هوامش العميد.. قراءة في ملامح التجربة المعرفية عند طه حسين

هوامش العميد
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إبراهيم عاطف*

احتفل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة بمرور الذكري الخمسين على رحيل عميد الأدب العربي «طه حسين» (1889-1973م)، وضمن إطار ذلك الاحتفاء ب «طه حسين» صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب “هوامش العميد.. ملامح التجربة المعرفية عند طه حسين” للناقد والأكاديمي المصري الدكتور «أيمن بكر».

يبدأ الفصل الأول من هوامش العميد بمحاولة إجلاء مفهوم التجربة المعرفية. ركز الكاتب «أيمن بكر» في الفصل الأول على مقدمة كتاب «مع المتنبي» واتخذ بكر المقدمة وما تضمنته من خواطر «طه حسين» حول علاقته بالمتنبي وسيلة لتحليل جوانب التجربة المعرفية عند «طه حسين» التي تجمع ما بين الفكر المجرد، والحدس والعاطفة، وضمن إطار تجربة معرفية يلعب الخيال فيها دورًا جوهريًا. يأتى ذلك منسجمًا مع ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط) بأن كل معرفتنا تبدأ مع التجربة؛ لأن قدرتنا المعرفية لن تستيقظ إلى العمل أن لم يتم ذلك من خلال موضوعات تصدم حواسنا، وبالتالى لا تتقدم أى معرفة عندنا زمنيًا على التجربة، بل معها تبدأ جميعًا.

يعيد كتاب «هوامش العميد» كتابة سيرة «طه حسين» المعرفية وليست الذاتية، من حيث إنه يتتبع ذلك الصراع داخل نفس عميد الأدب العربي، كما يشير إلى ذلك الكاتب قائلًا إن «الحركة والتغير هما الثابت الوحيد، وما يمكن أن تراه في مقدمة مع المتنبي وخاتمته، هو تجربة «طه حسين» المعرفية عبر حركيتها، وما يميزها من قدرة على مراجعة الذات والارتجاع الذي يصيب باحثًا حرًا يمارس لعبًا ممتعًا، فى الفهم، والتردد، والتراجع، والجرأة البريئة على اجتراح الأفكار، وإن ناقضت ما درج عليه»،

 كان لدى الكاتب فرضية أساسية تقوم على الربط بين مفهوم النفس عند المصريين القدماء الذي يتمثل فى ثنائية «الكا» و«البا»، وتأويل مفهوم النفس في مقدمة كتاب «طه حسين» «مع المتنبي».  تشير ثنائية «الكا» و«البا» أن «البا» تمثل طاقة الحفاظ على المألوف المكرر الأمن والحركة نحو الداخل الساكن، و«الكا» تعبر عن طاقة الحياة الخلاقة المبدعة المغامرة ، هكذا تتشكل تجربة « حسين» المعرفية من صراع جدلي بين ثنائية «الكا»«البا»، يحدد « حسين» موقفه منهما منحازًا ل «الكا» على حساب «البا»، والمفاجأة التى بدأ به « حسين»  كتابه عن «المتنبي»، بالقول بأنه لا يريد الكتابة عن «المتنبي» ، ويؤكد بكر أن الفرار هنا ليس من «المتنبي»، وإنما من النفس التواقة دوما وبلا كلل للبحث والدرس والتحصيل، هو فرار النفس الساكنة الداعية للراحة التي تسأم من طول المعاودة لموضوع بعينه، ويصيبها التعب من نشاط النفس الخلاقة ودأبها الذي لا ينتهي،  ونستخلص من ذلك بعض ملامح تجربة «طه حسين» المعرفية مثل العناد مع النفس، والنظر المعمق، والبحث الدؤوب.

بناء على ما سبق يتساءل الكاتب هل بحسب التوصيفات السابقة؛ تبدو تجربة «طه حسين» المعرفية تجربة شديدة الجهامة، مغرقة في جدية  تقوم على العناد مع النفس وأخذها بالشدة ومقاومة الميل الكامن فيها إلى السكون اللذيذ، يحاول الكاتب تقديم إجابات لذلك التساؤل عبر التميز بين المنهجية الصارمة التى تفترض التجانس، وما بين التجربة المعرفية التى تفسح المجال لملاحظة التردد والمراجعة وتأمل الذات بوصفها جميعًا مكونات أساسية داخل التجربة المعرفية، لكن ما سبق لا ينفي ما يشعر به «حسين» من توتر وقلق ، ذلك لأنه ما يخشاه «حسين» هو التصلب والجمود؛ لذلك انفجرت فكرة إطلاق العنان لأهواء الذات في علاقتها ب«المتنبي» من داخل التجربة المعرفية، ودخل عنصر جديد إلى عناصر  تلك التجربة المعرفية الثرية هو «اللعب»، و ما يترتب عليه من ميل  إلى طاعة الهوى والعبث بالعقل، وهى أفكار إذا نحن نظرنا إليها من خارج  سياق تجربة «حسين» المعرفية، ستبدو على النقيض مما أعلنه عن إرغام للنفس وعناد معها، ولكن أنعام النظر في مكونات تجربة « حسين»  المعرفية  يحل ذلك التناقض، ويفصح عن أن اللعب يمثل وجه الاستمتاع الأكثر براءة وقدرة على المزج بين العمل والمتعة معًا في إطار معرفي متكامل.

