صابرين عاشور
كأعجاز نخل خاوية.. يصطففن على الرصيف كأسراب من الطيور المهاجرة المتعبة من كثرة الترحال، يجتمعْنَ بملابسهن وهيئتهن وحديثهن البالى؛ يناقشن أسرار منازلهن على قارعة الطريق أمام المارة، يفترشن حديثهن، يأكلن كل من هي غائبة، وحينما تقوم إحداهن يأكلنها مثلما فعلت هي معهن.
على مدار اليوم.. يتبادلن الأدوار، تقوم هذه وتأتي غيرها، تاركات منازلهن وأعمالهن اليومية بها حتى إنهن يقمن بإعداد طعامهن في أماكنهن؛ تجدهن يقطفن بعضًا من أوراق الملوخية الخضراء، وأخرى تقوم بالتقاط الشوائب من الأرز؛ لتقوم بإعداده لوجبة الغداء، حينما يعود أبناؤها وزوجها من أعمالهم، أشفق عليه، فتلك هي ساعات الراحة التي يجدها الرصيف، أحيانا أشعر أنه يستريح أو يغفو ليرتاح مما رمي فوقه من حديثهن وثقل أوزاهن؛ صباحا ومساءً يفرغن ما حدث لهن ولغيرهن من أسرار هنا عليه..
**
أشهر الوفدات وأهمهن “أم جابر” لم أره يوما ما بعد؛ ولكني منذ الصغر أرى الجميع ينادونها بهذا اللقب، ومن يومها أتساءل أين هو؟ أما يكفي أن يترك أمه هنا تلقف المارة، وتسأل عن أحوالهم، ليس من الباب الاطمئنان؛ بل ليتسنى لها سيرة جديدة تضاف لما معها؟!
أما يكفي تركها يوميا تفترش الرصيف، وتبتاع السير الذاتية لقاطني المنطقة؟ إنها أدق من “جوجل” في معلوماته، فإذا أردت أن تستجمع معلومات عن شخص ما؛ ما عليك سوى اللجوء إليها؛ ستأتي لك بتاريخ أجداده حتى إنها ستعرف لك ما غذاؤهم اليوم.
لها نظرة ثاقبة؛ أحيانا أذهب إلى السوق للتبضع وأعود أحمل أشيائي بأكياس سوداء حتى لا ترى ماذا جلبت؛ ولكن تعرف ما أخفي، تستطيع التخمين والتمعن جيدا، وتصل بدقتها إلى الأشياء بين يدي وتفسرها؛ أجلب الطعام، له مذاق حلو لقد تذوقته بالخارج؟ لا أعرف كيف حينما تراه ترحل عذوبته..
كل الأشياء ترحل بفضلها،
ـ ليتني لم ألتقِ يومًا بأم جابر، تقامر بالبشر وتكسب اليناصيب بسيرتهم، تظن أنهم يحبونها ولكني أعلم تماما أن هناك الكثير يكره وجودها في الحياة أكملها، ويريدها أن ترحل وتتركنا نحن والرصيف لأحوالنا.
واليوم في تمام السابعة صباحا؛ هناك من حاول أن يفسد مقرهن، استيقظت أم جابر على مشهد أثار غضبها؛ فوجدت شخصًا مجهولًا وضع مكان مجلسهم زيتًا أسود متسخًا تفوح منه رائحة كريهة؛ وكأنه يأمل رحيلهن؛ محاولة لا بأس ..
حتي في فصل الشتاء؟! أتعجب.. ألا يتسلل البرد إلى عظامهن؟ أم النميمة تدفئ أطرافهن؛ من أين تأتي كل واحدة منهن بكل هذا الحديث، والمكوث كل هذا الوقت في المكان نفسه يوميا؛ لم يتركنه، ولم تترك إحداهن ذلك الزقاق؛ ما السر هنا؟ أيرون ما لا أراه؟
أم تلك هي جنتهم وناري؟!
يتجمعن ويقفن بجوار بعضهن البعض في كل شىء؛ وها هن يفترشن الكراسي على الجانبين استعدادًا لليلة حناء ابنة صديقتهم المقربة، لم أنعم الليلة في نومتي من الضجيج، يتراقصون حتى الصباح، الأغاني الشعبية الهابطة تؤرق نومتي وتجعل دمائي تفور من بذائة كلماتها وإيحاءاتها، الجميع ينتشي بها أما أنا أشعر أنني من كوكب وعالم آخر، ما أراح نفسي قليلا أن ليلة العرس سيقيمونها في إحدى القاعات الشعبية التي لا تختلف عن هنا؛ سيذهب أغلب السكان هنا معهم، وسأنعم في نومتي..
في اليوم التالي سيارات تطلق تنبيهات وزغاريد تحتضن الزقاق والأزقة المجاورة، متي سيرحلون؟
بعد الكثير من الأصوات العالية رحلوا؛ ورحل القلق والتوتر النفسي معهم، وسينعم جسدي النحيل بالنوم، غصت في نوم عميق، لم أشعر بأعضائي، فقط انتبهت عند صلاة الفجر، اصواتهم تقترب، قد عادوا بعد الانتهاء من العرس وتوصيل الزوجين إلى منزلهما المجاور لهم، وتقول إحداهما للأخرى:
ـ سأخلد للنوم حتى صلاة العصر، لقد أُنهك جسدي وأريد أن أستريح.
فيلحقها أصوات كثيرة قاىلة:
ـ ونحن أيضا.
خبر سار بالنسبة لي وللقليل المتضرر من جلستهم على الرصيف، سيرتاح منهم حتى صلاة العصر، وبينما الجميع ينعم في نومه اختفى الرصيف نهائيا كأنه لم يكن هنا من قبل؛ صرخات وسباب هنا وهناك وعلامات تعجب:
ـ أين رحل؟!
أقام من مكانه أم اقتلع، جن جنون أم جابر التي لم تتحمل المشهد أمامها، أغشي عليها، صدمة لها ونصر لنا؛ منذ اختفائه انتهت الجلسات اليومية والنميمة، انتهى تجمع النساء صباحًا ومساء، من فعلها؟ من ضاق صدره واستغل عودتهن منهكين من عرس ابنه إحداهن وفعلها؟! الغريب في الأمر كأنه اقتلع بالسحر، لا يوجد حتى آثار له ولا تكسير، فقط شارع فارغ متسع للمارة؛ شارع يعمه بعض السلام..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قاصة مصرية