رصاصة الدلبشاني.. رواية تستقصي الحوادث التاريخية وتفسرها

رصاصة الدلبشاني
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

خالد عزب

عن دار الشروق بالقاهرة، صدرت رواية “رصاصة الدلبشاني” للدكتور إيمان يحيي الروائي الذي تحول إلى التحقيق والتحليل التاريخي عبر النص الروائي ليأخذنا إلى ما وراء الأحداث. في روايته الجديدة لا يلتزم بمقتضيات البحث التاريخي بل باستقصاء الأحداث ومعرفة خلفياتها وأسبابها المباشرة والخفية، هذا ما أعطي رواية رصاصة الدلبشاني نكهة مثيرة تجمع ما بين الوضوح والغموض، وإن كان الروائي يقدم عبر عدد من المسارات مفاتيح جديدة لفهم الأحداث.

الرواية تبدأ بعبد اللطيف الدلبشاني الطالب المصري الذي كان يدرس في ألمانيا التي كانت تعج بأنصار الحزب الوطني والمناصرين للخديوي عباس حلمي الثاني المناهضين للملك فؤاد، عاد محملا وعاد منها محملا بالعديد من أفكار الطلبة المصريين في ألمانيا.

كانت مصر في ذلك الوقت يرأس وزرائها سعد زغلول الذي فاز في انتخابات حرة بعد ثورة 1919 وكان يخوض مفاوضات شرسة ضد الإنجليز، لكن عبد اللطيف الدلبشاني كان حانقا علي سعد زغلول حيث رأي أنصار الحزب الوطني أنه باع الثورة وشهداءها من أجل المنصب، قاد ذلك الدلبشاني إلي السعدني في قهوة متاتيا في العتبة الخضراء وهو يظن أنه من أنصار الحزب الوطني لينقل له حنقه علي سعد زغلول ويحفزه السعدني علي اغتيال سعد زغلول ليقابله لاحقا ويمده بالسلاح.

ظل الدلبشاني يترقب سعد زغول إلي أن استقر رأيه علي اغتياله عند سفره من محطة قطار القاهرة لتهنئة الملك فؤاد في سراي رأس التين بعيد الأضحى، وفي محطة القطار يطلق النار على سعد زغلول لتفشل محاولة اغتيال زعيم الأمة.

هنا تنطلق الرواية فالحادث في حد ذاته ليس كما نراه، بل تقودنا الأحداث إلي إنغرام ذلك الانجليزي الذي يعمل نائبا لحكمدار بوليس القاهرة والذي يقود البوليس في العاصمة في ظل غياب رئيسه لسفره، لتوجهه عبر مقابلات مع جورج من السفارة البريطانية السفارة أنه ستحدث محاولة لاغتيال سعد باشا زغلول عن طريق تدبير من القصر الملكي في مصر، فكأن السفارة بتجسسها ومتابعتها القصر صارت تعرف بالمؤامرة، ويطلب جورج من انغرام إخفاء سلاح الحادث لإحداث بلبلة في أوساط المصريين، هذا ما يقودنا إلي اختفاء السلاح علي يد انغرام الذي سرعان ما أخفاه عند وقوع الحادث في ملابسه ثم يخفيه في منزله لتطلبه السفارة البريطانية وتأخذه ليختفي السلاح للأبد، بالرغم من شهود في تحقيقات النيابة بأن انغرام هو من أخذ السلاح.

إن النتيجة التي تقدمها الرواية أن الصراع بين الملك فؤاد والخديوي عباس حلمي الثاني الذي عزله الاحتلال الانجليزي عند قيام الحرب العالمية الأولي وجاءوا بالسلطان حسين كامل ثم الملك فؤاد جعل العداء مستحكما، خاصة أن الرواية تذكر أن عباس حاول استعادة حكم مصر عن طريق ليبيا وحاول التحريض ضد الملك فؤاد.

كان أنصار الخديو هم الطلبة المصريين في ألمانيا خاصة المنتمين إلي الحزب الوطني، لذا كان التركيز عليهم من قبل البوليس والإنجليز والملك واضحا، لكن ما تكشفه الرواية أن كل الفرقاء التقوا ضد نشر الشيوعية عبر هؤلاء الطلبة.

وتفصل الرواية تاريخ الحركات اليسارية، مع ذكر تفاصيل غير مسجلة تاريخيا عبر عبد الحميد الطوبجي الطالب الميسر ماليا والذي لم يكمل دراسته في ألمانيا والذي يرتبط بهذه الحركات وزاره عبد اللطيف الدلبشاني قبيل محاولة قتله سعد زغلول، سيطر القلق علي عبد الحميد الطوبجي ورفقائه في المنصورة هذا القلق الذي نري من خلاله وصفا لشوارع ومقاهي وبيوت المنصورة.

ومن الطريف أن الروائي ولد وعاش في المنصورة، فكأنه يقدم لنا هنا وصفا للمدينة ونراه يقودنا منها للاسكندرية والتي حضرت في الرواية عبر الحركات اليسارية وقضية التنظيم الشيوعي والتي كان انغرام بك طرفا بها حين كان يعمل في بوليس الاسكندرية قبل نقله للقاهرة.

إن الملفت في الرواية أنها ليست نصا تاريخيا جافا بل تنساب أحداثها في سلاسة وتأخذك بسرعة من حدث لحدث ومن قضية لقضية، فها هي قضية الدلبشاني أثناء تحقيقات النيابة التي تذكرها الرواية تقود إلي عدة قضايا لأعضاء الحزب الوطني وللطلبة المصريين الذين درسوا في ألمانيا، فاتهم أحمد وفيق رئيس تحرير صحيفة اللواء وعصام حفني ناصف وغيرهم  في قضايا سياسية، كان الدلبشاني في سجنه يحاول جاهدا أن يتابع الأحداث ليهديه تفكيره بأن يوهم النيابة أنه مجنون فيتم تحويله لمستشفي العباسية للأمراض النفسية، وبعد سنوات يخرج ويفوز في مسابقة شطرنج وهو ما يثير حفيظة سعد باشا زغلول الذي ترك الوزراة بعد محالة اغتيال السردار ستاك الضابط الإنجليزي.

تقدم لنا الرواية شخصية حسن نشأت باشا الذي كان قائما بأعمال ديوان الملك فؤاد وهي شخصية لعبت دورا في حبك مؤمرات القصر الملكي ضد خصومه وهو الذي دفع السلاح للسعدني ليعطيه للدلبشاني لاغتيال سعد زغلول، فكأن القصر كان يخشي شخصية وجماهيرية سعد زغلول ولتلتقي مصالحة مع مصالح الإنجليز في اغتياله أو إثارة الاضطرابات في مصر للتخلص من مطالبات المصريين بالاستقلال.

نحن لسنا إزاء رواية فقط، بل أمام مرجع تاريخي قدم آراء جديدة لم تقدم من قبل في حدث تاريخي، كاشفة عن أسراره. هكذا هو إيمان يحيي لا يكف عن البحث والتنقيب في الكثير من المصارد التاريخية والأرشيفات والصحف ليقدم عملا فريدا.

مقالات من نفس القسم