حمّى النشر!

حمّى النشر!
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حسن شوتام

"صرخة الأبرياء في دائرة الاحتضار" كان عنوان النص الأول الذي أرسلته لإحدى الصحف الأسبوعية المغربية أوائل تسعينيات القرن الماضي وأنا بعد تلميذ في الأولى ثانوي. ألهمتني الفكرة طالبة جامعية أصيلة الانتماء والولاء للفصيل القاعدي الماركسي. كانت وقتها تتحدّث بحماسة شديدة عن مقالها الذي نجح في اعتلاء منبر الصحيفة الحرّ وإفحام الخصوم -أعداء الشعب- ببراهين قاطعة وأدلّة موثّقة حول ما تُقاسيه الطبقة الكادحة من ممتهني التهريب المعيشي بـ"باب سبتة، باب المصائب"؛ وكان هذا عنوان مقالها المنشور آنذاك. كانت هذه الطالبة تجمع -إلى حماسها وجدّيّتها- قدرة رائعة على الاستمتاع بالحياة. ولعلّ ذلك ما جعلني إبّانها أتوق إلى اكتشاف سرّ الجمال الذي تحلّت به فجأة فيما كانت تطري مادّتها الصحفية. طالتني وتمكّنت مني "حمّى النشر" حدّ إلزامي مائدة الطعام الوحيدة التي في حوزتنا والتي تحمّلت شتى ضروب الامتهان والاستعمال أشرفها الكتابة.

حسن شوتام

“صرخة الأبرياء في دائرة الاحتضار” كان عنوان النص الأول الذي أرسلته لإحدى الصحف الأسبوعية المغربية أوائل تسعينيات القرن الماضي وأنا بعد تلميذ في الأولى ثانوي. ألهمتني الفكرة طالبة جامعية أصيلة الانتماء والولاء للفصيل القاعدي الماركسي. كانت وقتها تتحدّث بحماسة شديدة عن مقالها الذي نجح في اعتلاء منبر الصحيفة الحرّ وإفحام الخصوم -أعداء الشعب- ببراهين قاطعة وأدلّة موثّقة حول ما تُقاسيه الطبقة الكادحة من ممتهني التهريب المعيشي بـ”باب سبتة، باب المصائب”؛ وكان هذا عنوان مقالها المنشور آنذاك. كانت هذه الطالبة تجمع -إلى حماسها وجدّيّتها- قدرة رائعة على الاستمتاع بالحياة. ولعلّ ذلك ما جعلني إبّانها أتوق إلى اكتشاف سرّ الجمال الذي تحلّت به فجأة فيما كانت تطري مادّتها الصحفية. طالتني وتمكّنت مني “حمّى النشر” حدّ إلزامي مائدة الطعام الوحيدة التي في حوزتنا والتي تحمّلت شتى ضروب الامتهان والاستعمال أشرفها الكتابة.

حشدت لهذه المهمة جميع إمكاناتي اللغوية والوجدانية أمّا المعرفية فلم تكن مانعة لانطلاقي في رحيب الآفاق؛ إذ اخترت التعبير بلغة شعرية مكثفة عن آلام المقهورين والمستضعفين في العالم.  كان في داخلي ما يكفي من الحزن والغضب لتكويم الحروف والكلمات واستخدام موهبتي نِشارة لإضرام المعنى. كان حاصل هذا الاحتراق الكامل خاطرة “صرخة الأبرياء في دائرة الاحتضار”.

وبدأت حمّى الترقب… يوم من الأسبوع أنتظره بين واثق من النجاح ومتحيّر في إطلاق عنان الأمل. أردت فقط علامة تؤكد وجودي في رحم الكتابة؛ ليس أكثر! كنت أقف عند عتبة الدكان الصغير والمدهش بفوضاه الجميلة؛ عيناي على رزمة الجرائد أنتظر تنضيدها التراتبي المائل بين مشابك الدعامة الحديدية. فلا يكاد الكتبي/البقال ينتهي من هذه العملية حتى أكون قد اختطفت من بين يديه “حاملة اسمي الواعد” ونفحته الدراهم ثم أوغلت في انعزالي كما سالف المرات لأشهد وأعاين مجد تلك اللحظة. وبذات الارتعاش والصمت والترقب، أفتح الجريدة، أقلب أوراقها، آخذ نفسا أخيرا قبل أن أرتقي مدارج “المنبر الحر”… وهناك، عن يسار الصفحة، وجدتني أخيرا رازحا تحت وطأة خاطرتي بعنوانها الرمادي البارز… وكنت سعيدا بثقل ذلك النّير كما المسيح في طريق الجلجثة تحت عود الصليب.

جعلتني هذه التجربة أقطع بأن “لذة النشر” كانت وراء ذلك الإشراق الذي تسربلت به الطالبة فجأة فيما كانت تطري مادتها المنشورة. ليلة الحدث الكبير عينها عاودتني “حمى النشر” ففزعت إلى صفحة بيضاء أبثّها شيئا يمكن نشره… في دقائق كان النص جاهزا! ابتسمت ابتسامة النّشوان دون أن أعي أن ما كتبته كان في الحقيقة محض هذيان!

وما أسرع ما جاء الردّ، بليغا مُثبتا في زاوية “بريد القراء”: مساهمتك الثانية غير صالحة للنشر وننتظر منك الجديد.

طويت الجريدة صبيحة ذلك اليوم وابتسمت ابتسامة رضى وقد زايلتني تماما “حمّى النشر“!

…………..

*قاص ومسرحي من المغرب

مقالات من نفس القسم