا. قصيدة النثر فضاء، متى ما حلّق الشاعر فيه اكتسب هوية الأوكسجين الصالحة للطيران.

س: ولكن قصيدة النثر في مصر عانت من الويلات وتوسيخ السمعة الكثير، أليس كذلك؟

ج: نعم. لقد خصّص الكلاسيكيون الرجعيون المدافع والسهام والأفواه المتعفّنة والكراسي القديمة والسلطات ضدّها، ولكنهم لم يستطيعوا خنقها.

س: ألا تعتبر بأن قصيدة النثر المصرية أرملة سوداء؟

ج: بالتأكيد هي كذلك، فسمومها قاطعة بإزاحة الرموز الشعرية الميتة وتغيير خارطة الشعر المصري.

س: ماذا عن العزلة يا فتحي؟

ج: هي مكان ممتاز، ولكنها ليست أوهى من بيت العنكبوت.

س: ألا تظن بأن كل نص شعري يمرّ عبر فلتر المخيّلة يخرج برائحة التفاح؟

ج: لا أظن ذلك، فعطر الجماعة لا يصنع شعرًا مختلفًا ومميّزًا وباهرًا.

س: لماذا؟

ج: لأن القطعان لا تكتب شعرًا، بل تأكل النجوم في سموات القصائد.

س: أنت خرجت من العراق –بعد أن عملت فيه سنوات– مشحونًا بظلال الشعر العراقي. ما رأيك؟

ج: ذلك صحيح، فأفضل ما كان بشعري من فلزّات حيوية تكوّن بفعل معادن الشعر العراقي.

س: كيف كنت تنظر إلى الحداثة؟

ج: كنت أراها قريةً كامل سكانها من النيام، وإن استيقظ فيها أحدٌ فذلك لأنه يريد تجديد الشيشة بالحشيش.

س: ألا ترى إنعاشًا للحداثة بدخان تلك النبتة؟

ج: أجل، فالحداثة تستحق أن تنام على الحشيش بالشيشة بعد أن جعلها المتفلسفون أشبه بالمتاهة!

س: هل كنت صاحب أحلام مضخّمة على سبيل المثال؟

ج: لا. كان أكبر أحلامي أن يملأ فمي بالكرز، كما جاء ذلك عنوانًا لأحد مجموعاتي الشعرية.

س: هل وجدت قصيدةً من شعرك مقطوعة الرأس؟

ج: نعم، ففي شعري الكثير من القصائد بلا رؤوس.

س: وكيف حدث لها ذلك؟

ج: أظن لأن كل قصيدة من شعري حبلى بتوأم أو أكثر من مصائب البلاد.

س: هل كنت تحمل مصر على ظهرك يا فتحي؟

ج: بالضبط، وكلما وجدتني مصر متعبًا أدخلتني إلى غرفة الإنعاش لأحيا.

س: كيف يجب أن تكون علاقة الشعر بالسلطة؟

ج: كعلاقة إبليس بالجنة.

س: وماذا عن الناس في الشوارع والمقاهي والحانات والمصانع والمزارع؟

ج: كلّ ما ذكرتَ من هؤلاء ينظّمون حركة البلاد لا العكس، لذلك تراهم معارضين ومن المضطهدين والجياع وعلى الهامش.

س: هل كنت شيوعيًا يا فتحي؟

ج: كنت سقفًا تراقصت عليه الأقدام حتى تخلخل وانهار.

س: هل كنت تحب الرقص؟

ج: وما المانع الذي يحول دون ذلك؟ أنا لم أكن طبيعةً ساكتة أبدًا.

س: تعني أنك كنت مشاغبًا؟

ج: أجل، فالشغب من أدوات الشاعر في كل زمان ومكان.

س: كيف كنت ترى رعاة الصوفية؟

ج: كانوا قبورًا تدور حول أنفسها في رقصة الجهل والمجهول.

س: وكنت واحدًا منهم؟!

ج: أجل. كنت حاضرًا في الموت قبل أن أكون موجودًا في الحياة. إنها لعبة الموتى، ممن تفيض بهم الأساطير والقصص والقصائد المشحونة بالتعازي وغبار المدافن.

س: ألا يوجد مخرج ينقذ الروح من السأم الوجودي؟

ج: نعم. ذلك موجود في الليل، حين نرمي رؤوسنا بالظلام ونقطع الوصال بالهواء.

س: هل أكلتك حساسيتك يا فتحي؟

ج: لا. الذي أكلني هو التردّد بترسيخ حساسية العدم في كل ما هو شعري.

س: هل سبقك الموت ولم تحقّق رغبة ما؟

ج: بالضبط. كنت أحلم بتغيير وجهة سير نهر النيل، لكن الغرق خطفني.

شاعر وكاتب عراقي

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع