رسالة إلى أستاذي بهاء طاهر

عندما قابلت إبراهيم فرغلى لأول مرة
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

شعبان يوسف

عزيزى الأستاذ العظيم بهاء طاهر، لعلك تكون بخير رغم كل ما يحدث، أعرف أنك قوى فى تلقى الأحداث، ولعلك تكون قد أيقنت أن كل ما كنت تكتبه وتعتقده وتتمسك به وتتبناه، أقوى من أن تهدمه أية أحداث طارئة، حتى لو كانت ضخمة، فأنا واحد ممن شاهدوا بعناية كبيرة ذلك الزهو واليقين غير المعلن على وجهك، دون أن يختلط بالغرور بما أنجزته من سرد قصصى وروائى، على مر السنوات والعقود..دعنى أقول لك إننى أدركت ذلك جيدا فى لقاء تاريخى عقدناه لك فى ورشة الزيتون عام 1991 بعد صدور رواية «خالتى صفية والدير»، حيث أنك كنت عائدا من جنيف لقضاء إجازة من عملك فى القاهرة. كنت فى تلك الندوة تصول وتجول وتتحدث عن طفولتك وصباك وشبابك بكل اطمئنان وراحة، فأنت تعلم جيدا أن تاريخك الشخصى والعام يخلوان من مآخذ لطخت تاريخ آخرين، ورغم ذلك كنت تجد من يهاجمك ويحاول أن يقصيك، سواء من زملائك فى العمل، أو المحيطين بك فى الوسط الثقافى. كنت تجمع فى ثقة وبساطة بين ذلك الزهو المشروع، وتلك البساطة التى كانت تميزك، وذلك التواضع الطبيعى المريح دائما لمن يستمع إليك.

فى ذلك اليوم واجهت وابلا من أسئلة متنوعة، تتعلق بتجربتك وتكوينك وثقافتك ووالدك ووالدتك، وكنت ترد بروح مُحِبَّة، حتى على أسئلة كانت شبه مسمومة، ويبدو أنك كنت تتوقعها، كما لاحظتُ ذلك. أكثر من شخص سألك بصيغ مختلفة: ما دمت تعشق مصر بكل هذا المعنى والحجم، فلماذا تركتها إلى سويسرا، ولماذا لم تعد إليها خلال كل تلك السنوات؟ وكنت ترد بكل ثقة: «أنا لم أغادر إلا مضطرا بعد فصلى من العمل، ولم أستطع ممارسة أى عمل، ولو أتيحت لى فرصة عمل تكفى إعاشتى، سأعود فورا»، ثم تسأل صاحب السؤال: «هل تستطيع أن تحصل لى على فرصة عمل؟»، وكان السائل يتوارى خجلا بعد أن ينصت إلى وقائع تسردها واحدة تلو الأخرى، ليكتشف الحاضرون أن الحياة لم تكن سهلة بالنسبة لك بعد أن قدمت الكثير فى مجال النقد والسرد القصصى والروائى والإخراج المسرحى والبرامج الثقافية المتنوعة وحواراتك المتميزة مع نجوم الأدب والثقافة فى عقدى الخمسينيات والستينيات منذ التحقت بالبرنامج «الثانى» عام 1957.

أستاذى العظيم:

نحن لا نستعيد ذكراك فهى أقوى من أن تكون ذكرى، نحن نستعيد أنفسنا معك ومع إبداعك الكبير، فهو سيظل مشرقا ومضيئا مهما تقادمت عليه الأزمنة، بل إنه يزداد ألقا كلما مرَّت عليه الأعوام، وربما ما زال أبطال قصصك ورواياتك يشاركوننا الهواء الذى نتنفسه، هؤلاء الأبطال الوجوديون يقفون على حافة التمرد والاحتجاج، وعلى رأسهم بطل رواية «قالت ضحى»، وذهوله أمام فساد من يحبها، كان ذهول البطل واقعيا، لا رومانتيكيا، ولا انهزاميا كما وصفته دراسات كثيرة، بطل من لحم ودم وروح ومعنى وانتماءات، فضحى الغنية والأرستقراطية لا تعرف للمبادئ طريقا، أما بطلك فغارق فى مبادئه بعقيدة شبه ثابتة، لكن رهاناته خاسرة، عمل على ترويضها، فلم ينجح، وعمل على إصلاحها، لكنها تمادت فى كل ما تعتنقه، ومن ثم اكتشف أنه لا التقاء بين عقيدتين وطبقتين شبه متناقضتين فى الأفكار والتوجه والآمال والعواطف، بطلك كان طوباويا، رغم مشروعية أحلامه وآماله، أما هى فكانت غنية وتطمع إلى مزيد من الغنى الفاحش، حتى بعدما سافرا معا إلى روما لكى تذوب الفوارق الطبقية، إلا أن أفكارهما لم تلتق، بل ازدادت الهوة بينهما، حتى طلب بطلك -وأنت لم تمنحه أى اسم أو لقب- العودة إلى مصر، وكان لسان حاله يقول: جحيم القاهرة إذا كان جحيما، أفضل بكثر من جنَّة روما، وعاد بالفعل لكى يواصل المعركة هنا، ليكشف الفساد، ويقاومه، حتى لو كان ذلك ضد وجوده وحياته ومستقبله الوظيفى والاجتماعى، ذلك البطل وصفه النقاد بالسلبى أو المنكسر أو المهزوم، لكنه لم يكن إلا متمردا وحالما بمستقبل أفضل، كنت أشعر فى كل سطر من الرواية، بل فى كل كلمة أنك تشاركه كل مشاعره حتى أنفاسه التى يتنفسها.
ذلك البطل هو وجه مكرر فى أعمالك منذ أول قصة نشرتها بتلك المقدمة الجميلة التى كتبها يوسف إدريس فى مايو 1964، أقصد قصة «المظاهرة»، وقد بدأتَها بمشهد شبه عبثى لبطل يرفض ما تصنعه أمه من طعام، ثم يذهب إلى شقيقه المختلف معه، ويظل طوال الجلسة يداعب طفله الصغير دون أن يدير أى حوار مع زوجة أخيه، وبعدها يخرج إلى الشارع منفعلا لكى يصادف سلسلة أحداث عبثية، حتى يجد نفسه فى قلب مظاهرة بين فريقى كرة، وهو لا يفقه شيئا فى تلك اللعبة، فيجد من يدفعه إلى الخلف وإلى الأمام، كما أنه يتلقى ضربات من اليمين واليسار دون أن يدرك من ضربه، ثم يشتبك مع أشخاص ويرد الصاع صاعين، حتى تحمله بعض الأيادى فى عربة إسعاف، ثم تأتى عربة بوليس للتحقيق معه.
تلك القصة تضمَّنتها مجموعة «الخطوبة» المنشورة فى عام 1972، وأنا أعرف أستاذى النبيل بأنك تعرضت لهجوم ضار بسبب تلك النزعة التى وصفها صديقنا المشترك الناقد والمفكر خليل كلفت بالعبثية والكافكاوية، لقد سألك سؤالا واضحا: ما جدوى ذلك؟ بل إنه اتهمك بأنك تكتب قصصا محبطة ولا تبعث على الثورة، وبالطبع فذلك الرأى ذهب ولم يعد، بعد أن رسخت أقدامك، واتضحت معالم عالمك ووجوه أبطالك، ونزوعهم نحو الأمل، حتى لو كانوا مغروسين فى بركة من الأوحال.
إنهم بالفعل، أبطال سلاحهم بالأمل، ليس لأنهم يتغنون به، ويرددونه فى أناشيد الصباح وأغنيات المساء، ولكن لأن هؤلاء الأبطال يفتحون لأنفسهم أبواباً للشمس فى الجدران الصماء للمآسى، كان هذا هو دأبك دوما أستاذى، يكفى أن نقرأ ونعيش أحداث روايتك الفذة «الحب فى المنفى»، وعذاب بطل دفعته الأيدى الحديدية للسفر إلى الخارج، حتى يكتشف أن كثيرا من الأحداث التى تجرى هنا، يتم طبخها هناك، الصحف والمجلات والمكافآت، وبرامج الإعلام، يتم صناعة بعضها فى الخارج، ثم يكشف بعمق وتوسع فساد كثير من منظمات مؤسسات المجتمع المدنى، ويحاول البطل الصحفى التائه فى مدينة لا تصفها سوى بأنها «أوروبية»، أن يقاوم إغراء الكشف عن ذلك الفساد لكنه لم يستطع، حتى لو كان ذلك الكشف سيؤدى إلى نهايته، كما أنه لم يستطع إعادة ابنه إلى رشده، بعد أن غزا التطرف عقله، وفرض نوعا من الأيديولوجية الدينية المتطرفة على شقيقته المتمردة، وعلى والدته التى اعتبرته بديلا للأب (البطل).
