“نسائي الجميلات”.. أدب الممانعة

نسائي الجميلات
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد فرحات

مثلت كتابات الممانعة على مر التاريخ خطورة على كاتبها، وعلى ما كتبه. فهي نوع من القذف بالنفس في هوة المجهول، لينال كاتبها في نهاية الأمر قدرا من العقاب الذي يجريه المجتمع وسدنته من حملة التعاليم والتوجيهات.

في النهاية تكون تجليات صورة سقراط وكأسه المترعة بالسم، أو ابن المقفع وهو يأكل أطرافه التي نضجت بالزيت المغلي أمامه، أو برونو وهو يحرق.

تبدو كتابتي في بدايتها كئيبة، نعم هكذا يخبرني شيطاني الطيب، ويوسوس لي بمسح تلك المقدمة السوداوية.

ولكن متى كانت الحياة على أي قدر يدفعك للبهجة، حتى تسطر أقلامنا ما يبهج؟! ولذا وبعد اعتذاري “لن أمسح المقدمة”.

فمنذ شرعت بقراءة رواية “نسائي الجميلات” للروائية والصحفية “أمنية طلعت” حتى غرقت بتفاصيلها إلى شحمتي أذني فإذا بي “log out” من حسابي على الفيس بوك، الذي يفترس الوقت افتراسا، وإذا بي أحاول فهم لماذا حدثت لي تلك الحالة من الاستغراق كصوفي صادق استغرق حد الذوبان بأوراده .

من أول سطر في الرواية تشعر بجو ملتهب، متحفز للانفجار في أية لحظة…”أمل” تحدث نفسها بعصبية شديدة “رنين جرسه المحمول يصدر صفارته  المملة في أذنها رنة..اثنتين..ثلاثة..لم تنتظر الرنة الرابعة..ضغطت بإبهامها على زر الإغلاق. وباستياء شديد رسم ملامح وجهها ألقت بعنف جهاز المحمول بطول ذراعها اليمنى..صفق الهاتف زجاج نافذة السيارة مصدرا دويا عاليا(…) ثم سبت “غانم” بصوت يملأه الحنق والاستهانة في آن واحد”غور يلعن أبوك…”.

“أمل” إذا هي إحدى النساء الجميلات التي تقابلنا، معدة برامج بأحد شبكات الإعلام بدبي حيث تجري كافة أحداث الرواية، إلا حدث أو ثلاثة بالقاهرة ودمشق.

تبدأ الرواية بمشهد البطلة “أمل رفعت” والتي تبدو مأزومة للغاية، خارجة لتوها من تجربة فاشلة عابرة-مارست فيها الجنس مرتين- مع “غانم” والذي يلقي بظلاله على علاقة أعمق مع من أطلقت عليه “الغالي”.

“أمل” تحمل تاريخا وممارسة ممانعة ضد كل ما يمثل قيدا للمرأة، بخلفيتها، والتي تظهر تباعا بأحداث الرواية بتكنيك الارتداد المكرر من زمن الحكي الآني، مشاهد مطولة جدا قد تستغرق فصلا كاملا، لمشاهد ماضوية تسقط تفاصيلها من ذاكرة أحد بطلات الرواية.

كانت حياة “أمل” رسالة تمرد ورفض لكل التابوهات الذكورية، التي قيدت حريتها طوال عمرها، وأدمت روحها.

“أمل” ابنة بيئتها الشرقية التي نشأت فيها المرأة على القيد، وبين جنبات”الحرملك”، عاشت على حكايات الأم المقهورة، المبررة قهرها، بما عاشته الجدة من قهر.

فجدها كان قاسيا على جدتها، كما كانت دائما تحكي أم أمل، يخون زوجته كثيرا، إلى حد أنه اصطحب واحدة  من بنات الليل لمنزل الزوجية، على فراش زوجته يمارس معها الجنس، ويجبر زوجته على مشاهدة جماعه الجنسي الكامل. لم يكتف الجد بذلك بل قال حتى تتعلم الزوجة من بنت الليل كيف تكون فنون الحب والجنس.

ثم والد “أمل” الذي مارس ذات اللعبة المفضلة لدى الرجل الشرقي وهي الخيانة، مع الوجبة اليومية من شتم أمها وضربها حتى مات تحت عجلات سيارة.

كانت الأم تحكي ل”أمل” عن كل هذا التاريخ المخزي، بشئ كبير من الفخر المتخفي!، كي تحض “أمل” على تحمل الزوج الفنان ونزواته المتجسدة في خياناته المتكررة، ولكن بتبرير يناسب القرن الحادي والعشرين أن الفن يحتاج للتجدد، ولا يكتفي بامرأة واحدة، حاولت “أمل” الصبر والتحمل كزوجة صابرة، وأم حنون، إلا أنها وفي لحظة تمرد لها ما يبررها من تاريخ طويل؛ قررت الانفصال والتنازل عن كل حقوقها، بما فيها حضانتها لوحيدها، وتركه لأمها.

ليحاول الزوج تشويه سمعتها في كل الأوساط، بل ويتجسس علي حياتها بعملها ومنزلها الجديد، حتى شكت “أمل” بكل من يحيط بها.

كان سفر “أمل” إلى دبي طوق النجاة الوحيد، ولأنها قررت أن تحب ذاتها.

“مش معنى إني ست إني أعيش العمر كله تحت الجزم، جزمة الزوج وجزمة الابن وجزمة المجتمع، فلتسقط جميع الجزم…”.

يجسد هذا المنولوج الوارد على لسان صديقتها اللبنانية “منال” موقف”أمل” المتمرد ضد كل القيود المعلبة في صور اجتماعية مقدسة، وهي في الأساس لب الهيمنة الذكورية الراسخة منذ الأزل.

“أولا لإنك، لاتزعلي مني، مانك مهتمة بحالك كتير، يعني يوم تيجي مضبطة حالك على الآخر، وعشرة لا. وكمان لإنك ما بتغاري من النسوان حواليك، ومطلقة وتاركه ابنك، وما همك حكي الأمومة الفاضي، ولسانك طويل وما بتخافي تقولي ياللي في بدك، وفي الآخر ما بعرف ليه حسيت إنك عاقله كتير، وما بتفشي سر لحد…”.

تعليق “منال” يكشف ظاهر شخصية “أمل” تماما، ولكن باطن شخصية”أمل”، وما أنتجه من سمات شخصية ظاهرة، تكون من تاريخ قهر ذكوري تم ممارسته في عائلتها بتاريخ أجدادها وأبائها، ثم مورس عليها شخصيا.

ببراعة تنقلنا الروائية بالفصل الخامس إلى وقت السرد الآني الزمني، فما سبق من فصول أربعة كان استرجاع الذكريات الماضية، أو ما يشبه (فلاش باك).

ف”الغالي” بالفصل الأول لم يكن غير”عادل”. لم تعد تهتم في عالم الذكور بغير اثنين؛ حبيبها وابنها فقط.

وحبيبها (عادل) قد رحل، وهي قد رحلت عن ابنها، وتخلت عنه طواعية.

هكذا تلقي الراوية بحقائق تتداعى تفاصيلها تباعا، كجبل يظهر من بعيد جملة واحدة، ثم تظهر تفاصيله رويدا كلما اقتربت منه.

لتظهر “أمل” بصورة المرأة القوية، والتي اختصرت دور”الذكر” في حياتها طبق طعام ضروري لإشباع حاجتها إلى الطعام، كذلك فدور”الذكر”، وللفظة “ذكر” ملمح إيحائي بتصنيفه الجندري فقط، دون تمييز اجتماعي تجحده البطلة مقدما، مجرد إشباع حاجة بيولوجية ملحة لا استغناء عنها كالطعام والشراب، بعيدا عن أي قيد ديني أو اجتماعي، وكتمرد بليغ ضد التقاليد البابوية الذكورية المقيدة.

لا تظهر الأيديولوجيا بالسطور الظاهرة للرواية، ولكنها تتسرب بسلاسة لروح المتلقي.

لاتتشدق “أمنية طلعت” بالمصطلحات النسوية، بتلك اللغة الخشبية، التي تظهر في كتابات من سبقها، أو يعاصرها.

هي”نسوية” مخلصة لكل مصطلحات الخطاب النسوي المعاصر، بدون أن تلحظ ذلك.

“أمل” هي  البطلة محور الارتكاز، الجاذبة لكافة الشخصيات، أو كما وصفت نفسها.

“كانت “أمل” تسب أبا الذي أنجبها في هذا الكون، والجنيات التي تجعلها دائما تتورط في مشاكل وتعاسة الآخرين. بينما تسير في هذا الكون الفسيح كسيزيف حقيقي، تحمل صخرة آلامها دون أذن واحدة تسمع  أو تستجيب!”.

“دخلت “أمل” بهمة فاترة، فقد كانت مستعدة لسماع قصة تكررت على أسماعها كثيرا. ليس من سميرة وحدها، ولكن من جميع النساء والفتيات الاتي قابلتهن في حياتها، بل إنها خبرتها بنفسها أكثر من مرة مع”الغالي” نفسه! إلى أن قررت الاستهانة بالحب واختصار الرجل في عضو ذكري يشبع رغبتها الجنسية…”.

وبمرور اليسير من الأحداث، والتي تجسد حالة الضجر التي تمر بها “أمل”، نعلم  أن صديقتها والتي تشاركها التواجد بذات المدينة”دبي” تمر بذات أزمة الفشل العاطفي، وهجر “رمزي” حبيبها.

وبعد القليل من الفضفضة بين الصديقتين الحميمتين، نعلم أن العلاقة العاطفية بينها وبين “رمزي” قد استغرقت كافة التفاصيل التي تحدث في الفراش بين رجل وامرأة إلا فقدها لعذريتها.

“سميرة” تنويعة أخرى لذات التيمة الهائمة حول انسحاق الأنثى في المجتمعات العربية الذكورية، يزداد عليها صورة أخرى من القهر، وهي الإعاقة، ثقل بجانبها الأيمن، نتيجة جرعة شلل أطفال فاشلة؛ صورة ثانية من القهر الطبقي الذي يحدث للفقراء.

ومع ذكائها المتقد، ومكانتها المهنية كمهندسة معمارية ناجحة، يُمَارس عليها الصورة الثالثة من القهر الجندري من الذكور للإناث، فبعد استغلالها من جانب ذكور/تامر/ عاطفيا. /رمزي/ جنسيا. تمارس “سميرة” على ذاتها قهرًا من نوع رابع وهو جلد الذات بسياط التأنيب الذاتي المستمر كونها من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ هذا النوع من القهر ثنائي الممارسة من المجتمع والذات معا.

حتى”أمل” تمارس ذلك  القهر لا شعوريا، ولو للحظات تردد فيها المقولات الذكورية القاهرة للمنسحق لعلة جندريته وصفته الجسدية معا، ولكن سرعان ما يردها وعيها الملتزم بقضيتها.

“خافت من نصف سميرة الأيمن الذي رأت فيه جسدها المشوه، تحت تأثير طعنات إيلاج زوجها في فرجها…جسدها الذي ألقته لعادل مهملة إياه لتكتشف وهو غائب أنه تسلل إلى قلبها…”.

وخلال محاولة “أمل” بعث قلب “سميرة”، وتحرير شبابها الغض من قيود الإعاقة الروحية قبل الجسدية، يتبين لنا رتوشًا من حياة “أمل” بالقاهرة، وزواجها بالفنان التشكيلي”محمود” وما قد مثله من فظاظة وأنانية وجحود، وخيانات متكررة سممت حياة “أمل”، ورحلة الانفصال التي استمرت لعامين كاملين من المعاناة والمهانة، وتشويه سمعتها بوصمها بالخيانة، فاز بعدها طليقها بكل شئ في سبيل حريتها، وانتهاء سلسلة تنازلاتها بتنازلها عن أمومتها، وتركها ذلك كله بالقاهرة، وفرارها بعمرها وحريتها وأنوثتها لمهجرها المتحرر”دبي”.

يكشف الفصل الثامن أبعادا جديدة من شخصية “أمل” وموقفها من الميتافيزيقا، فهي مؤمنة بوجود الله، ولكنها غاضبة منه، وتضعه موضع الأب ثم موضع الزوج، وكيف كانت جناية كلاهما، وما سببا لها من تعاسة…

“فقد امتنعت “أمل” بإرادة حرة عن الصلاة والصيام والاقتراب من دور العبادة تماما، عقب اللحظة التي قررت فيها هدم صنم الذكر في الحياة، لا تدري لماذا ارتبط داخلها الله بالأب. فإذا ما اقتربت من أبيها اقتربت من الله. وإذا ما نفرت، نفرت منه أيضا. وعندما أبدلت بأبيها زوجها في المقعد المقابل لله، كانت الخاتمة الكبيرة والمدوية لسقوطه مع انهيار صنم الرجل تماما، وتحوله إلى مخلوق عادي، وأقل من عادي!”

وعندما هبطت إلى مسجد النساء الذي هو عبارة عن حجرة صغيرة ضيقة دون المسجد الكبير الذي احتله الرجال، تذكرت أنها ترتدي بنطالا ضيقا، وبلوزة قصيرة الأكمام…

“لماذا يضع الله شروطا سخيفة لكي نزوره في بيته، لماذا لا يضع مثل تلك الشروط على الرجال؟!”

أرادت “أمل” أن تخرج “سميرة” للحياة، وتخلصها من عقدة الذنب. فكان حوارا كاشفا مزلزلا كلتاهما…

“سميرة: ربنا مش ظالم يا أمل…

أمل: لأ ظالم …بصي لنفسك في المراية وانت تعرفي إنه ظلمك…

تجذبها نحو المرآة وتثبتها أمامها ثم تقول: ظلمك لما فرض عليك الشلل، رغم إن أهلك عطوك التطعيم ضده، إشمعنى إنت من بين آلاف الأطفال يطلع تطعيمك فاسد؟! ماكنش ربنا قادر يوقف المصيبة دية؟! ظلمك لما خلق الناس يبصوا لأي إنسان مختلف على إنه ناقص وأقل منهم، ومش من حقه يعيش زيهم، ظلمك لما أخذ أمك منك وانت في أعز الاحتياج إليها، ظلمك لما سجنك أبوكي في إعاقتك، واتعامل معاها على أنها عيب في سوق الستات، ظلمك لما عطاكي تامر، وفتح قلبك للحب، وبعدين أخذه منك بمنتهى القسوة، ظلمنا كلنا لما خلانا أقل من الرجالة درجة، وساب الرجاله يطحنونا بالدرجة دي…ظالم يا سميرة…ربنا ظالم…”.

يبدو الحوار بسيطا، إلا أنه يحمل كل مفردات الفلسفة النسوية الماركسية خاصة، ونظرتها تجاه البناء الطبقي، ووضع الإله على قمة الهرم البطريركي الطبقي…الله…الأب…الزوج.

كان إيمان “أمل” إيمانا حقيقيا بوجود الله، وأنه القوة المؤثرة في شتى الأمور، ومسيرها القادر الوحيد، والمنسوب إليه كل أفعال البشر، وحتى عواطفهم، ونياتهم، ظواهرهم وبواطنهم…ولكنه كان إيمانا مغلفا بقدر عظيم من الغضب، مؤطرا بثورة حارقة على كل صور الاستبداد الذكوري؛ ذات تيمة التناقض بين ظاهر شخصية”أمل” وباطنها.

ولأن حركة الرواية نحو التصاعد قائما على التناقض بين الشخصيات، ورغباتها، فإن شخصية “سميرة” مناقضة تماما لشخصية”أمل” ف”سميرة” سلبية، غير مالكة لقراراها تنتظر القدر أو الآخرين حتى يشكلوا حياتها، لاتبادر باتخاذ الخطوة الأولى إلا بضغط من الآخر/الصديق”أمل”.

“أمل” على طرف النقيض إيجابية، تصنع قراراها بيدها، قوية؛ حتى أنها أثرت بقوة في محيط الآخرين وامتدت سطوتها المعنوية لتشمل صناعة القرار لدى الآخر/ الصديق “سميرة” أو العدو/الزوج وكل رمز من رموز السيطرة البابوية الأب، الزوج، الله.

“سميرة” تنظر لنفسها دائما كمعاقة، بالرغم من قدراتها العقلية الفائقة، وبالرغم من نظرة الجهات الرسمية لها على أنها غير معاقة، وإعطائها رخصة قيادة لغير المعاقين. ومعلوم مدى تشدد الجهاز المروري الإماراتي.

نظرة “سميرة” لذاتها هي التي شكلتها، وتشكل تصرفاتها على طول أحداث الرواية…وهذا ما قرره معاق حقيقي/ يتحرك بكرسي متحرك مخاطبا سميرة …

“الناس بيشوفونا زي ما احنا بنشوف نفسنا، لو إنت شايفه في نفسك نقص، كل  الناس هتشوف النقص ده، والعكس صحيح، أنا مثلا بامشي على كرسي متحرك، لكن أنا شريك في كل مباريات كرة القدم اللي زمايلي بينظموها…”.

“سميرة” تحت تأثير”أمل” تبحث عن زوج في مجتمعات ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك بعد زواج “حسين” بأخرى؛ “حسين” زميل “سميرة” بالشركة والذي أبدى اهتماما ب”سميرة” التي صدته معتقدة أن سلوك الصد هو ما يجب أن تكون عليه الفتاة العفيفة، وحتى لا تخون ثقة أبيها فيها، فسرت “سميرة” انصراف “حسين” عنها بكونه رفضا لإعاقتها.

ولكي تخفف “أمل” من حدة انفعال”سميرة” ولتثبت لها عدم صحة نظرتها لنفسها بكونها معاقة، أشارت عليها أن تبحث في مجموعات المعاقين عن زوج، وبالفعل أقبل عليها ثلاثة كل منهم بصحبة شريكة غير معاقة، بل جميلة.

لم تترك “سميرة” المواقع الإلكترونية والتي يتداول أعضائها معلومات عن أنفسهم للزواج.

“فكل ما هو مذكر في حياتها مستحيل التحقق، يأتيها دوما شائها بلا ملامح حانية تلطف من هجير الأيام التي تمر بثقل على ظلالها، تلك الظلال التي لم يتبق سواها منها، تعيش بها تاركة أصولها متكومة على أرضية ما، لا تدري عنوانها الحقيقي، تتسائل برغبة يائسة عن سبب حظها العسر مع الرجال، ما الذي فعلته ليكون مصيرها عكرا معهم، بداية من والدها ووصولا إلى عادل، حتى ابنها لا يعترف بها أما! وهل لطفل صغير أن يلعب لعبة الذكورة الأبدية حتى مع أمه…”

منولوج “أمل” يوضح كونها وجه العملة الآخر من شخصية “سميرة” ، بالرغم من اختلاف سمات شخصيتهما ما بين طرفي نقيض، كلاهما معذب. في حال “أمل” فهي معذبة بوجود الرجل بشتى صوره وتجلياته، وفي حال”سميرة” فهي معذبة بانعدام وجوده، ثم شعورها بالذنب بعد عبور عتبات المعرفة مع “رمزي”.

فأسفرت محاولتها عن راغبي زواج ولكن لأسباب أخرى غير الزواج كالبحث عن عقد عمل في الإمارات.

بعد مكالمة تليفونية مع “سميرة” التي تصرخ بعد فقدها عريسا عبر حياتها عن طريق النت، تصل “آمال” نكدة لبيتها البائس، مبلبلة المشاعر إثر عدم رد الغالي”عادل” على هاتفها.

تحاول الاتصال بابنها الذي يعيش مع أمها بحكم قضائي، ولكنه يصدمها بمنادتها “أمل” من دون كلمة ماما، بعد لوم أمها وتأنيبها.

تستغرق في نوم مرهق بكوابيس تقابل فيها أبيها الشامت بهزيمتها الظاهرة.

“هذه نتيجة من تحاول أن تكسر القيد، وتتمرد على الناموس المقدس…!

كانت ترغب أن تسأله عن أي ناموس يتحدث، لكنها لم تتمكن حتى من تحريك لسانها…”.

تحاول أن تستيقظ من نومها لتهرب من تلك الكوابيس الجاثمة، فتستيقظ على يد حبيبها “عادل” يحاول إيقاظها بوضع الماء البارد على وجهها.

ولظهور عادل بمظهر المنقذ بنهاية هذا المشهد الكابوسي مدلوله الرمزي، فوجوده على درجة من المصيرية في حياة “أمل”، تمهيدا لتأثيرات غيابه على شخصيتها، ومعتقداتها.

فأمل” وبالرغم من مظهرها القوي تحمل قدرا من الهشاشة والضعف، كما ستعترف بمواضع متعددة من الرواية.

تظهر شخصية جديدة لسيدة لبنانية “منال الوزي”، تعمل مذيعة بذات قناة “أمل” التلفزيونية، تؤدي حياتها، كما تؤدي وظيفتها فكأنها أمام كاميرا التصوير طوال الوقت، فهي تحرص على أناقتها المبالغ فيها بكافة تفاصيل حياتها، حتى وإن كانت تتناول فنجان قهوة بأحد الكافيهات المهجورة! وأيضا هي تؤدي دور الزوجة والأم السعيدة، والتي تعيش حياة نموذجية، كما تظهر إعلانات تنظيم الأسرة.

“عاشت منال سنوات زواجها ترتدي وجها ليس لها، وترتدي أدوارا لاتعشقها، فقط تشعر بأن روحها عادت لجسدها عندما تغلق باب بيتها ورائها متجهة لعملها، حيث الشاشة التي تعشق أن تطل منها على ملايين المشاهدين…”.

تختار”منال” “أمل” كنموذج المرأة القوية /الملاذ، والتي سوف تُفْضِي لها بكافة أسرارها ومشاكلها.

“منال الوزي” ابنة رجل الأعمال اللبناني الشهير، وصاحب أكبر الشركات السياحية بالإمارات، هرب من نيران الحرب الأهلية بلبنان، واستقر وأسرته مع أمواله التي نماها على مدار السنين.

إلا أن الأب “إبراهيم الوزي” قد انشغل تماما عن أسرته، وترك عبء رعايتها على زوجته.

“يعيد تأسيس شركة “للسفر والرحلات” لتصبح أحد أهم شركات السياحة بالخليج والإمارات، ليغيب تماما عن أسرته تاركا عبء تربية ابنيه على كاهل زوجته، التي استعاضت عن غيابه الدائم بالإمعان في عمليات التسوق والانتقال من مرحلة رفاهية إلى أخرى. بينما لا تبذل الكثير لتربية ابنيها، تاركة همهما إلى الخادمة الفلبينية التي استقدمها زوجها من بلادها حتى يتخلص من فوضى شكواها المستمرة، وحتى يبرر لنفسه الغياب، وحتى يتمكن من طرد احتمال خيانتها له في ظل غيابه الدائم…”

وبعد قليل استقدمت أم “منال” مديرة منزل فلبينية، تنهمك الأم هي الأخرى بنوادي الأسر الأرستقراطية من الطبقة الثرية اللبنانية بالإمارات، وجوالات التسوق، ومراكز التجميل…

ينشغل أخو”منال” بشركة أبيه، ويشارك في إدارتها.

لتُتْرك”منال” وحيدة تماما في منزل اختفى كل من فيه إلا بأوقات النوم.

يزيد من حدة أزمة”منال” عدم تقبل أمها لها بالبيت، وعدم الترحيب بها بجانبها، فقد رأتها منافسا قويا، سيزيل عرش جمالها ورونقها.

حاولت الأم تزويج “منال”، التي رفضت فكرة الزواج، وطلبت من أبيها إكمال دراستها بأمريكا.

عاشت “منال” خمس سنوات بأمريكا تدرس الإعلام، عاشت وحيدة تماما، بدون حتى صديقة من بنات جنسها.

تفوقت “منال” بدراستها، وعملت بإحدى محطات البث المحلية بأميركا.

تعلمت”منال” الكثير عن الإعلام عمليا ونظريا، وعادت إلى الإمارات بقدرات إعلامية لا تتوفر لأحد من أبناء جيلها. عملت بأكبر المحطات الإماراتية الإعلامية كمقدمة برامج سياسية.

ولشعور”منال” الدائم بالغربة بين أسرتها، بل بكونها منبوذة، غير مرحب بها، أرادت الإستقلال بمعيشتها بعيدا عن أسرتها.

رفضت الأم وذلك للحفاظ على الشكل الاجتماعي، وحاولت تزويجها، فالزواج هو الحل الأمثل فهو سيبعدها عن مملكة الأم، وسيحافظ على الشكل الاجتماعي للأسرة فائقة الثراء.

ولأن الزواج سيحقق لمنال الاستقلال فقد تزوجت برجل، كل مؤهلاته أنه يستطيع بوسامته أن يقف بجانبها بصورة الزفاف.

رفضت “منال” الجنس، بل كانت تمارسه مع زوجها بدون أي رغبة.

عوض الزوج ذلك بعلاقاته خارج منزل الزوجية.

“لقائتها الجنسية وزوجها شكلت كارثة حقيقية، قبلتها رغما عنها حتى لاتنهار منظومة استقلالها، وبعدها عن منزل أسرتها.

لم تكن تقبل أن يقبلها زوجها عميقا في شفتيها، تشيح بوجهها عنه رافعة ثوبها عن ساقيها، وكأنها تقول له(خلصنا) وبمجرد أن ينهي الزوج ما لديه، تنزلق مسرعة من الفراش وهي عارية، تجمع قطع ثيابها كالملسوعة، متجهة للحمام لتزيل آثار الحادثة، ثم تفرغ ما بجوفها داخل فوهة المرحاض وتبقى قليلا، لتخرج لتجد الرجل الذي يمثل دور الزوج قد اختفى تماما(…) ليقرر أن يعدل كفة الجنس المائلة في الخارج…”

أصر الزوج على الإنجاب، فكان ذلك أحد بنود مزايا  الزواج من “منال” الوظيفة المرموقة بشركة أبي منال، المنزل الباذخ في أحد أحياء الإمارات الراقية، ثم الابن.

رضخت “منال” لرغبة زوجها وحملت، وأنجبت لاعنة  كل من قابلها، رافضة للأمومة ولابنتها.

أسرعت “منال” لأحد مراكز التجميل لتستعيد جمالها ورشاقة جسدها  لتعود لعملها الإعلامي.

تركت “منال” ابنتها لمربية إنجليزية لتعيد ذات القصة مع ابنتها.

وبالرغم من كون “منال” ابنة المجتمع المخملي الارستقراطي فصور القهر والانسحاق المتمثلة في القهر الطائفي السياسي الذي دفع والدها لهجر وطنه مع أسرته ليعيش طيلة حياته بالمهجر غريبا، حتى وإن بلغ من الثراء مبلغا عظيما، لترثه “منال” والتي تعيش بالرغم من نجوميتها مواطنة من الدرجة الثانية في بلاد المهجر العربية الممارسة لعنصرية فاشية لا تقارن بما يحدث ببلاد الغرب التي تحتضن أمثال “منال” وأبيها ومن هم أقل قدرا ومقدرة، فتمنحهم الجنسية والمواطنة يتساووا مع أبنائه بالميلاد.

ثم القهر الأسري الذي مارسته الأم بإقصائها، والمتجسدة برغبتها في تزويجها لأول عابر سبيل، مجرد نقل كفالة كما هو شائع في بلادنا كصورة عصرية للعبودية، ثم استغلال الزوج التقليدي لزوجته وأسرتها الثرية.

كان رد فعل”منال” عنيفا تمثل في رفضها لشكل الأسرة، بل والنفور من ابنتها البريئة، محاولة إعادة تدوير القهر بتبادل الأدوار من مفعول لفاعل. وتبادل زيف المجتمع بزيف مثله.

ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقة صداقة بين الفتاتين، اللتين تشبهان بعضهما البعض في شئ واحد لكنه مهم جدا، فكلتاهما مكبلة بقيد وهمي يسجنها بعيدا عن الواقع، عن مواجهته، عن مجادلته، عن التمرد عليه، وإعلان الحرب لو لزم الأمر، فبرغم أن هالة صحيحة البدن تماما، ولا تبدو أمام سميرة ينقصها أي شئ في الوجود، إلا أنه بداخلها يكمن العجز، فهي دائما مكبلة برهبة النازح من الريف الفقير، إلى المدينة الضاجة بأضوائها البراقة المخيفة، والتي لم يعرفها يوما قبل أن يذهب به القدر إليها.”

لم تكن الفتاتان غير “سميرة” وصديقتها الجديدة “هالة” ليبدأ الفصل باستغاثة “هالة”، من تحت بيت “سميرة” فهي تموت، فقد أصيبت “هالة” بنوبة قلبية، نقلت على إثرها للمستشفى.

تظهر “أمل” التي هرعت للمستشفى على إثر اتصال”سميرة” بها قدرا كبيرا من عدم التعاطف.

“هالة” مهندسة سورية درزية رائعة الجمال، نشأت يتيمة مع أمها وجدتها، ينهشهم الفقر، فكانت الدراسة ملاذ “هالة” والتي تفوقت فيها.

التحقت “هالة” بتفوق بكلية الهندسة بدمشق، أحبت من بعيد شابا من أب مصري، وأم سورية.

“أحمد” حبيب “هالة” السري من أسرة ميسورة بخلاف هالة.

لم تجرؤ هالة على مكاشفة “أحمد” بحبها، فقد أورثها الفقر واليتم عدم الجرأة والخوف والشعور الدائم بالعجز.

يجتمع الحبيبان أخيرا بأحد الشركات الهندسية بعد تخرجهما، ويشتركا سويا بتنفيذ أحد المشروعات الهندسية بين مصر وسوريا.

يتزوج “أحمد” من أحد فتيات الارستقراطية السورية.

ويبقي حب “أحمد” معذبا ل”هالة” حتى تأتيها فرصة سفرها لدبي، فتقبلها بدون تردد فهي فرصتهم الوحيدة لتتخلص وأسرتها من وحش الفقر المخيف.

“ستة عشر عاما وقد أُودِعت في سجن عشقه السماوي، ستة عشر عاما تفيض روحها أنهارا في مجاريه، ستة عشر عاما كانت اللحظة التي تجمعها به تعادل حياتها وزيادة، ستة عشر عاما يراودها الأمل في أن يبادلها الحب ثم يراوغها ويخبو.

كيف يمكن أن تختصر ستة عشر عاما في رسالة قصيرة ترسلها عبر الهاتف؟! كيف يمكن أن ينوب عنها هذا الجهاز الصغير؟ ويحمل إليه نداء قلبها القلق بين ضلوعها سنين طوالا…”

بعد سنوات تقابل “هالة” “أحمد” في أحد مراكز التسوق.

تعرف”هالة” أن “أحمد” يدير شركة أبيه في “دبي”. تعددت لقاءاتهما لتعرف “هالة” عن أحمد كل شئ، فهو مليونير لا يحظى بسعادة كاملة مع زوجته “ندى” التي حرمت من الإنجاب، فاستغرقت في التسوق والحياة الناعمة.

يتقارب كل من “هالة” و “أحمد” تكبت هالة مشاعرها العاشقة بكل ذرة في كيانها، وتقنع بدور الصديقة المخلصة، والتي يبوح لها أحمد بكل دخائله.

ليخبرها أكثر من مرة برغبته في تطليق “ندى” زوجته، وولكنها دائما تنصحه بعدم تطليقها، حتى لايكسرها بنقطة ضعفها بعدم قدرتها على الإنجاب تحت ضغط أبيه الذي يحلم بوريث لكل ثروته الطائلة.

تحمل “ندى” إلا أنها تصاب بسرطان في رحمها، ينتظر الأطباء سبعة أشهر حتى تلد، وتبدأ رحلة العلاج، خلال تلك الفترة ينقطع “أحمد” عن “هالة”.

يبعث “أحمد” برسالة لهالة بعد انقطاعه الطويل عنها يخبرها بعشقه ومحبته.

لا تصدق “هالة” نفسها، ولكنها تعلم أنه أرسل تلك الرسالة وهو بحالة سكر شديد، تحت تأثير الوحدة وبعده عن زوجته وابنه.

تتشبث “هالة” بعشق”أحمد”، خاصة وأنها انتظرت تلك الرسالة منذ ستة عشر عاما، وأنها تجاوزت الثلاثين رافضة كل من أراد الزواج منها من طائفتها من الدروز، منتظرة تلك الرسالة العاشقة.

كان سؤالها دائما لنفسها هل سيستمر “أحمد” في حبها.

يلتقيا ببيت “أحمد” وتشعر “هالة” بوجود “ندى” وأنفاسها بكل أرجاء البيت.

يحملها”أحمد” للفراش، فراش “ندى”، ولكنها في لحظات الشبق الأخيرة، تلك التي يعقبها الالتحام، ترفض إتمام العلاقة الحميمة، وتخبر”أحمد” بعدم رغبتها في إتمام ليلتها الأولى في فراش غيرها، إلا أن أحمد يطعنها بقوله إنها لم تكن الليلة الأولى، وإنما كان مجرد تدريب.

تغادر”هالة” بيت “أحمد” شاعرة بأنها مطرودة من بيت”ندى”.

وفي طريقها لمنزلها تهاتف “أحمد” وتخبره بأن موعدهما التاسعة مساء غدا بمنزلها.

تعد”هالة” كل شئ للقائهما التي انتظرته كثيرا الطعام، والشراب، والشموع، والملابس، تزينت يوما كاملا.

ولكنه لم يأت ومع كتابتها حروف اسمه واسمها بالشموع، تشعر بسيل من العرق، وضعف بقدرتها على التنفس، تسرع لبيت”سميرة” الغير بعيد عن بيتها، وتسقط مصابة بأزمة قلبية.

فكان لديها من صغرها قصورا بالشريان التاجي، ولكنه لم يظهر إلا وهي في الثلاثين من عمرها، وفي تلك الليلة.

“هالة” كسميرة يجتمع عليها قهر الفقر، والمرض، وتزيد عن “سميرة” نوعا جديدا من القهر، يتمثل بكونها “درزية” بوسط مغاير يمارس سطوة الأغلبية الدينية على الأقلية، فكان عشقها لأحمد السني، وصعوبة الاقتران بينهما بإطار الزواج الديني.

البطولة في الرواية بطولة نسائية جماعية على شكل مربع تمثله شخصيات فاعلة، إيجابية(أمل، منال)، وشخصيات مفعول بها، سلبية(سميرة، هالة)، أزمتهن الرجل سواء كان حضورا في حالة أمل ومنال، أو غيابا في حالة سميرة وهالة.

أسست الروائية”أمنية طلعت” بالقسم الأول من الرواية صراعا ملتهبا متصاعدا نحو ذروة الأزمة، ليحدث الهبوط التدريجي بالقسم الثاني، ثم الحل ولحظة التنوير بنهاية القسم  الثالث والأخير.

ما الحياة؟ سؤال كلف عديدين من البشر حياتهم دون العثور على إجابة، ومضوا وعلامة الاستفهام بطول وجوههم حتى استقبلهم القبر.

ربما يؤرق هذا السؤال الناس بدون تمييز، لكنه يأتي للنساء بعبوة كاملة من الأسئلة الفرعية: ما الشرف؟ أين يمكن الحصول على الأمان والاستقرار؟ ما هي ملامح الحب؟ ما الذي يجب أن يفعلنه في هذه الأيام التي تجري فوق أجسادهن فتبليها، ولا تترك لهن سوى عقول فارغة؟ ما هي الأنوثة؟ ما هي الأمومة؟ ولماذا يركز الكون بصره نحوهن مترقبا ومنتظرا ما لا طاقة لكائن حي به؟

أسئلة لا إجابة لها، أو قد تحظى بإجابات معلبة تلفهن في دوامات لا نهاية لها، حتى تقذف بهن في هوة الموت.

بلايين من النساء أتين وكأنهن لم يعبرن من هنا أبدا، وملايين أتين ومتن كمدا لأنه لم يهتم أحد بسماع صرخاتهن. وآلاف متن في سبيل أن يكن شيئا…أي شئ. ومئات فقط  فقط صمدن، وكن شيئا رغبنه فعلا. حتى لو لم ينصت أو يهتم التاريخ.”

قفز”رمزي” في حياة “سميرة” بواسطة النت، موقع تعارف للزواج، قابلته سميرة، وأزعجها تركيبه غير المتناسق، أسود، أصلع، قصير، بجذع مدور، على قدمين شبه منحرفتين.

أو كما وصفته”أمل” حينما تشاورت”سميرة” معها بشأنه…

“فلقد كان”رمزي” يشبه الضفدع في قصص الأطفال المصورة، فقط يرتدي نظارة، ويمسك سيجار هافانا الكوبي، ولم يكن ينقصه وفقا لرؤية “أمل” التلفزيونية سوى تاج مذهب، وحرملة قطيفة حمراء ذات ياقة فرو بيضاء كثة، يغطس فيها رأسه الذي لا يستند على عنق مثل باقي البشر(…) برغم تلك الإكسسوارات التي يحيط بها “رمزي” نفسه، من نظارة ذات إطار ثقيل ماركة”دوليتشي آند جابانا”، وساعة رولكس ضخمة تبرق على معصمه، وسلسلة “كارتييه” ذهبية تتراقص على عنقه الشحيم، وقميص “بيير كاردان” حمصي اللون، وحذاء “كلاركس” ضخم يحتل مساحة ضخمة أسفل الطاولة. شخص يتمتع بصوت سلس هادئ، ذي نبرة عميقة مقنعة، حتى لو لم يكن لديه شئ مهم ليقنع به.”

كان رأي “أمل” إيجابي بشأنه، خاصة أن الرجال العرب، وإن كانوا في بدايتهم وسيمين، إلا أنهم ينتهون سمانا، صلعا.

“رمزي” ولد، وعاش طيلة حياته في الإمارات، لأب وأم مصريين يعملان بأحد الدوائر الحكومية الإماراتية، جمعا الكثير من الأموال، وقام أبوه بإنشاء مشروعه الخاص، ولكنه قرر فجأة العودة لمصر، فرفض “رمزي” وأمه وأخته، فطلق الأب الأم، وغادر لمصر.

استراحت “سميرة” ل”رمزي”، وبدأ قلبها يخفق تجاهه.

ترتد”أمل” فلاش باك، تتذكر”عادل” خاصة مع انقطاعاته الطويلة عنها.

كان كثير الغياب فتذكرته بمواقف مرحة كثيرة.

تذكرت حينما عبر عن رغبته في الزواج منها، وكيف تهربت، ثم ندمت حتى أنها بصقت على وجهها بالمرآة.

تهربت من عرضه للزواج منها حتى تحافظ على صورتها كامرأة متمردة، لا تعبأ كثيرا بوجود الرجل في حياتها. ولكنها كانت تسأل نفسها ماذا لو تزوجته وخانها…

“عاندت أمل كل المقدرات التي فُرِضَت عليها، عاندت قبول مصير جدتها أو أمها، وعبرت عن عنادها بمشاعر رفض صرحت بها ضمنيا في وجه أمها. عاندت مصير الزوجة المكلومة من خيانات زوجها، وفرت من فراشه رغما عنه. عاندت المواصفات المقدسة للأم، وأدارت ظهرها لوليدها، عاندت حتى نفسها كي تعترف ببساطة أنها تحب”عادل”، وعليها فقط أن تترك نفسها لتيار هذا العشق، وتستجيب لمقتضاياته.”

“استطاعت”سميرة” مع “رمزي” أن تعبر بوابة كبيرة في اكتمال تعريفها الأنثوي، تلك الأنوثة الملفوفة بمليون غطاء، لا تراها حتى صاحبتها، فمنذ أن قطع”تامر”عليها الطريق أثناء مضيها قدما نحو الكمال، وهي تعاني من الابتسار وتختفي خلف الأقمشة.”

أحبت “سميرة” “رمزي” لم تعد تنظر إلى قبحه الجسدي، ولم يعد يلفت انتباهها.

سألت “سميرة” “أمل” عن حدود العلاقة الجسدية بينهما…

“الحدود تتوقف عند ما يمكن أن يصل إليه في السيارة أو المقهى أو الشاطئ، لكن إياكي أن تسمحي له بعبور باب منزلك، أو الذهاب إلى منزله.

وعندما أجابت “سميرة” بثقة أنها تعرفه جيدا، ومتأكدة أنه لا يمكن أن يطلب الاختلاء بها في منزلها، أكدت لها “أمل” بمنتهى الصراحة

-يبقى مش راجل…

سميرة: يعني إيه؟

أمل: يعني ما فيش راجل طبيعي على الأرض ما يطلبش الطلب ده…ومايلحش علشان تنفيذية له كمان.

سميرة: وإن ما طلبوش يا أمل؟!

أمل: يبقى حاجة من اتنين…إما ناقصه عضو مهم جدا في جسمه، أو متدين وخايف يخش النار…”

تعددت اللقاءات بين “سميرة” و”رمزي” وتخطت والكثير من ما كانت تحسبه حواجز مستحيلة الاجتياز.

وانعكس ذلك على ملابسها التي قصرت، وكعوب أحذيتها المبهجة التي طالت، حتى أن إعاقتها البسيطة بدأت في الاختفاء…أينعت “سميرة” ونمت…

حتى كانت القبلة الأولى…

“توقف ملتفا بكامل جسده أمام “سميرة” ليضمها بذراعيه نحو صدره، ثم ليطبق بشفتيه على شفتيها، في قبلة طويلة، مرت كالأثير عليها، لم تتمكن من المقاومة، بل أنها لم تعبأ بفكرة المقاومة من الأساس، عندما تأكد رمزي من تواهنها داخل قبلته، صعد بكفه نحو نهدها الأيمن، ليعصره بكل ما أوتي من رغبة، فأصدرت”سميرة” آهة رقراقة، لم تعرف هي ذاتها من أين صدرت، لكنها بالتأكيد أشعلت النار داخل رمزي، فشعرت”سميرة” بشئ مدبب يضغط على أسفلها، ورغم أنها لم تحدد كنه ذلك الشئ! إلا أن غريزتها أنبأتها بضرورة التراجع إلى الخلف.”

تحمل “أمل” من “عادل” يصمم “عادل” أن يتزوج “أمل”، وترفض “أمل”، فمازالت ترى أن عقد الزواج ما هو في حقيقته إلا صك عبودية توقعه المرأة باختيارها وبكامل إرادتها، لتفقد حريتها، وتنسحق ذاتها وكرامتها، مقابل نزوات الرجل وأنانيته وخيانته.

ويظهر باطن شخصية “أمل” ورغبتها خلاف ما تظهره، فهي في الحقيقة تود أن يكون “عادل” رجلها لنهاية العمر، حتى لو خانها، فلن يجد منها غير التسامح والعفو.

“لم تستطع أن ترسم سيناريو لخطوتها المقبلة، لكن ما كانت متأكدة منه أنها كانت ستجبن عن توقيع صك الزواج بعادل، رغم أنها في أعماقها تتمناه، ليكون رجلها للنهاية، حتى لو ارتكب حماقة الخيانة. هي تحبه لهذا الحد حتى أن تتغاضى عن أي حماقة قد يرتكبها في حقها (…) “

ستظل متوالية التناقض بين ظاهر مقولاتها وتصرفاتها، ورغباتها الداخلية وقناعاتها مهيمنة على شخصية “أمل” حتى نهاية القسم الثالث من الرواية، ليظل التساؤل هل كانت تتصرف بفعل قناعة أيدولوجية نسوية صارمة، أم أن تجاربها السابقة؛ ما عاشته من واقع،  وما سمعته من تاريخ مثلت عقدة نفسية، لم تستطع تجاوزها إلا بتجلي الحل العبقري في نهاية القسم الثالث؟

يظل التناقض بين القناعة الأيديولوجية، والرغبات الداخلية التي تمثل نقيضا بما نؤمن به أزمة البرجوازية الصغرى في مجتمعاتنا الفاشية بنوعيها الديني والعسكري.

“أمل” نموذج مثالي لهذه الأزمة التي يعايشها الكثير، وتظهر في صورة أمراض نفسية واجتماعية متفشية في تلك الطبقات المثقفة.

رسمت الروائية”أمنية طلعت” بمنولوجات وديلوجات الشخصية تلك الأزمة، يكفي أن تقرأ المقطع السابق، والتالي لتعاين براعة الكاتبة وتفهمها العميق لسمات بطلات روايتها.

صرخت أمل: إنت عاوز تستغلني وتلوي دراعي، كلكم واحد، كلكم خونة، عاوز تجبرني على الزواج منك علشان تسحب روحي بعد كده، بصك العبودية إللي المفروض أوقعه بكامل إرادتي…”

تخسر “أمل” الغالي”عادل” نهائيا، بقرارها إجهاض جنينها، بل ويختفي تماما من حياتها، ويغادر أرض أحلام العرب”دبي”، كسيرا مهزوما، بغير رجعة. فعادل أحب أمل بكل كيانه.

“شعر عادل بالصدمة فكيف تساوي بينه وبين أبيها وطليقها الخائن.

-من غير تفكير قررتي ترمي ابني في زبالة عيادة. ما أخذتيش وقت يا أمل قبل ما تقرري تتخلصي مني بدم بارد.

لم تستوعب “أمل” أن ما يقوله “عادل” يعني أنه سيرحل هذه المرة، ولن يعود. لم تفهم أن بإمكان الرجال أن يحبوا فعلا حتى لو كانت الحبيبة هي، وأنهم قد يصابون بجروح قلبية، تكسرهم وتحني هامتهم.

لم يكن غير الظلام الذي يسكنها، والرغبة المستميتة، والتي تسيطر عليها دائما، أن تنقذ نفسها من هلاك الذكور: اللي بينا واضح من البداية وما مفيهوش عشم.”

تجاور بطلتين بسمات شخصية متناقضة”أمل” و”سميرة” يوضح ويفسر كيف يكون الانسحاق لامرأة سلبية ك”سميرة” لا تملك قرارا، ولا تصدر عن خلفية فكرية وثقافية وحياتية ك “أمل”.

ف”سميرة” تستسلم جسديا لاستغلال “رمزي”، بالرغم من تحذيرات “أمل”.

و كمعظم الرجال الشرقيين يزهد إن نال بسهولة ما لا ينال إلا بتجاوز عقبات اجتماعية واقتصادية.

فيحاول رمزي التملص من علاقته ب”سميرة” باختلاق أكاذيب كانتهاء رخصة إقامته بدبي، واقتراضه مبالغ عجز عن سدادها ستعرضه لخطر السجن، وحينما تتقبل “سميرة” المخاطرة، وتعرض أنها ستقف بجانبه، يتملص”رمزي” بطعنها، أنه لم يعد يشعر تجاه “سميرة” بمشاعر الحب التي كان يشعر بها!

تصور الروائية حال “سميرة” البائس باقتدار، و تراجيدية تصويرية رمزية راقية.

“واستدارت ساحبة ورائها حقيبتها باتجاه باب البناية الذي بدا بعيدا جدا، حتى إنها عادت تشعر بإعاقتها من جديد، ولم تعد ترى سوى عرجاء بائسة تجرجر عجزها، مستميتة من أجل الوصول إلى باب…باب بنايتها. “

الحقيبة/العمر، البناية/الخلاص.

وبالرغم من تناقض شخصيتي “أمل” و”سميرة”، فإن هذا التناقض يبدو أيضا ظاهريا فقط؛ “أمل” بظاهر شخصيتها القوية والمسيطرة، و”سميرة” وضعف شخصيتها واستسلامها، المنتظرة دائما الحل من خارج ذاتها. إلا أن تأثير غياب الرجل/الحبيب كان ذي نتيجة واحدة على الاثنتين، الانكسار والشعور بالهزيمة المرة، والإحباط وعدم الرغبة في الحياة.

وهذا ما يؤكد عدم إيمان “أمل” بأيدلوجيتها، أو على الأقل ضعف تأثيرها على قناعاتها الداخلية، دون مقولاتها وقراراتها الخارجية التي تبدو قوية؛ رفض الزواج من عادل، إجهاض جنينها.

“عندما تصل إلى آخر الممر المظلم، وتكتشف أنه ما من طريق يمكن يؤدي إليها، ماذا ستفعل؟ هل فكر أحدكم بماذا يجيب على هذا السؤال؟ هل تطرق إلى أذهانكم من الأساس؟ كان هذا حال “أمل” و “سميرة” و”هالة” و”منال”، كل منهن وصلت إلى آخر الممر المظلم، وكل منهن اكتشفت أنه ما من طرق متاحة يؤدي إليها، وكل منهن انهارت تماما على الفراش عاجزة تماما على الفعل.”

بكت “سميرة”، وغرقت في صلاة يائسة، وقررت أن تنتحر بالتدريج حتى لا يُغْلَق في وجهها باب الفردوس الأعلى.

وصلت “أمل” إلى ذروة التمرد والثورة، فأباحت فراشها لكل رجل عابر. حتى تثبت لعادل أنها تستطيع العيش دونه، وأنه ما كان إلا آداة لمتعتها الجنسية، وأن غيره متوفر وبكثرة.

إلا أنها كانت من الحين والآخر تشتاق وتقع في حنين جارف إليه، تتمنى فقط أن تسكن في حضنه.

كل من “أمل” و”سميرة” كانتا في عالمهما المظلم البارد وانضمت إليهما كل من منال وهاله.

“ربما يكون آله هناك يحبنا فعلا، لكنه بالتأكيد يحبنا فقط دون أن يحرك ساكنا، قد تكون هذه طريقته حتى يعلمنا، أو يجعلنا ندرك حقيقتنا الشخصية…”

عادت هالة إلى حياتها الروتينية تعمل وتكدح، وترسل إلى حبيبها الغائب ورودها الحمراء، وتنتظر زواجا مستحيلا من “سني” وهي “درزية”.

وغرقت منال في عملها الإعلامي جسدا فقط بلاروح.

كان يوم عيد ميلاد”سميرة” جاءت “أمل” بكل من “منال” و”هالة” ليحتفلوا بعيد ميلاد “سميرة”، وسط ممانعة منها.

إلا أن “منال” قامت بعمل مكياج كامل ل”سميرة”، بدلها تماما فقالت لنفسها “من زمان وأنا مشوفتنيش” جملة بسيطة، ولكنها معبرة عن إرهاصات تغييرات جِذرية بشخصيتها.

كانت ليلة سعيدة لهن جميعا، فرحوا وغنوا، وشربوا الشامبانيا.

وعرفوا أن الحياة ممكنة بهن وبصداقتهن ومحبتهن.

اقترحت “أمل” بعد يأسها من إيجاد حلول فردية لها ولصديقاتها الأربع، أن يبحثن جميعهن عن حلول لمشاكلهن العويصة.

وفي جو مرح مسيطر على الجزء الثالث من الرواية، بخلاف الجزء الأخير منه، ربما لرغبة من الكاتبة لتقليل حدة التأزم التي وصلت ذروتها بنهاية القسم الثاني من الرواية، وأيضا كعرف شكسبيري معتاد، ففي عقب كل مشهد مأساوي لدى شكسبير مشهدا مرحا يلخص ما سبق من أحداث، أو يظهر تناقضات البطل التراجيدي بصورة ضاحكة كمشهد “المهرج” في “الملك لير”، أو مشهد “حفار القبور” في “ماكبث”.

تقترح “أمل” إنشاء ما يشبه منظمة أو حزب، أعضائه فقط الأربع صديقات. وأطلقت عليه” الوليات المتحدة…المرأة المفترسة سابقا.”، طبعا الوليات جمع ولية.

وبعد الاجتماع الأول الفاشل، والذي هدد بانفصام عرى المنظمة قبل أن تبدأ، دعت “هالة” لاجتماع طارئ  في منزلها على طعام  سوري من طبخها، فأرادت الأخريات التعلم، فعكفت على تعليمهن الطبخ، وتبارت كل عضوة في تعليم الأخريات ما تتقنه، مما قرب من ودهن، وقوى أواصر الأخوة والصداقة بينهن.

النتيجة الوحيدة التي خرجن بها من اجتماع القمة الناجح، غير الثرثرة وأقداح القهوة، فقد علمن قدرات “هالة” العظيمة على الطبخ، اللائي قررن أن تعلمهن “هالة” أصول المطبخ الشامي، ليقضين وقتا جميلا كل يوم جمعة مع بعضهن، يضحكن ويطبخن ويأكلن، مما غير حياتهن نحو إقبال سعيد على الحياة.

“الآن وقد مرت سنون على حكاية نسائي الجميلات، إلا أنني أؤكد أن المطبخ كان أول الخطوات للخروج من الجحيم، معا حكين، وبكين، واجتاحتهن النشوة عند تذوقهن للطعام، أثناء طهيه، على طرف ألسنتهن، وسرحن في ملكوت البخار الصاعد من القدور، وتذكرن اللحظات الحلوة، واللحظات المرة، وفصدنها مع قطرات الندى القافزة من  مسامهن، والمنتفضة على إثر حرارة الفرن(…) وعندما أصبح الطعام جاهزا، شعرن جميعا بأنهن استطعن أن يقدمن إنجازا عظيما للبشرية، بدا الحدث ضخما، ويستحق افتتاحا لائقا، ضحكن وهن يمثلن قطع شريط الافتتاح(…) أكلن وكأنهن يأكلن لأول مرة، أكلن ما صنعنه بأيديهن دون تدخلات خارجية، ضحكن دون مجاملات، ودون سحب من الأسى تعبر على الذاكرة، واستلقين على الأرائك متخمات دون شعور بالندم، ولكن برضا لم يشعرن به لأول مرة في حياتهن…”

هل الحل في التمرد، وتبني الأيديولوجية النسوية، أم الارتداد لنشاطات المرأة من طبخ وولادة وتربية أطفال؟ مع الحفاظ على قدر من الاستقلالية وعدم الإذعان لسحق الذكر.

بادرت “سميرة” لأول مرة في الرواية، مما يعد مؤشرا على بداية تغير شخصيتها، لحل أزمة نفسية من أزمات “أمل”، وكان حلها المقترح على”الوليات المتحدة” أن تذهب الجميلات الأربعة لأحد النوادي الليلية الراقية، ليمارسن الرقص مع بعضهن، فيمنع أمن النادي”سميرة” من الدخول لكونها محجبة.

فتفاجئ “سميرة” الجميع بخلعها الحجاب، ليس كرد فعل لمنعها من دخول النادي الليلي بالطبع، ولكن كنتيجة تراكم الخبرات التي مرت بسميرة، وذروة لتطور شخصيتها نحو الإيجابية والمبادرة، وما يمثله الحجاب من رمز للانسحاق الأنثوي والتعالي الذكوري الغير مبرر، وأخيرا للتأثير الإيجابي لمنظمة “الوليات المتحدة”.

“انقلاب “سميرة” على غطاء رأسها لم يكن الأعنف، بين الانقلابات التي تتابعت في الأيام القادمة، فمن حيث لا زمان ولا مكان انبثقت أفعال مدوية بين الفتيات. حقيقة لا أدري كيف حدث ذلك ولماذا؟ ربما كان للأنشطة التي مارسنها معا فعل السحر عليهن جميعا…”

وبإحدى الرقصات العنيفة تقرر كل عضوة قرارا تهمس به في أذن الأخرى…

“هالة” ستقبل زواج شاب درزي من طائفتها.

“منال” ستغادر أسرتها، وتعيش منفردة.

“أمل” ستقوم بإجازة لزيارة ابنها وأمها بالقاهرة…

وفي لقاء التعارف بين “خالد” خطيب “هالة” بأحد النوادي، تقابل “سميرة” “ممدوح” والذي يهيم ب”سميرة” الجديدة هياما حقيقيا، يعبر به ل”سميرة” الغير مصدقة أذنها.

أمل تخوض معركة شديدة مع أمها لاسترداد ولاء ابنها لها كأم حقيقية، فتمكث شهرا كاملا مع ابنها، يشعر بها كأم، وتستيقظ مشاعر الأمومة بقلب” أمل”، وحينما تفشل بالتفاوض مع طليقها للحصول على موافقته لسفر ابنها معها، تقرر”أمل” إنهاء عقد عملها، والعودة النهائية لمصر، والبحث عن “عادل” للاعتذار له.

“منال” تنفصل عن زوجها وابنتها، وتسكن أحد الفنادق الراقية، تزداد تألقا، وتقل حدة تأزمها، وفي لقاء مع أبيها يعتذر لها باكيا عن كل ما حدث لمنال من تجاهل وإهمال واستبداد أسري، ويرجوها أن لا تكرر قصتها مع ابنتها.

تتقبل”منال” ابنتها، وتستيقظ مشاعرها تجاهها.

وحدها “هالة” لا تصدق أنها ستزف لآخر غير حبيبها “أحمد”، لتسقط ميتة بمشهد مأساوي ليلة زفافها وسط بكاء صديقاتها و”خالد” و”ممدوح”.

تعددت المشاهد والتعبيرات الإيروتيكية بالرواية، مما ساهم في  رسم صور معبرة شهية عن العلاقة بين الرجل والمرأة في تبادلية ندية، قائمة على التبادل النفعي، بدون تميز جندري للرجل، في تجاوز لعقدة التفوق “القضيبي” من جهة، والنقص الأنثوي من جهة أخرى من وجهة نظر التحليل النفسي الفرويدي.

بل وإثبات التفوق الأنثوي في العلاقة الأزلية، واعتبار دور “الذكر” مجرد آداة للإشباع الأنثوي فقط دون تميز متوهم ما، ساهمت في تكوينه الممارسات الذكورية المتعالية، والظانة بالتفوق لمجرد امتلاك آلة، غير موجودة لدى الأنثى، ولماذا كان هذا التملك لتلك الآلة دليل تفوق وكمال؟! فإذا امتلك الذكر لآلته، فهل تملك كل شئ أم هو مازال ناقصا في حاجة مستمرة هو الآخر للنصف الآخر الذي تمتلكه الأنثى؟

فالمشاهد الإيروتيكية مشاهد موظفة تحمل دلالاتها، وتقوم بوظيفتها التعبيرية على أكمل وجه.

ولماذا ينظر للأدب الإيروتيكي عامة والنسوي منه خاصة على أنه أدب من الدرجة الثالثة؟ فبنظرة تاريخية لهذا النوع من الأدب يتبين أن منشأة كان عربيا، فامرؤ القيس الشاعر الجاهلي كان شاعرا إيروتيكيا من الدرجة الأولى، وسار على نهجه الكثير من بعده، ومن المؤكد سبق الكثير له من الشعراء الجاهليين، ولكنه أول من وقع شعره المعبر بكثافة عن تلك الوجهة قبل غيره، أمثال “الفرزدق” بالعهد الأموي، “وأبو نواس” بالشعر العباسي. بالإضافة لكتابات الأئمة المسلمين”كطوق الحمامة” لابن حزم “نواضر الأيك” لجلال الدين السيوطي، “الروض العاطر” لمحمد النفراوي وغيرها من المصنفات والكتب، وهل سبق اليونان العرب لكون الميثولوجيا اليونانية تغص بالمشاهد الايروتيكية؟

كان القصد من هذا العرض التاريخي الموجز لهذا النوع من الأدب، أن الأدب الإيروتيكي من الآداب الأصيلة والتي تناولها الكثير من عظماء الكتابة، والأدب العربي والغربي على مر العصور، حتى ولو كان أدبا إيروتيكيا صرفا بدون توظيف درامي ما.

اعتمدت رواية “نسائي الجميلات” الحكي عن طريق “الراوية” ليس الراوية العليمة، ولكنها الراوية التي تظهر في الرواية كبطلة من البطلات، أو كجانب ما من شخصية إحداهن وهي في الغالب”أمل”، تشاهد الأحداث بحيادية تامة، وإن عبرت في غير موضع على أنها تقوم بدور الإله المدبر للأحداث، والحلول.

إذا ف”ياء” النسب في “نسائي الجميلات” منسوبة لتلك الراوية التي استحدثتها “أمنية طلعت” لأول مرة، على حد علمي، في الرواية العربية.

“نسائي الجميلات” صدرت عن دار”روافد” عام 2013. للأديبة والروائية “أمنية طلعت”، سبقتها روايات “مذكرات دونا كيشوتا” 2004 عن المجلس الأعلى للثقافة المصري، “طعم الايام” 2009، عن دار”الدار”، ومجموعة قصصية بعنوان “طبيخ الوحدة”، حصلت “أمنية طلعت” على جائزة التفوق الصحفي الأولى من نقابة الصحفيين، وتميزت بمقالاتها القوية والجريئة بمواضيع المرأة والحقوق المدنية والعقائدية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات من نفس القسم