كاثرين مانسفيلد
ترجمة: ممدوح رزق
فيرجينيا تنكمش بجانب النار. أغراضها مبعثرة على الكرسي، وبخار خفيف ينبعث من حذائها عند حاجز المدفأة.
فرجينيا (تضع الرسالة جانبًا): لا أحب هذه الرسالة على الإطلاق.. نعم.. على الإطلاق.. لا أعرف؛ هل يقصد أن يكون رده جارحًا إلى هذا الحد أم أن ذلك أسلوبه وحسب!
(تقرأ): “شكرًا جزيلًا على الجوارب. بما أنني تلقيت منكِ خمس أزواج منها مؤخرًا؛ فأنا متأكد من سعادتك بمعرفة أنني أعطيت إحداها لصديق في وحدتي”.
لا.. لا يمكن أن يكون هذا محض تخيّل.. إنه يقصد ذلك.. إهانة فظيعة.
آه.. أتمنى لو لم أرسل له تلك الرسالة التي طلبت فيها أن يعتني بنفسه.. سأفعل أي شيء لأستعيد تلك الرسالة.. كتبتها مساء يوم أحد أيضًا.. كان أمرًا مصيريًا بالنسبة لي.. لا ينبغي أن أكتب رسائل في مساءات الأحد أبدًا.. دائمًا تنجرف نفسي خلالها.. لا يمكنني أن أفهم لماذا يكون لمساءات الأحد ذلك التأثير الغريب عليّ دائمًا.. تتملكني وقتئذ رغبة جامحة في أن يكون لدي شخص أكتب له.. شخص أحبه.. نعم.. هذا ما يحدث.. مساءات تؤجج الحب بداخلي، وتثقلني بالحزن.. أمر مضحك، أليس كذلك!
يجب أن أعاود الذهاب للكنيسة.. شيء مُهلك أن أجلس أمام المدفأة وأفكر.. هناك الترانيم أيضًا؛ يمكن للمرء أن يودِع نفسه في أمان مع الترانيم.. (تنشد): “والآن، لأولئك الأعز والأفضل بيننا”[1].. (لكن عيناها تقعان على الجملة التالية في الرسالة): “كان لطفًا كبيرًا منكِ أن تتولي حياكتها بنفسك”.. حقًا!.. هذا كثير جدًا!.. الرجال متغطرسون بشكل مقيت!.. يتخيّل بالفعل أنني قمت بحياكتها بنفسي.. لماذا؟.. أنا بالكاد أعرفه.. تحدثت إليه بضع مرات فقط.. لماذا أحيك له الجوارب بحق السماء؟.. لابد أنه يظن أنني وقعت في غرامه حتى أرمي نفسي عليه بهذه الطريقة.. بالفعل؛ أن تحيك امرأة الجوارب لرجل فهذا يُعتبر رمي نفس.. أن تشتري له زوجًا من الجوارب فهذه مسألة مختلفة تمامًا.. لا.. لن أكتب له مرة أخرى.. هذا محسوم.. ثم.. ما الفائدة أن يُعجب بالجوارب ولا يهتم بي؟.. أن أكون مولعة به حقًا ولا يكترث بمشاعري؟.. هذا لن يحدث أبدًا.. الرجال لا يعنيهم شيئًا.
لماذا عند حد معيّن يبدو كما لو أن الناس ينفرون مني.. ينفضّون من حولي.. أمر مضحك، أليس كذلك!.. في البداية يعجبون بي.. يظنون أني غريبة أو مميزة.. لكن بمجرد أن أُظِهر لهم، أو حتى أُلمّح، أنني أحبهم؛ يمسهم الخوف ويبدأون في الاختفاء.. أتصوّر أنني لن أطيق ذلك بعد الآن.. ربما يعرفون بطريقة ما أن لدي الكثير لأعطيه لهم.. ربما هذا ما يخيفهم.. آه، أشعر أن لدي حبًا بلا حدود أريد منحه لشخص ما.. شخص أرعاه كليًا وبمنتهى الإخلاص.. لا تغفل عيني عنه لأحميه من كل سوء.. أجعله يؤمن بأنه إذا أراد شيئًا في أي وقت فإنني أعيش لكي أقوم به من أجله.. فقط، لو أشعر أن أحدًا يريدني.. أن لي فائدة لشخص ما.. سوف أصبح حينئذ إنسانًا آخر.. نعم.. هذا هو سر الحياة بالنسبة لي.. أن أشعر بأني محبوبة.. مرغوب بي.. أن هناك أحدًا يعتمد عليّ في كل شيء، مهما كان، إلى الأبد.
