دومينيك أوري وحكاية أوو

دومينيك أوري
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

آمال فلاح

ظلت ملتحفة بالصمت لأكثر من أربعين عاما، مختفية خلف وقار منصبها في أرقى مؤسسة ثقافية عرفتها فرنسا”دار غاليمار”. لم تخبر أحدا أنها هي التي “اقترفت” حكاية أوو . رواية حققت في الخمسينيات أكبر رقم للمبيعات داخل وخارج فرنسا تحت إمضاء مستعار” بولين رياج”.

ظهرت الرواية في نفس الفترة التي نشرت فيها فرانسواز ساغان “صباح الخير أيها الحزن”، وحققت أرقام توزيع خيالية ونجاحا جماهيريا ساحقا . لكن الذي حدث أن تلك الشهرة وكل تلك الجوائز لم تحم الكتاب من المتابعات القضائية والملاحقات الأمنية.

متابعات، استجوابات وفضائح في الجرائد والمجلات. وبين معجب مثل الكاتب الانجليزي جراهام جرين ومنتقد مثل فرانسوا مورياك، لا أحد من النقاد أجزم بأن الكتاب تافه أو سوقي، بل بالعكس، كان هناك إجماع من الوسط الأدبي والفني  بأنه  مكتوب بإحكام وسلاسة ولياقة وبلغة فرنسية جميلة وراقية، وانقسام حول ماهية من يختفي وراء اسم بولين رياج. فلا يمكن أن تكون امراة، البتة، فالمرأة  عاجزة عن الإبداع.

 أتراه مورياك أم ألان روب جرييه ؟ ربما كان هنري دي مونترلان، أو أندريه مارلو، أم تراه جون بولان نفسه، ذلك الذي كتب مقدمة الرواية، صاحب البحوث اللغوية القيمة ومدير تحرير”المجلة الفرنسية الجديدة”؟؟

رفض الناشر الشاب “جون جاك بوفير”-أول من نشر كتبا عن المركيز دي ساد-وقتها الاعتراف بالاسم الحقيقي للكاتبة رغم المحاكمات العديدة، وانشغال الناس وإصرار العدالة. فيما رفضت لجنة القراءة التابعة لدار نشر غاليمار إعادة نشر الكتاب الذي حرر مقدمته أحد أبرز أفرادها، جون بولان، واعتبرته”عنيفا وغير أخلاقي”. كما تم منعه في الولايات المتحدة وفي بريطانيا العظمى.

بعد مرور أربعين عاما من الفضيحة، عام 1994- وكان الكتاب خلالها قد ترجم لعدة لغات كما اقتبس للسينما وتحولت مادته  لشرائط مرسومة وألبومات صور فوتوغرافية- كشفت صفحات أعرق جريدة بريطانية “ذي النيو يوركر”على لسان أحد أكبر صحفييها هوية مؤلفة “حكاية أوو” :إنها دومينيك أوري(1907-1998) العضو النسائي الوحيد في هيئة القراءة بدار غاليمار، مترجمة أعمال فيتزجيرالد  وهنري ميلر الكاملة والمحررة  بجريدة “المجلة الفرنسية الجديدة” ، الحائزة على عدة جوائز…والعشيقة السرية لجون بولان، عضو الأكاديمية الفرنسية وزميلها في المجلة وفي لجنة القراءة:

“لم أكن جميلة ولا شابة وكان علي أن أشد اهتمامه.. فكتبت نصوصا خليعة لعلي أحتفظ به..”

كان جون بولان (توفي عام 1968) يكبر دومينيك أوري بعشرين عاما(حتى اسم أوري كان مستعارا، فصاحبته قد غيرته حين دخلت عالم الأدب). وكان متزوجا.

شهرزاد الفرنسية روت لسنين قصصا وحكايا كي لا يقتلها حبيبها في قلبه. شهرزاد خلقت عالما خياليا، لبناته من ذل وأسمنته من شبق. لكن ما أن يطلع الصباح حتى تسكت أوري عن الكلام المباح. تلبس وقارها وتتجه إلى المؤسسة العريقة التي تشتغل بها. تناقش قضايا الأدب، تساهم في عدة لجان أدبية، تحاور المثقفين وتكتشف المواهب الأدبية. تؤسس أهم السلاسل في دار غاليمار، تتلقى بفخر وسام الشرف من يدي الرئيس شارل دي غول بنفسه، تحوز على جائزة ألبير شويتزر وجائزة بول فاليري وجائزة فيمينا وغيرها، ثم تستغرق كل ليلة في الكتابة:

“كنت أكتب وأنا مستلقية على سريري. أكتب بقلم الرصاص عن آثام الجسد التي حذرتني منها أمي .”

كانت دومينيك محتشمة ومنطوية، وكان والداها كاثوليكيين ملتزمين يحزنهما خروج ابنتهما المثقفة عن الأخلاق العامة: “لقد انتظرت أربعين عاما..انتظرت أن يغادر والداي الحياة.”

وكان العشيق أيضا قد غادر…

“عشت فقط معه وبعده توقفت عن الحياة.”

