د. حسان صبحي حسان*
عندما يحتضن المكان للحكاية، وتنبض الجدران بالذكريات
عندما تنبري اللحظات العابرة أمام البصيرة
عندما يحمل الفن نكهة التاريخ ويلتقي الحنين بالتجريب
وتنحت الصورة السينمائية لأثرها في تشكيل الذاكرة والهوية العربية
وتتماهي وجدانية الجمهور وذكريات الشاشة
وعندما يستفز الفكر والتأمل والمناقشة حول (الذاكرة، الهوية، الخيال الجمعي)
تنبري الأولوية نحو استرداف ذاكرة السينما
(ليصبح الفن بمثابة الذاكرة الجماعية) والوسيلة للحفاظ على التاريخ وتخليد الأحداث وروح الحكايات والزمن الجميل

بالجمال والحلم مساحة “البارح” تستحضر ذاكرة السينما العربية:
(وعبر قيم فنية وتعبيرية تتجاوز الحنين الى الماضي وتنعطف نحو إعادة نسج التاريخ والأحداث والذكريات، وإعادة قراءة معاصرة تحاور الإرث البصري والدرامي الذي صنعته السينما العربية) يأتي معرض “يا حبيبي أفلام” كتأطير لممارسة فريدة أصيلة،وانطلاقة فنية تسطر خارطة للتحول الفني الخلاق والاضافة التي تدعم(الالهام- والتفاعل مع القضايا المعاصرة- وتأصيل الفكرة-والهوية- والذاكرة الجمعية- واستلهام عبق الزمن الجميل وما يحمله من ذكريات الفن والسينما) وهو الأمر الذي يسمح للجمهور بالتعايش والاندماج مع العصر الذهبي للسينما المصرية.
وذلك بإشراف السيدة الفاضلة “هيفاء الجشي” وتوجيهها وايمانها العميق بأدوار الفن في التعبير عن الذات والعواطف والتواصل الثقافي والفكري،وحفظ التاريخ،وجهود المبدعة النشيطة والقيم الفني “نوف الرفاعي” في تدشين المعرض مساحة “البارح الفنية” في منطقة العدلية بالمنامة في البحرين،كمساحة ملهمة احتضنت الحلم واكتنفت في رحابها مشاركة الفكرة،كمحيط إبداعي ومنصة فاعلة للفنون والثقافة، وفضاء فني يرتقي بمكانه وماهية الفنون ومدلولاتها التعبيرية والجمالية، وموطن أصحاب المواهب والمبدعين،ونقطة التلاقي وتدشين الفعاليات والمعارض وورش العمل والبرامج الفنية والملتقيات الثقافية على مدار العام،بما يرسخ مكانة البحرين كمركز للفنون.

حيث يقدم المعرض (كنوز بصرية وباقة منتقاة ونادره من البوسترات الأصلية لأفلام الزمن الجميل،لتنبري وكأنها أعمال فنية تعكس ذائقه عصر كامل واسلوب بصري يسطر الوجدان-بجانب ابداعات تصويرية معاصرة لفنانين استلهموا جماليات “الأفيش” الكلاسيكي وروح الحكايات السينمائية) “فالأفيش” أحد أشكال الاتصال المرئي والاعلامي،والتعريف البصري بالفيلم، كمحاولة تعبير مختزل لمضمون العمل، واستعراض لشخوص ونجوم العمل السينمائي، ووسيلة ترويجية في مرحلة ما قبل “التريللر”، ليمثل رؤية فنية ذاتية ورسوم يدوية توضيحية تصور مشاهد دراماتيكية أو شخصيات مستوحاة من الفيلم،ثم الارتكال للتأثيرات الجرافيكية ومرحلة التقنيات الحديثة،واستلهام الصور الفوتوغرافية محل اليدوية،وتضمين الصور مع نصوص كتابية تعكس أجواء الفيلم وتترك الأثر الباقي في ذهنية ووجدانية الجمهور.

استلهام جماليات “الأفيش” وروح الحكايات السينمائية:
جاء المعرض الفني كفاعلية تمثل فضاء للتأمل والابداع،واحتفاء بالحب بالصوت والصورة بالسينما،واسترداف سحر الشاشة والسينما العربية الكلاسيكية في قوالب تنشط الذاكرة الجمعية بالجمال والحلم،فتناوعت التأليفات الفنية للمشاركين،وأثمرت الفكرة عن معزوفة فنية تعكس طزاجة الأفكار لتصورات حداثية من عمق مفهومي فريد، فأسست الفنانة السعودية “تغريد البقشي” للانشغال بفكرة “الغياب الجسدي وفكرة الخلود الروحي والأثر الباقي الممتد”عبر استحضار”أم كلثوم” كأيقونة باقية ورمزيه للذاكرة والموسيقي العربية،والوجدان الجمعي،كقيمة رمزية ثقافيه تشع الحب والحنين لأجيال عديدة،فكان تشخيص “السمع”” وطاقة الطرب” لصورة بصريه تؤطر التفاعل الحي بين سحر الصوت والجمهور. واستردف الفنان “عمر الراشد” عمله من (جدارٍٍ قديم في أحد أحياء القاهرة العتيقة، لبقايا ملصقات أفلام قديمة وطبقات الزمن مع الأثر الإنساني والثقافي تسرد قصة ذاكرة المكان وطريقة عرض الأفلام والإعلان عنها في الماضي)فنسج فكرة فنية تزاوج بين ذاكرة المكان والقيمة الجمالية المستوحاة من تفاصيله.

وارتكلت الفنانة “لطيفة الشيخ” لاعادة صياغة المشهد السينمائي كعالم حالم ميثولوجي خالد نابض يقود كرنفال بصري(لحبيب الروح) تلك الأيقونة الخالدة التي تتلألأ فيها “صباح وشادية وأنور وجدي” في سماوات مرصعة بالنور والنجوم،وموكب تتداخل الأحجار الكريمة مع الورود.وكان عمل الفنانة “مريم السندي” كتوثيق بصري وأيقونة غنائية مستوحاة من أغنية”دقّّوا الشماسي”،وإحياء لحالة وجدانية كاملة تجمع بجمهوره، وتعزيز قيمة الفن بوصفه ذاكرة جماعية، عبر استحضار روح الحقبة الذهبية للفن المصري، وتوظيف الأبيض والأسود كمعادل لأجواء السينما القديمة والطابع الكلاسيكي والبهجة والحرية والانطلاق والموسيقي،وربط الحاضر بالماضي.
وجسد عمل الفنانة “ندي المقهوي” حكايات الإسكندرية القديمة،وأسطورة “ريا وسكينة” التي شغلت الرأي العام المصري،من خلال حداثة فنية استهدفت المشهد السينمائي في قالب فني ينبض بالحلم والروحية،واختيار تراتيب لونية دعمت الفرادة البصرية وجعلت شخوص العمل مادة للتأمل الفني. كما لخصت أعمال الفنان “محمد المهدي” مفهوم ينطلق من أن انفعالات وأحاسيس وقدرات الممثل هي التي تترجم النصوص المكتوبة وتبث فيها الروح ليشخص تجربة إنسانية نابضة بالحياة ويبلور الرسالة والمفهوم،من خلال الدراما كفن يجسد الحياة الإنسانية بما فيها من صراعات وأحداث.
ولكونه دوما يعيش داخل الفيلم وفي قلب الشاشة القماشية الكبيرة، وانتقاله من الواقع الى الحضور داخل الفيلم،صاغ الفنان “نديم كوفي” نفسه كمشارك وبطل في الأحداث الدرامية،وتصوير نفسه بشكل عفوي كبطل داخل الفيلم وصاحب حضور درامي فاعل. بينما أكدت الفنانة “مني المعتز” علي الإلهام والاشارية لدور المرأة الفاعل (فعند غيابها تتعثر الحياة) (وفي لينها سر القوة-ومن رقتها تنسج خيوط السعادة والانسجام المجتمعي) وهو ما دعمه التأثيرات والمعالجات اللونية كلغة سردية يعاد تشكيلها بخصوصية الفنانة، ليبوح العمل بصوته الخاص.

وعبر جسر يصل بين السينما والفن التشكيلي، جاء عمل الفنانة “مريم فخرو” كاستنطاق للذاكرة البصرية والوجدانية للمشاهد، من خلال “دعاء الكروان” كمرآة تعكس حوار بين الماضي والحاضر،وصراع الإنسان بين القيم والعاطفة ودفء الحكاية،وبين بهاء الجمال وقسوة الألم، وتجسيد ذلك في لغة تشكيلية تتداخل فيها الألوان والملامس لتعبر عن جدلية الألفة والاغتراب وعن البراءة حين تتقاطع مع الانكسار. وسعي عمل الفنانة “ضوي أل خليفة” لتسليط الضوء على “الكومبارس” كوجوه ثانوية باتوا خارج أضواء السينما العربية،وتصويرهم كأبطال لحكاياتهم الخاصة. بينما استعرض الفنان “حسين المحسن” التجربة السينمائية الأولى في منطقة الخليج للفيلم الكويتي القديم “بس يابحر” ذو التحول في مستقبل سينما الخليج العربي،من خلال عمل صيغ بطريقة التلوين على صورة من مشهد من الفيلم. بينما تمحور النهج فلسفي للفنان “سيد الساري” حول فاتن حمامة الحاضرة بقوة، حتى في أكثر لحظاتها غيابا، ليتعاظم بذلك دور الفن حينما توقظ الحنين والذاكرة.
………………………….
*أستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد













