مراجعات في فكر أوغسطين

أوغسطين
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مصعب قاسم عزاوي

كان أوغسطينوس والذي عرف أيضاً باسمه اللاتيني المختصر أوغسطين فيلسوفاً مسيحياً عاش في خواتيم القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلادي بين العامين 354-430 م في مناطق تابعة للإمبراطورية الرومانية في روما في بلدة هيبو شمال إفريقيا (عنابة الحالية في الجزائر). وشغل أوغسطين منصب أسقف لأكثر من ثلاثين عاماً في بلدته، حيث أثبت شعبيته بين الناس وقدم إرشادات ملهمة لجماعته غير المتعلمة والفقيرة إلى حد كبير. في أيامه الأخيرة، أحرقت قبيلة جرمانية قدمت عن طريق البحر المتوسط تُعرف باسم “الفاندال” بلدة هيبو عن بكرة أبيها، ودمرت الأخضر واليابس فيها، واسترقت شابات البلدة، لكنها تركت كاتدرائية ومكتبة أوغسطين على حالها بالكامل احتراماً لإنجازات الفيلسوف المسن.

وهذا الفيلسوف يهم المسيحيين وغير المسيحيين اليوم على حد سواء بسبب ما انتقده بشأن روما وقيمها وأهدافها وسياساتها وأفكارها، خاصة وأن روما السالفة لديها الكثير من الأشياء المشتركة مع الغرب الحديث، ولا سيما الولايات المتحدة، التي تبجل تلك الإمبراطورية الآفلة بشكل متأصل في الآلية التي قام بها الآباء المؤسسون في الولايات المتحدة بتفصيل دستور الولايات المتحدة كما لو أنه استعادة منمقة عن نهج وهيكل الإمبراطورية الرومانية.

ولقد آمن الرومان بأمرين على وجه الخصوص:

  1. السعادة الدنيوية

كان لدى الرومان إيمان عميق بقدرة البشر على التفوق، وفي قدرتهم على التحكم في الطبيعة والتخطيط لسعادتهم ورضاهم. ولقد كان الرومان ممارسين متحمسين لما نسميه في الوقت الحاضر بالتنمية البشرية، عبر تدريب جماهيرهم لتحقيق المزيد من النجاح والفعالية. في عيونهم، كان الحيوان البشري منفتحاً بشكل سام للكمال.

  1. نظام اجتماعي عادل

لفترات طويلة، كان الرومان يثقون في أن مجتمعهم يتميز بالعدالة: جستيتيا. وعلى الرغم من أن الموروث كان عاملاً رئيسياً، إلا إنهم اعتقدوا أيضاً أن الأشخاص أصحاب الطموح والذكاء يمكن أن ينجحوا. وكان الجيش موثوقاً به ليكون نظاماً معتمداً على الكفاءة والجدارة والعطاء الفردي. والقدرة على كسب المال تعكس كلاً من القدرة العملية وكذلك درجة من الفضيلة الداخلية. لذلك، كان يُنظر إلى التباهي بثروة المرء على أنه أمر محترم وموضوع فخر طبيعي، ومصدر شهرة للأثرياء، الذين لا بد للآخرين من الاقتداء بهم.

ومع هذين الموقفين على وجه الخصوص، اختلف أوغسطين بشراسة فلسفية منقطعة النظير. ففي تحفته الفكرية “مدينة الرب”، قام بتشريح كل موقف بدوره بطرق لا تزال تثبت صوابها لأي شخص قد يحمل شكوكاً خاصة بشأنهما، حتى لو كانت حلول أوغسطين المقترحة، المستمدة من اللاهوت المسيحي، لن تروق كثيراً إلا للمؤمنين. وقد سارت ردود أوغسطين على مثل هذا النسق:

  1. إننا جميعاً شهوانيون وضالون وقساة وزائغون ومنحرفون مخدوعون بلا فرصة دنيويّة للسعادة

