رسائل إلى لمار

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 42
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فاتنة الغرة

“هل تودين شرب كوب من الماء يا عمتي؟” تعلمين كم أحب شرب الماء يا لمار، كنتِ دائماً تعلّقين على شربي للماء بكثرة، لذا فالسؤال لا يحتمل إلا إجابة واحدة.

النوم في الممرات بين غرباء
كان قد مضى على وجودنا في مستشفى القدس أنا وجدك وجدتك وبعض أعمامك 12 يوماً يا لمار، لم أذق فيها طعم الماء الذي يذكرني بآدميتي، الماء هنا إمّا ماء صنبور غير صالح للشرب، أو ماء البئر غير المفلتر، ورغم الخطر فهذا لا يمنع اصطفاف الناس لتعبئة زجاجات وأوانٍ منه، حين يصطف أبناء عمومتك ساعات أحياناً من أجل ملء “غالون” وبضع زجاجات منه.

اللمسة الأولى للكوب أذهلتني، يا لحلاوة تلك اللمسة يا عمتي، كوب من الماء المفلتر البارد أشبه بمعجزة في غزة اليوم، ملمس الكوب الكرتوني في تلك اللحظة أدخلني جنة بعيدة، فبكيت، بكيت لأن نفسي عزّت عليّ، هل يدهشني كوب ماء بارد؟ هل يبكيني؟
البرودة دخلت أصابعي التي بدأ جلدها بالتقشر، جعلت الملح يسيل من عيني بصمت، بعد 12 يوماً في المستشفى والمكوث في ممر ضيق أمام عيون أناس لا أعرفهم، أصبت خلالها بتصلب في عظامي، أنام يا حبيبتي على الأرض مباشرة، ولا يفصل بيني وبين برودتها إلا غطاء صوفي.

كأس ماء بارد في غزة
بكيت لأن الماء كان بارداً، هل هذا من أسباب البكاء المشروعة؟ لكن وكما هو حال من يعانون من عزة النفس، بكيت بصمت.

تساقطت بضع دموع تجمعت في نهاية المطاف على ذقني داخل الكوب الكرتوني، لم أكترث بطعمها، لكن كفاي بقيتا تمسكان ببرودة جدار الكوب، تعلمين معنى تلك البرودة التي نذوقها على مدار العام في البلاد التي ارتحلنا إليها بحثاً عن الأمان، البرودة هناك كانت مجانية
نزلت الرشفة الأولى في فمي، وتذوق لساني طعم البرودة في صيف كصيف غزة الذي طال هذا العام على غير العادة، المياه وهي تنزل في جوفي تدفع معها مزيداً من الملح إلى عيني، أنظر إلى الكوب وإلى الماء المتبقي فيه حتى لا يكتشف أحد ممن حولي مدى هشاشتي في تلك اللحظة، وحتى لا أضطر لمواجهة التساؤلات التي تقفز من الأفواه والعيون ولا طاقة لدي للإجابة عنها عن سبب بكائي.

عيون غريبة وفضولية تحيط بي طوال الوقت، تسألني أسئلة لا أفهمها ولا أعرف لم يوجهونها إلي، تعلمين يا لمار كم يستفزني تحديق العيون فيّ، وكم أبدو عدوانية حينما التقط نظرة فضولية، لكننا هنا متاحون ومستباحون طوال الوقت أمام بعضنا البعض، مستباحون للأسئلة ومتاحون للأحاديت السخيفة، ومتاحون للنميمة وتأويل كل شيء ولا رفاهية لدى أحد منا في اقتناص لحظة خصوصية واحدة.

جلدي يتقشر من ماء البحر
هل قلت لكِ إن جلد أصابعي الذي يحيط بالكوب قد بدأ بالتقشر قليلاً؟ ألم أقل لك إن الماء الذي نغسل به وجوهنا يأتي مباشرة من البحر؟ هذه ليست صورة مجازية، فحتى الماء الذي ينزل من الصنبور تنزل معه رغوة زبد البحر، وطعم البحر، ورائحة البحر، وهكذا يمكنني كل يوم ملامسة بحر غزة وشمه.