أنا قوية في عزلتي.. أغنى بكثير من معظم النساء.. أنا متأكدة من أن معظم النساء لا يمتلكن هذا الشوق الهائل للتعبير عن أنفسهن.. أظن أن هذا هو الأمر.. أن أتفتح كزهرة.. تقريبًا.. أنا ذابلة ومخبوءة في الظلام، ولا أحد يهتم.. أعتقد أن ذلك سبب الحنان الغامر الذي أشعر به تجاه النباتات والحيوانات والطيور المريضة.. إنها وسيلة للتخفف من هذه الثروة.. هذا العبء من الحب.. ثم أنهن، بالطبع، عاجزات جدًا.. هذا هو السبب.. لكن لدي شعور بأن الرجل إذا أحبكِ بالفعل، سيكون عاجزًا أيضًا بنفس الدرجة.. نعم.. أنا متأكدة من أن الرجال عاجزون جدًا.
لا أعرف لماذا أشعر بالحاجة إلى البكاء الليلة.. بالتأكيد ليس بسبب هذه الرسالة؛ هي ليست مهمة إلى هذه الدرجة.. لكن التساؤل لا يخبو في نفسي إذا كانت الأمور ستتغير يومًا ما أو أنني سأظل هكذا حتى تباغتني الشيخوخة.. رغبات محتشدة فحسب.. أنا لست شابة كما كنت من قبل.. ثمة تجاعيد تتنامى في وجهي.. لم أكن جميلة حقًا.. ليس بالمقاييس المعتادة.. لكن بشرتي كانت جميلة، وشعري أيضًا.. كنت أخطو بصورة جيدة.. لمحت نفسي في المرآة اليوم.. أمشي منحنية وبشيء من العناء.. بدوت عجوزًا رثة.. حسنًا، لا.. ربما الأمر ليس بهذا السوء.. أنا دائمًا أبالغ بشأن نفسي.. لكنني أصبحت متزمتة كثيرًا، وهذه علامة على التقدم في العمر.. أنا متأكدة.
لا أستطيع تحمّل أن تصفعني الريح الآن.. أكره أن تبتل قدماي.. لم أكن أهتم بهذه الأمور من قبل.. كنت تقريبًا أستمتع بها.. كانت تجعلني أشعر بأني متوحدة بالطبيعة على نحو ما.. لكنني أصبحت سريعة الغضب، وأرغب في البكاء.. أتوق إلى شيء يجعلني أنسى.. أعتقد أن ذلك ما يدفع النساء للشُرب.. أمر مضحك، أليس كذلك!
النار توشك أن تنطفئ.. سأحرق هذه الرسالة.. ما شأني بهذه الكلمات؟.. أحا!.. لا يهمني…. يمكن للنساء الخمس الأخريات أن يرسلن له جوارب!.. لا أعتقد أنه كما تخيلته تمامًا.. يمكنني أن أسمعه يقول: “كان ذلك لطفًا كبيرًا منكِ أن تحيكيها بنفسك”.. لديه صوت ساحر.. أظن أن صوته هو ما جذبني إليه.. ويداه، كانتا تبدوان قويتين جدًا.. يدا رجل بحق.. حسنًا.. لا تسمحي للعاطفة أن تأسرك.. احرقيها!.. لا، ليس بمقدوري الآن.. النار انطفأت.. سأذهب إلى السرير.. أتساءل إذا كان يقصد بالفعل أن يكون فظًا.. آه، أنا متعبة.. غالبًا ما أشعر حين أتمدد في السرير كما الآن أنني أريد سحب الأغطية فوق رأسي.. وأبكي فقط.. أمر مضحك، أليس كذلك!.
……………………………………
[1] “And then for those, our dearest and our best” سطر من ترنيمة مسيحية شهيرة تُعرف باسم “And Now, O Father, Mindful of the Love” للشاعر ويليام برايت William Bright غالبًا ما تُستخدم في الكنائس الأنجليكانية والكاثوليكية وغيرها من الطوائف البروتستانتية خلال خدمة المناولة (القربان المقدس). المقطع الذي يحتوي على هذا السطر هو دعاء أو تضرع من أجل الأحباء والأقربين.