كان أوغسطين هو من ابتكر فكرة “الخطيئة الأصلية”. لقد ارتأى أن جميع البشر – وليس فقط هذا أو ذاك المثال المؤسف – قد أصبحوا معْوجّين، لأننا جميعاً ورثة عن غير قصد لآثام آدم. إن طبيعتنا الخاطئة تؤدي إلى ما أسماه أوغسطين بـ “الهيمنة الجنسية” – الرغبة في الهيمنة – وهو ما يتضح من الطريقة الوحشية وضيقة الأفق والقاسية التي نتعامل بها مع الآخرين والعالم من حولنا. لا يمكننا أن نحب بشكل صحيح، لأننا باستمرار تقوضنا الأنانية وكبرياؤنا الفارغ. إن قدراتنا في التفكير والتفاهم هشة في أقصى الحدود. إن الشهوة – مصدر اهتمام خاص لأوغسطين، الذي قضى الكثير من شبابه في تخيل النساء في الكنيسة – تطارد أيامنا وليالينا. لقد خلُص أوغسطين في هجومه إلى توبيخ كل هؤلاء الفلاسفة “الذين رغبوا بحماقة مدهشة أن يكونوا سعداء هنا على الأرض وأن يصلوا إلى النعيم بجهودهم الخاصة”.

قد يبدو الأمر محبطاً، ولكن قد يتضح أن الأمر يمثل راحة معرفية عندما يتم إخبارنا إن حياتنا لا تتقهقر بالصدفة، بل بحكم التعريف، ولأننا بشر، ولأنه لا يمكن لأي إنسان أن يصبح مستقيماً تماماً إذ أن الكمال هو حق حصري إلهي. إننا مخلوقات قُدَّر لها أن تحمل حدساً تجاه الفضيلة والمحبة، بينما لا يمكننا أبداً الالتزام بها كلياً في سلوكنا وحياتنا. إن علاقاتنا، ومهننا، وبلداننا ليست بالضرورة كما نريد، وذلك ليس نتيجة لما قمنا به، بينما الحقيقة أنه قد تم تكديس المفاعيل السلبية وأخطاء من مروا قبلنا لتفصح عن نفسها في حيواتنا اليومية، والتي لا بد أن تفاقمها أخطاؤنا التي نقوم بها بأنفسنا أيضاً.

إن التشاؤم الأوغسطيني يقتطع بعض الضغط الذي قد نشعر به، عندما نتفق ببطء مع الطبيعة غير الكاملة لكل ما نقوم به وما نكون عليه. لا ينبغي علينا أن نشعر بالغضب أو نشعر بأننا تعرضنا للاضطهاد أو التمييز بسبب الحال البائس غير المبرر الذي نحن فيه. إنها ببساطة الحالة الإنسانية، وإرث ما قد نطلق عليه أيضاً – حتى لو لم نكن نؤمن بلاهوت أوغسطين – “الخطيئة الأصلية”.

  1. جميع التسلسلات الهرمية غير عادلة. فليس هناك عدالة اجتماعية، فمن هم في القمة ليسوا جميعاً جيدون، وأولئك الذين في القاع الاجتماعي ليسوا سيئين بطبيعتهم، والعكس صحيح

اعتقد الرومان – في أكثر لحظاتهم طموحاً – أنهم يديرون مجتمعاً به بعض الميزات الجديرة بالثقة بقوة. تميل العائلة إلى التأثير على فرص أبنائها، المهنية، لكن لا يمكنك الاقتراب من القمة فحسب بسبب هذا؛ عليك أن تعتمد على فضائل وقدرات حقيقية. فقبل كل شيء، رأوا عظمة الدولة الرومانية كعلامة على المزايا الجماعية للسكان الرومانيين. فلقد حكم الرومان أجزاء كبيرة من الأرض لأنهم استحقوا ذلك. وكانت الإمبراطورية هي المكافأة على فضيلتها. إنها وجهة نظر مغرية بشكل كبير اليوم لمن هم داخل الشركات أو الدول الناجحة ليروا ازدهارهم الكبير وقوتهم كمكافآت عادلة للجدارة.