اللعب –إذا- جزء مؤسس لعملية إنتاج المعرفة، أصبح اللعب مفتاحًا للتفسير التجربة المعرفية كما يذهب الفيلسوف الألماني (هانز جورج جادامير) في كتابه الشهير «الحقيقة والمنهج» قائلًا: « فمن الجلي أن اللعب يمثل نظامًا تتبع فيه حركة الذهاب والمجيء نفسها، وما يقع في صلب اللعب أن الحركة لا تفتقر إلى هدف أو غرض فقط، بل تفتقر إلى الجهد أيضا فهى تحدث إذا جاز التعبير بنفسها، فسهولة اللعب- التي لا تعني من الناحية الطبيعية أى غياب حقيقي للجهد، إنما تشير ظاهراتيًا فقط إلى غياب التوتر».

 هذا ما كان «طه حسين» في أشد الاحتياج إليه هو غياب التوتر المسيطر عليه، فتجربة اللعب تصنع حالة من الاسترخاء، وتمنح الذات المبدعة حرية مطلقة في الحركة، واللعب له علاقة خاصة بما هو جدى ونافع بطريقة غير مباشرة، ويذهب «أيمن بكر» بالقول أن عملية إنتاج المعرفة قد اشتعلت في وعي «حسين» بكل مافيها من عصف ذهني، وكما يؤكد «جادامير» إن بنية اللعب تمتص اللاعب داخلها، ومن ثم تحرره من عبء اتخاذ المبادرة، التي تمثل التوتر الفعلي للوجود. وهذا يفسر الشعور بالإنهاك الشديد الذي يصيب «حسين» بعد الانتهاء من الكتابة.

يتناول الكاتب في الفصل الثاني (طه حسين.. شيخ العامود) الجانب الشفوي الذي ميز تجربة«طه حسين» مع التركيز على أثر فقدانه البصر وتعليمه الأزهري في تكوين شخصيته العلمية، وما مدى تأثر أدائه العقلي وأسلوب كتابته بشخصية شيخ العمود، ويناقش قضية الانتحال في الشعر الجاهلي في إطار ثنائية الشفاهية والكتابية.

يصف الناقد الأمريكي« والتر ج أونج » الثقافة الشفاهية بأنها تعرف تعبير (البحث عن شئ ما فى المراجع) باعتباره تعبير فارغَا من المعنى، وتلك سمة مركزية في الثقافات الشفوية الأولية تحديدًا ، ويرصد الكاتب «أيمن بكر» بعد ذلك  بعض السمات الشفاهية الباقية في تجربة «طه حسين» المعرفية  الذي يظهر في أنه يملأ عقله معرفة بموضوعه ودرسًا له، ثم يترك لنفسه عنان التفكير فالاملاء، أو يفعلهما معًا ، يفصح ذلك التوجه  بأنه     ذو منزع جينالوجي من جانب الكاتب الذي يبحث احتمالية الأفكار والممارسات المعرفية، ويحاول كشف الجوانب المخفية في جذور تجربة «حسين» المعرفية المتشعبة؛ لذلك كانت العودة ضرورية لبيان مدى تأثير مرحلة النشأة الأزهرية ل«طه حسين» على تجربته المعرفية.

خضعت عملية إنتاج المعرفة لدى «طه حسين» في بدايتها لسلطة تقليد شفوي قوي يظهر في صورة الراوي التراثي الذي يعتمد صدق المعرفة فيها على موثوقية الشخص وسلطته الرمزية، بقي ذلك الراوي التراثي قابعًا في عملية إنتاج المعرفة عند «طه حسين» المعتمد على السمع والإملاء، والمتأثر بمرحلة تأسيسية خطيرة من التلقى الشفوي للمعارف والعلوم عبر شخصية شيخ العمود، وتأثره الواضح في بدايته المعرفية بالشيخ «سيد المرصفي»(ت 1931م)

  يرصد الكاتب لحظات التحول المعرفي حين اكتشف «طه حسين» القصور الفادح في منهجية شيخ العمود، ومقدار التحول الذي حدث على يد الأساتذة الأوربيين، وما منحته الجامعة من سبل دراسة المناهج الغربية في التحليل والتوثيق وقراءة المعارف طبقًا لآليات الوعي الغربي الكتابي، وبذلك ظلت طريقة إنتاج المعرفة/ الكتابة داخل تجربة «حسين» المعرفية أشبه بمنطقة التخوم الجغرافية المتقاربة التي يتجاور فيها وعي كتابي حداثي مع تقاليد شفوية قديمة.