تلك الرواية تظل علامة فى مسيرة الرواية العربية، رواية بطعم الأسى والأمل، رواية -أدرك جيدا- أنها جرَّت عليك أستاذى كثيرا من الحقد والحسد، لما فجَّرته من فيضان مقالات ودراسات واهتمامات فائقة، أتذكر أننى كنت فى زيارة لأستاذنا الدكتور غالى شكرى فى المستشفى، وكان هناك بعض من الأدباء (الخصوم)، وكان مقال الدكتور على الراعى «رواية كاملة الأوصاف»، قد نُشر صباح ذلك اليوم فى جريدة «الأهرام»، مما فجَّر سيلا من الهجوم غير المبرر سوى الحسد، حتى أن أحدهم قال: «أى منفى يعيش فيه بهاء طاهر؟ إنه منفى بسبع نجوم!»، وكنت يا عزيزى قد بنيت اسمك وإبداعك وأسطورتك من حجارة روحك العظيمة، ولم تتوقف، ولم يتوقف نهر إبداعك فقد أصبح ضرورة حتمية، لا يمكن تخيل تطور الرواية فى مصر دون إدراجه كأحد المتون الكبرى.
بالطبع لا تصلح تلك المساحة الصغيرة أستاذى العظيم لكى أوفى إبداعك العظيم حقه، ولحسن الحظ أننى خصصت كتابين كاملين لتأمل مشروعك الكبير، هما «بهاء طاهر ناقدا مسرحيا»، و«هكذا تكلَّم بهاء طاهر»، لكننى أريد أن أسرد بعض وقائع أكبر وأهم موقعة للكتَّاب، هى «اعتصام المثقفين فى وزارة الثقافة ضد نظام جماعة الأخوان الفاشية»، فى عام 2013، كنتَ من أوائل المعتصمين مع سيد حجاب ومجدى أحمد على وصنع الله إبراهيم ومحمد العدل ومحمد هاشم ومها عفت وعصام السيد، ونشرت إحدى الصحف خبراً يقول: «اقتحمت مجموعة من كبار المثقفين والكتَّاب مبنى وزارة الثقافة، وذلك احتجاجا على القرارات التى أخذها وزير الثقافة الجديد، وكان من بين هؤلاء الكاتب الكبير بهاء طاهر»، يومها اتصل بى العزيز هشام أصلان وهو مندهش للغاية، إذ كيف يقتحم بهاء طاهر وزارة الثقافة، على ما فى فعل الاقتحام من قوة هائلة ليست متاحة لرجل فى الثامنة والسبعين من العمر آنذاك، كنت عزيزى الأستاذ بهاء طاهر أكثرنا التزاما ومثابرة، ولا أنسى من وقائع ذلك الاعتصام، وجودك اليومى وأنت تتوكأ على عصاك وبجوارك العزيزة فتحية العسال تجلسان فى فناء الوزارة وتثيران قدرا كبيرا من المناقشات والحوارات، كان وجودك بمثابة أحد المعانى الكبرى لنبل ذلك الاعتصام.
وعندما جاء يوم 30 يونيو 2014، رأيتك تقف بشموخ وأنت تستند إلى عصاك وسط حشود من المثقفين والفنانين والكتَّاب، جمال الغيطانى ومحمد العدل وخالد الصاوى وسامح الصريطى ومجدى أحمد على وعصام السيد ويسرا وإلهام شاهين وتقريبا كل المثقفين الذين اتخذوا موقفا ثوريا ضد نظام الفاشيين، ولأن السير كان صعبا، كانت هناك سيارة ملفوفة بعلم مصر تحملك أنت وفتحية العسال، وكنتما تطلان بين الحين والآخر هاتفين شعارات معادية للجماعة الأخوانية، حتى وصلت المسيرة إلى ميدان التحرير، وتفرق الجميع وتداخلت كل موجات البحر المتلاطم فى ذلك اليوم المهيب.
وبعد ذلك، تكونت لجنة لعقد مؤتمر «الثقافة فى المواجهة»، وتشكلت اللجنة من الفنان والمخرج السينمائى مجدى أحد على، والفنان محمد عبلة، والفنان والمخرج المسرحى عصام السيد، والناشر محمد هاشم، وكاتب هذه السطور، وكنت أستاذى خير رئيس وعقل وحكيم لتلك اللجنة، ظللنا نجتمع بشكل شبه يومى فى المجلس الأعلى للثقافة، وشهدت اللجنة كثيرا من الخلافات، لكن وجودك أستاذى كان «رمانة الميزان» تعدل دائما بين أى كفتين، وتخلق الحلول المناسبة لكل مشكلة. ورغم أن صوت العقل حكم دائما كل ما تطرحه، إلا أنه كان صوتا ثائرا، لا يحيد عن قناعات أرسيتها فى كتاب «أبناء رفاعة.. الثفافة والحرية»، ذلك الصوت ما زال يعمل فى روحى حتى الآن.
أستاذى العظيم، تتواتر الذكريات والمواقف، والذاكرة لا تنضب، وفى هذه الوقفة العابرة، أتمنى أن نكون عند حسن ظنك، لروحك العظيمة كل المحبة والسلام.

مقالات من نفس القسم