ظلت صامتة في الوقت الذي تحولت فيه الكلمات التي كانت تكتبها ليلا لمفجر للشهوات الحسية لدى الملايين من الناس، يرددونها في وضح النهار ويحفرون عبرها أنفاقا لتجاوز التزمت الاجتماعي وكسر التابوهات.

  شيئا ما بداخلها كان يرفض مغادرة العالم دون الاعتراف بكونها صاحبة الرواية. استعادة لشهرة هي أولى بها أم

 استرجاع لشجاعة أدبية خانتها لسنوات؟

جاء الاعتراف الذي زلزل الوسط الأدبي عام 1994 ووافتها المنية بعد أربع سنوات. أربع سنوات فقط انسجمت فيها أوري مع شخصيتها الحقيقية قبل أن تسقط في غياهب الزهايمر. قالت أنها لم تنزع للحياة الحسية وحياة اللهو والمجون بقدر ما رغبت في إرضاء العشيق، في لفت انتباهه إلى شيء مميز لا تملكه سواها.

عام 2006، صدر كتاب خاص عن شخصية دومينيك أوري الأدبية المدهشة، “الحياة السرية لمؤلفة حكاية أوو”، أزاحت انجي ديفي الصحفية فيه اللثام عن السر الدفين في حياة امرأة عامة لم يعرف عنها سوى كونها أنهم (من النهم) قارئة وأعظم مترجمة،   في حين كان قلمها يخط ليلا أعرق وأشهر كتب الخلاعة بعد الماركيز دي ساد. كتاب مؤسس فتح الأبواب لجيل من المثقفات للكشف عن ازدواجية حياتهن أبرزهن كاترين مييه، مديرة أكبر المتاحف الفرنسية والضليعة في الفنون وكاترين برايا المخرجة الفرنسية . كأن الاعتراف فتح باب جهنم للمجتمع الفرنسي التقليدي المسالم.

فعن ماذا يحكي الكتاب الذي أقام الدنيا ولم يقعدها؟

انه لا يحكي حدثا بعينه ولا قصة مميزة. انه عبارة عن رحلة شبق لامرأة شابة نفرت من القيود الأخلاقية السائدة في الخمسينيات، تحب رجلا وتنقاد له. فيطلب منها أن تتبعه إلى قصر بمنطقة رواسي (مطار باريس حاليا) يتم فيه تطويع النساء لتصبحن عبيدا لشهوات الرجال. رحلة تقود الفتاة لاكتشاف دروب اللذة، وكذا دروب الألم.

 رحلة  عبر دهاليز وأقبية اللذة ترويها دومينيك أوري بخلفية فلسفية عميقة تجعلنا نشارك البطلة بحثها المحموم عن المطلق،

وبلغة متقنة، مقتضبة ووجيزة تحول لحظة القراءة للحظة جميلة وممتعة، ليست أقل متعة من مقدمة الكتاب التي خطها الحبيب:

“وأخيرا.. تعترف امرأة..بماذا تعترف..بما امتنعت النساء في كل الأزمان من الاعتراف به..وبما عتب به الرجال عليهن..بأنها لم تتوقف أبدا عن الخضوع لنداء الدم، بأن كل شيء فيها جنس حتى عقلها، وبأن علينا باستمرار أن نغذيها وأن ننظفها وأن نجملها.. وأنها ببساطة شديدة بحاجة لسيد طيب يحترس منها.”

وإذا كانت تلك المقدمة قد حررت بهذا القدر من الاستمتاع، فهل يعني ذلك أنه كان راضيا عنها ومقدرا لبقية مزاياها؟ هي التي لم يشفع لها صدق عواطفها ولا ذكاؤها وتفوقها لكي تستبقيه.

كتبت أوري “فتاة مغرمة”، كما نشرت جزءا ثانيا للكتاب “قالت لي أوو”، تستجدي عبره رجلها وسيدها مبرهنة على استعدادها الكامل لكي تنسى نفسها وتذوب فيه، لكن الكتاب لم يكن له نفس الرواج، فالزمن قد تغير وأحداث مايو 1968 فتحت المجتمع الفرنسي على مصراعيه، وأذابت سلطة الآباء وهيبة الأخلاق وكسرت كل الأعراف .

أطفال مايو 67 من النخبة المثقفة، أطفال أوري وفوكو وسارتر وسيمون دي بوفوار وغيرهم، قاموا بثورة شكلية رسخوا عبرها الفجور والعربدة والخلاعة كحق في الحياة وفي الحرية وكعنوان لهما، حق أنساهم الفرق بين الخير والشر، بين العدل والمساواة. حق قادهم –في خريف عمرهم- لاعتناق الليبرالية في أشنع أوجهها والابتعاد عن المجتمع الفرنسي الحقيقي.

و….نسي الناس دومينيك أوري، المولودة باسم أن سيسيل ديكلو، فامتنعت عن الأكل. لم يزرها أحد واكتشفت جثتها وحيدة في منزل تسكنه عشرات الكلاب والقطط كانوا هم أهلها وعشاقها. 

 

 

 

 

مقالات من نفس القسم