نص في النقد الانطباعي؛ رواية “طبيب أرياف”

طبيب أرياف
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الهادي المهادي

شهور طويلة لم أقرأ فيها أية رواية، واليوم ـ الجمعة 2 أبريل 2021 ـ انتهيتُ من “طبيب أرياف” للأديب المصري المبدع محمد المنسي قنديل، صاحب الروايات المفيدة والممتعة؛ موضوعا ولغة وأسلوبا. وكنتُ قد قرأتُ له بعضها، وأُعجبتُ أكثر بتحفته الموسومة بـ”قمر على سمرقند”. قرأتها، تقريبا، بنفَس واحد، وقد نقلتني ـ بالفعل ـ إلى عوالم تلك المدينة الساحرة التي أنا مُغرَم بها وبقبابها وأضرحتها، وبلونها الأزرق النّيليّ. أما “طبيب أرياف” فقد قرأتها ـ على غير عادتي ـ مقسمة على أيام تجاوزت الأسبوعين، دون أن أفقد ارتباطي النفسي بها ولا إحساسي بجمالياتها. كنتُ غارقا بين نصوص كراماتية، حيث أضع اللمسات الأخيرة على كتاب سمّيته “مجتمع الكرامات“.

الرواية تنبئ عن كاتبٍ مناضل؛ فهو يبدو ـ من خلالها ـ مسكونا بإبداء وجهة نظره حول عدد من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية التي تختلج بلده ومجتمعه. وهو يفعل ذلك بأدبية عالية بعيدا عن المُباشَرَة الفجّة:

أ ـ يلامس ظاهرة الاعتقال السياسي، وما يلاقيه المعتقل في سجون السلطة من عذاب وإهانات وحرمان، يجعله يعيش ما تبقى من حياته في رهاب دائم من العودة إلى ذلك الدهليز.

ب ـ ينتقد شكلية الانتخابات الرئاسية في بلده ـ وفي الوطن العربي برمّته ـ وما يرافقها من دعائية مَمْجوجة، وما يستتبعها من خلود الرئيس في الحكم، الذي لا يزيحه سوى الموت.

ج ـ وصف لمعاناة فئة عريضة من الشعب، خاصة في البوادي، وبحثهم الدائم عن إمكانيات خارج الوطن، دون خوفهم من المخاطر التي يعرفون أنها ستواجههم في الطريق، شعارهم في ذلك: نكون أو لا نكون.

د ـ تفكيك تغوّل السلطة في البوادي، مستغلة ضعف وعي الفلاحين، وجهلهم، وفقرهم، ومرضهم.

هـ ـ التضامن مع الغَجر ومعاناتهم الأبدية، ودعوة إنسانية لتفهّم تاريخهم وثقافتهم، ومنحهم فرصة للاندماج في مجتمعاتهم.

و ـ رفض ظاهرة فرض الزواج على الفتاة ـ خاصة في البوادي ـ بشخص دون أخذ رأيها في القضية برمّتها، والتنبيه إلى أن العواقب في كثير من المرات تكون مأساوية على الجميع: التفكير في بديل، البحث عن السعادة مع شخص آخر غير الزوج، الخيانة الزوجية.

وهذا يذكّرني أيضا برواية “جميلةلجنكيز أيتماتوف، الفرق أن هذا الأخير صور ذلك بـ”احتشامية” عالية، دون التوقف عند اللحظة الجنسية، بينما منحها المنسي قنديل صفحات معتبرة، وصف فيها الحالة النفسية والشعورية لمُتحابّين خارج شِرعية الزواج، بل وتوقف طويلا عند “لحظة الخطيئة” بنوع من التفصيل. وقد تمكّن ـ في الحقيقة ـ أن يتناولها باحترافية مقبولة، دون أن يحسّ القارئ بأنه أقحمها إقحاما، طمعا في جلب رضا شريحة معينة من القراء.

لقد ناقش الطابو الجنسي بالتوازي مع الطابو السياسي، وليس كما يفعل البعض حينما يتجرأ على إضاءة الجانب غير المُكلّف على حضوره وحظوته !

من الأمور الكثيرة التي استمتعتُ بها أثناء مصاحبتي لهذه الرواية؛ تلك الصفحات التي توقّف فيها لوصف الصحراء وهيبتها وجبروتها. تذكرني تلك الإشراقات بما كتبه محمد أسد في “الطريق إلى مكة“، فالتشابك هنا لا تخطئه العين، إن لم نقل النّسجَ على المنوال.

أضف إلى ذلك ذكاء الروائي حينما ترك مسالك كثيرة دون “إغلاق”؛ حيث يجد القارئ نفسه ـ بدون وعي منه ـ يعمل على لملمة خيوط ونسجها على هواه.

 

مقالات من نفس القسم