رشفة أخرى من الماء البارد، أدعها تملأ كل جوانب فمي كي تزيل منه طعم الملح، ثم أتركها تنزل في حلقي بمنتهى البطء والسلاسة، وكأنها أمر بديهي. عيناي مغمضتان وتمتصان كل لحظة من برودة تلك القطرات وحلاوتها.

فاصل قصير… قصف
ربما لا تعلمين محتوى هذه الفواصل القصيرة، حسناً، بضع رشقات صاروخية ومدفعية تتطاير فوق رؤوسنا، طيور رخ لا يعرفها جيلك من الصغار بعد، وربما لم يسمع عنها من قبل، هي طيور عملاقة حينما تملأ السماء لا يمكنك بعدها التمييز إن كنا في ليل أم في نهار حتى لو كانت ساعتك تشير إلى الثالثة بعد العصر.
لكن هذه الطيور من معدن وليست من لحم ودم وريش، تنفث من فمها عبوات تحمل في بطونها جانباً من الجحيم، تسقط على البيوت فتنزل على الأرض مثل بيت من رماد.

تقول امرأة عمك بعد أن مرّت في شارع الأبراج خلفنا: العمارات صارت رماداً يا فاتنة، لا توجد حجارة هناك بل مجرد رماد، ما نوع هذه المتفجرات التي تحيل العمارات رماداً يا ترى؟

أتخيل أنني حينما بدأت الحرب كنت أسأل أبناء عمومتك عن أصوات القذائف لأطمئن، ما نوع هذا الصاروخ أو هذه القذيفة؟ فكان الأطفال يردون عليّ بابتسامة ظاهرها الطمأنينة وباطنها سخرية من عمتهم البلجيكية التي لا تجيد التمييز بين أصوات القذائف المدفعية التي تطلقها الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية، والفارق بين كل صاروخ يسقط منهم.

فالصاروخ الأمريكي له صوت سقوط ألواح زينكو من الطابق العاشر مختلطاً بصوت مريب يقشعر له شعر الجسم، في حين أن الصاروخ الإسرائيلي ينزل ضربة واحدة “بوووووووم”، ولا تقلقي فلن نسمع للصاروخ صوتاً، قال الصغار وأقول لكِ.

فاصل قصير… قطة شيرازية
لا أريد أن يصيبك الملل من كثرة الفواصل، لكنه سيروقكِ، هذه المرة الفاصل ليس قصفاً بل قطة صغيرة ذات شعر كثيف ولون رمادي غامق ووجع عميق كلما لمسناها من جانب توجعت، حتى أنها فقدت رغبتها بالماء أو اللحم المعلب الذي قدمناه لها، من الواضح أنها من القطط التي هربت من بيوتها أثناء القصف، وكما يتضح من لونها ونوعها الشيرازي، فهي ابنة عالم وناس، كم بهدلت هذه الحرب أبناء عالم وناس؟

تخيلي أن شعري أصبح مثل كرة صوف، شعري الذي تحبين نعومته صار كرة من الصوف المتشابك، الشال الذي يغطيه لم يتغير منذ اليوم الأول للحرب، شال أسود بتطريز متناثر فوقه، تعلمين كم أحب تلك الخطوط المتعاكسة التي يصنعها التطريز، لتطريزنا الفلسطيني خصوصية تسحرني، كلما تعلمت عنه أكثر، وربما أحدثك عنه أكثر في رسالة قادمة.

عودة إلى كأس الماء البارد، البرودة تخللت جلد أصابعي إلى قلبي، وأدفأت عروقه التي تهتز بإيقاع متزايد مع كل قصف، ما علينا، ما يعنيني الآن في هذه اللحظة تماماً هو تلك القطرات المتبقية من الكوب البارد المفلتر وهي تنزل كالحلم البعيد في جوفي.

من هي لمار؟
لمار الصغيرة الجميلة الذكية، ابنة اخي ذات الـ 11 عاماً، صديقتي ونديمتي في ليالي البرد والاغتراب، تحب الكثير من الأشياء في هذه الحياة، أهمها أنها تريد أن تعيش، لا أن توجد فقط، قالت لي بالإنكليزية ذات يوم: “I don’t want just to be exist, I want to live”.

 

مقالات من نفس القسم