 يا لها من ادعاءات متغطرسة، ومتباهية، وقاسية، أجاب أوغسطين في كل حنايا فلسفته. لم يكن هناك أبداً ولا يمكن أن يكون هناك أي جستيتيا [عدالة] على الإطلاق في روما أو في أي مكان آخر على وجه الأرض. إن الإله لم يمنح الناس الطيبين الثروة والسلطة، كما أن فقر الفقراء ليس لعلة فيهم أخلاقية أو سلوكية حياتية. لقد كان النظام الاجتماعي غير منصف ومختلطاً بشكل كامل بين الجديرين وغير الجديرين.  وعلاوة على ذلك، فإن أي محاولة من قبل البشر للحكم على من كان شخصاً جيداً ومن كان شخصاً سيئاً يعدّ خطيئة جسيمة، وهي محاولة لتملك مهمة لا يمكن إلا للإله أن يقوم بها، في نهاية الزمن فحسب، في يوم القيامة، على صوت الأبواق وكتائب الملائكة.

لقد ميَّز أوغسطين بين ما أسماه المدينتين: مدينة البشر ومدينة الإله. وكانت هذه الأخيرة مثالية، وهي جنة سماوية، حيث يهيمن فيها الخير في النهاية، وحيث ستتحالف السلطة بشكل صحيح مع العدالة وحيث تسود الفضيلة. لكن البشر لم يتمكنوا أبداً من بناء مثل هذه المدينة، ويجب ألا يصدقوا أبداً أنهم قادرون على القيام بذلك. لقد حُكم عليهم بالسكن فقط في مدينة البشر أو المدينة الدنيوية، التي كانت مجتمعاً معيباً على نطاق واسع، حيث لا يمكن للمال تتبع الفضيلة بدقة. وفي صياغة أوغسطين: “العدالة الحقيقية لا وجود لها إلا في تلك الجمهورية التي مؤسسها وحاكمها هو الرب”. أي أن التوزيع العادل بالكامل للمكافأة ليس شيئاً يمكننا أو يجب علينا أن نتوقعه في الحياة الدنيا.

ومرة أخرى، قد تبدو النظرة قاتمة، لكنها تجعل فلسفة أوغسطين سخية للغاية تجاه الفشل والفقر والهزيمة حينما يتعلق بنا أو بالآخرين. وعلى عكس ما قد يدعي الرومان، فإن الفشل الدنيوي ليس مؤشراً على كونك شخصاً سيئاً بطبيعته، تماماً مثل الانتصار فإنه لا يعني شيئاً عميقاً أيضاً. ليس للبشر أن يحكموا على بعضهم البعض من خلال علامات النجاح الظاهرية. وفي هذا التحليل يتجلى الافتقار إلى الأخلاق والفظاظة والإنصاف السائد في تقييم البشر لبعضهم. إنه من واجبنا أن نكون متشككين دائماً في أسباب ومعاني ومدلولات قوة الأقوياء الأثرياء وأسباب ومعاني ومدلولات ضعف الفقراء المستضعفين كما تظهر للناظر غير المدقق، والتي لا بد أن تكون حقيقتها وأسبابها مضمرة ومواربة ولا تشبه ظاهرها.

إننا لسنا بحاجة إلى أن نكون مسيحيين لنرتاح بشأن طروحات أوغسطين. إنها من هدايا الفكر الديني العالمية للفلسفة السياسية وعلم النفس الإنساني. إنهما يقفان كتذكير دائم على بعض المخاطر والقسوة واللاموضوعية عند للاعتقاد بأن الحياة يمكن أن تكون مثالية أو أن الفقر والضعف مؤشران موثوقان على التكاسل والانحطاط والاقتراب من الرذيلة، أو أن الغنى والثروة والنجاح في الحياة هي مؤشرات لا خطل فيها عن الالتزام بالفضيلة والكفاءة والجدارة والاستحقاق المتجرد عن أي اعتبارات أخرى.

…………..

*تعريب فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع لملخص محاضرة قدمها مصعب قاسم عزاوي باللغة الإنجليزية في مركز دار الأكاديمية الثقافي في لندن.

 

 

مقالات من نفس القسم