لعل قضية الانتحال تجربة عملية تبين صراع العقلتين الشفوية والكتابية داخل وعي «طه حسين». يرى بكر أن المسألة معقدة؛ لأن ما نحاول إثباته هنا هو وجود ملامح العقلية الشفوية في عقل «حسين»، يعارض الكاتب      « أيمن بكر» ذلك التوجه من جانب «طه حسين»، ويذهب بالقول أن فرضية نسبة النص الجاهلى لمؤلف واحد مرفوضة، وأن الشعر الجاهلي هو صناعة جماعة ثقافية لم تكن تهتم بفكرة المؤلف/ المصدر / المركز كما تهتم بها الحضارة الحديثة القائمة على حفظ حقوق الملكية الفردية. وبذلك عالج الفصل الثاني تأثير شبح شيخ العمود على تجربة طه حسين المعرفية، ويثير الكاتب الأسئلة والمناقشات أكثر ما يقدم إجابات يقينية ثابتة.

 ينتقل الكاتب بعد ذلك في الفصل الثالث إلى مناقشة مقدمة كتاب” مستقبل الثقافة في مصر”، ويطالب بإعادة النظر في مشروع «طه حسين» المعرفي حول الثقافة مع تركيزه على هموم الحاضر المعاش، ويدعو الكاتب إلى إعادة قراءة كل المشروعات الفكرية العربية الكبرى.

يحذر الكاتب من الاختزال المسيس لمشروع«طه حسين» المعرفي، ويحذر من ذلك التوظيف السياسي المبتسر، وذلك الاستغلال النفعي للخطابات الفكرية، ويقدم نقد شديدة اللهجة لمقدمة الدكتور (أحمد فتحى سرور) كتاب مستقبل الثقافة في مصر، إذا يختزل «سرور» مشروع «طه حسين» الثقافي الشامل إلى مجرد مشروع عن تطوير التعليم، ثم يوظف توصيات حسين بوصفها النقاط التي تتبنها الدولة في عصر مبارك من أجل النهضة بالتعليم.

يختتم الكاتب  تتبع التجربة المعرفية لعميد الأدب العربي، ويتعرض الفصل الرابع والأخير المعنون” شذرات العميد” إلى مواقف وأفكار «طه حسين» التي توزعت في مقدمات وهوامش الكتابات المتنوعة، وخاصة مجموعة مهمة من المقالات والمحاضرات التي نشرها وألقاها «طه حسين» باللغة الفرنسية، وظلت مختفية فترة طويلة حتى صدرت في كتاب (طه حسين من الشاطئ الآخر) عام2008 م الذي قدم فيه الباحث والمترجم المصري (عبدالرشيد الصادق محمودي) خواطر شخصيات شهيرة  من أعلام عصر كانت تربطها علاقات وطيدة ب«طه حسين» ، وضم الكتاب دراسات، ومحاضرات، وبيانات، وتصريحات، ورسائل مجهولة، تنوعت موضوعاتها التي تناولت قضايا مثل تعلم اللغات، وحرية الفكر، وحفظ الدين من السياسة.

 تناول الفصل الرابع بعد ذلك ملامح علاقة الخصومة الفكرية بين «طه حسين» و«العقاد»، وما سمحت به ظلال الحالة الليبرالية المؤقتة مطلع القرن العشرين بمصر بوجود مساحة حرة للنقاش وتبادل الأراء بحرية، ويذكرنا «بكر» في نهاية الفصل بعلاقة «حسين» ب«المعري» باعتباره الصوت والصدى، ويرصد مدى التشابه في التجربة المعرفية بينهما. 

عاد الكاتب أيمن بكر إلى «طه حسين» عبر كتابه الجديد” هوامش العميد” عودة نقدية، عودة باحث عن المستقبل والمهموم بالحاضر وليس عودة حنين للماضي غابر، بل عاد ليستخرج لنا نموذجًا للعقلانية وحرية التفكير ليشتبك من خلال نموذج «طه حسين» المعرفي وتجاربه المعرفية ويتخذها معيار نقديا يصوبه نحو مشكلات الثقافة العربية.

بعد ما تناولنا فصول الكتاب الأربعة، تبقي ضرورة الإشارة إلى مدى الجهد المبذول في كتاب هوامش العميد، ذلك الجهد المعرفي يفتح شهية النقاد والباحثين للبحث والتنقيب داخل أرشيف «طه حسين»، فعلى سيبل المثال لا الحصر نلفت الانتباه إلى محاضر جلسات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وما تحويه من محاضرات، ومناقشات، وأبحاث، وهوامش مجهولة ل«طه حسين»، تكشف جزء من ملامح تجربته المعرفية الرائدة القائمة على الحوار والمناقشة، والنظر المعمق، والبحث الدؤوب، وإيثار المعرفة.

……………………………..

* (باحث دكتوراه كلية دار العلوم- جامعة القاهرة – قسم الدراسات الأدبية)

 

مقالات من نفس القسم