مألوفية الغرابة في “لعنة ميت رهينة”

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

رضا عطية

تؤسس الكاتبة المصرية سهير المصادفة في روايتها الخامسة "لعنة ميت رهينة" فضاءً سرديًّا خصبًا يرسم عالمًا موحشًا يستبد الفناء بشخوصه ويلاحقهم الموت ويحجبهم الغياب المفاجئ عن ناسهم ومكانهم، لتُشكِّل عوالم حافلة بالدهشة، وتنشئ أفضية باذخة الغرابة وبالغة التعقيد في عالم ملؤه القسوة وواقع يسوده الفقد والغياب وحياة تضج بالعوز والبؤس والشقاء،

 فيأتي سرد سهير المصادفة في “لعنة ميت رهينة” متدثرًا بلغة شعرية تبدو على مقاس الحكاية، دونما تكلف أو انفلات لزمام اللغة الشعرية أي دون “شعرنة اللغة. فينبض السرد لدى المصادفة بحس شعري واقتدار لغوي يستطيع تشعير الحكاية نشدانًا إلى تحقيق “مجازية” القص بما يجعل الحكاية نفسها، في طبقة أعمق ومستوى غائر للدلالة، كـ”استعارة كبرى موازية” للقصة المسرودة عبر السرد الروائي المشمول بظهير ممتدد وفضاء مترامي المدى من المآلات والدلالات المجازية.

في “لعنة ميت رهينة” تتسع عوالم السرد وتتشجر حكاياته لتستحيل متاهة سردية يجمع ما بين حكاياتها خيط الفقد والغياب وقلق الذوات الوجودي واستبداد شعور الحيرة بهم إزاء مصائرهم بعد معاينتهم غيابات الكثيرين من أهل ميت رهينة في ظروف غامضة، فمتاهة السرد في لعنة ميت رهينة توازي المتاهة الوجودية التي تستغرق الذوات.

ملاحقة التحولات

تنبع الحكاية الرئيسية من لقاء أدهم الشواف الثري والشاعر السعودي بعبد الجبار أيوب أحد شباب ميت رهينة الذي يتكسب قوته الذي كان لا يجاوز حد الكفاف عشرة قروش في اليوم في العام 1975 من الكدية حتى يقتنص منه حبيبته “هاجر” ابنة “لطفي” مرجيحة ويتزوجها بعد أن يشيد لها قصرًا  ثم ما يلبث عبد الجبار نفسه أن يركب قطار الثراء الفاحش والمفاجئ لاغتنامه بانتهازية ودهاء فرصة الانفتاح الاقتصادي في العهد الساداتي.

في “لعنة ميت رهينة”، كما هو في كتابة سهير المصادفة عمومًا، ثمة تشابك في خيوط السرد بين الشخصي والعام والذاتي والموضوعي والحكائي بالإيديولوجي دونما انزلاق لمنجرف الخطابية أو وقوع في شرك الإنشائية المباشرة، فيأتي الإيديولوجي متوافقًا مع التكوين الكلي للبناء السردي ذلك حين يكون السياسي مسؤولاً بشكل مباشر أو غير مباشر عن مصائر الشخوص والتحولات التي تطرأ على مسار حيواتهم، ففي “لعنة ميت رهينة” يبدو حادث الانفتاح الاقتصادي حادثًا محوريًّا كان له أثر واضح في تبدُّل أنماط حياة الشخوص، فثمة عناية واضحة لدى سهير المصادفة بالتقاط التغيرات السسيوثقافية والتحولات التمفصلية الكبرى في البناء الاجتماعي التي يكون لها الأثر الواضح في تغيير مجرى حياة الشخوص وإعادة تشكيل الوعي الجمعي للذوات.

ديالكتيكية المكان ولعنته

 في لعنة ميت رهينة، كما في كتابة سهير المصادفة، سنجد أنّ ثمة عناية خاصة من الكاتبة برسم المكان فضاء السرد ومسرح أحداثه؛ فيستحيل المكان نفسه ذاتًا ثقافية نظرًا لما توليه المصادفة المكان من اهتمام واعٍ بأن تبرز ملامحه السيسوثقافية ما يجعل له شخصية حية وكينونة هوياتية تشكلت من تفاعل أناس المكان بأشيائه، فيتشكل المكان في “لعنة ميت رهينة” من جماع مكونات مادية وروحية بالغة التناقض حيث يقترن الفقر الآني الغالب على المكان بالثراء الروحي المتمثِّل في قيمته التاريخية وما يحويه المكان من كنوز روحية غائرة في جوفه ومقابر آثرية تبقى مطمعًا دائمًا وحلمًا يراود أهل المكان ويدغدغ وجداناتهم بآمال الثراء الفاحش والغنى المباغت غير عابئين بأنّ في ذلك إهدارًا للرأسمال الرمزي والرصيد الروحي الحضاري للوطن، كما يبدو المكان جامعًا لشخوص شديدي التفاوت في الحالة الاجتماعية والحظ من الثروة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع ما يمنح المكان هوية ديالكتيكية مرتكزة على ما يحويه من تناقضات حادة وسمات ضدية. فيقول الصوت السارد في مفتتح الرواية عن المكان، قرية “ميت رهينة”:

الداخل إلى ميت رهينة سائرًا على قدميه، سيجد تقاطعَ طُرق، فيهزُّ رأسه حائرًا، وإذا ما قرر الانحراف يمينًا بزاوية حادة، فسيقف- لا محالة- شعر رأسه وتنغرس قدماه في الأرض رافضة مواصلة السير بعد أن يجتاز كيلو مترًا واحدًا من الطريق الترابي الرئيس؛ ستكون عيناه قد شخصتا من مداعبة النسيم العليل للنخيل العالي الذي سيبدو بلا نهاية، ومن أبراج الحمام، ومن المآذن وهي تخترق السحب الرمادية والسوداء القريبة، ومن القباب الباهتة بنوافذها الصغيرة المتصدعة، ومن نسوة يحملنَ على رءوسهنَّ أكياس القمامة أو دِلاء المياه المتسخة ليلقينها في ساحة معبد “بتاح”!(

يرسم السرد فضاءً مكانيًّا للحكاية ينبني على تجاور الأضداد وتشابك المتناقضات؛ حيث يمتزج النسيم العليل بالقباب الباهتة والقمامة بالآثار، فكتابة سهير المصادفة الروائية مثلما يتبدى في هذا النص كما في غيره من نصوصها الروائية السابقة إنّما هي معنية بالهامش الاجتماعي وسكانه ابتداء من سكان حوض الجاموس في روايتها الأولى لهو الأبالسة وصولاً لسكان ميت رهينة القابعين في قاع المجتمع والرازحين تحت نير الفقر والواقعين تحت مقصلة التهميش نهبًا للعوز وفريسة للفقر. كما تعني الصياغة الفنية، لدى سهير المصادفة، بالتقاط “جماليات القبح”، بمفهوم إمبرتو إيكو عبر تشعير السرد بجعلها للقبح خصوصية فنية ودورًا دراميًّا فاعلاً في مجاورته للجمال أو اكتنافه له.

تستعمل المصادفة في هذا المقطع وبأغلب المقاطع الاستهلالية لفصول الرواية سردًا استباقيّأ باستخدام المضارع المسبوق بسين تسوفية لا سيما في وصف مشاهد المكان، “ميت رهينة”، وتفاعل الناس معه وانفعالهم به، وبقدر ما يعكس هذا السرد الاستباقي حدسًا توقعيًّا بقدر ما هو يعمل- كلوحة فنية- على تثبيت الزمن تأكيدًا على مكرورية الأحداث متماسًا مع الفن التشكيلي في العمل على تثبيت اللحظة في اللوحة.

هذا ويتبطن السرد، عند سهير المصادفة، أحيانًا، كما في هذا المقطع بروح سخرية كما في استئناف المقطع السابق في وصف ما سيلاقيه الغريب الداخل “ميت رهينة”:

ستجري خلفه أنصاف حلقات من الكلاب الضالة تنبح في شراسة، فقط لكسر مللها، ولكنها لن تؤذيه ولن تنهش جسده فهي متخمة بالطبع من أكوام القمامة التي لا يرفعها أحدٌ عن الطرقات.

تحت جلد هذا التهكم يسكن حزن دفين وألم كامن وإحساس بالمرارة، فيتلاقح، في سرد سهير المصادفة، الحس الملهاوي مع الحس المأساوي في قِران ديكالتيكي يُكرِّس لدرامية البناء السردي. وعمومًا يلوح، من آنٍ لآخر، هذا الحس التهكمي غير الزاعق على امتداد السرد في “لعنة ميت رهينة”:

شوارع ميت رهينة ملتفة بعضها حول البعض مثل حياتٍ هائلة الحجم. أزقتها ضيقة ومتربة. أحيانًا يرى الغريب بيتًا قرر صاحبه أن يبنيه هكذا حتى يقطع طريق المارة ويجعلهم يدورون حول أنفسهم قبل أن يصلوا إلى المكان الذي يريدون الوصول إليه.

لو أن الشيطان نفسه قرر أن يبني بيتًا لنفسه لما اختار مكانًا أنسب من هذه الأماكن. يسير الغريب متلفتًا حوله، فهو لا يعرف من أية جهة سيقفز فوق رأسه ما لا يعرف من مخلوقات الله. عربات الكارو التي تحمل الخضروات تئز عجلاتها، وتنهق الحمير التي تجرها، ويصرخ الرجال الذين يسوقونها بما لا يتبينه الناس.

يبدو المكان في ميت رهينة كـ”جيتو” منغلق على نفسه رغم أنّه مفتوح للوافدين ومتاح للزائرين، إلا أنّ للمكان شفراته الخاصة التي لا يعرفها إلا أهله، كما يتبدى المكان في طبوغرافيته المحدِثة كتمظهر سيكوجغرافي للذوات التي تقطنه، ليبدو هذا المكان منطبعًا بنقمة أهله وعرامة غضبهم وعنفوان مقتهم ودهاء مرواغتهم.

وكما يتبدى فإنَّ المكان في طبوغرافيته المحدِثة كتمظهر سيكوجغرافي للذوات التي تقطنه، ليبدو هذا المكان منطبعًا بنقمة أهله وعرامة غضبهم وعنفوان مقتهم ودهاء مرواغتهم. إذ يفصح المكان كتمظهر مادي وبنية تحتية في هندسته المتاهية والتفافه المُربِك عن الوعي الجمعي لشخوصه كتمظهر مجرد وبنية فوقية من حيث ثقافتهم وشخصيتهم المرواغة وارتيابهم من الآخر، أي آخر، الذي يبقى دائمًا “غريبًا” عنهم حتى يُمسي المكان شَرَكًا التهاميًّا لكل غريب، آخر، يطأه، يستنزفه ويُنهِك قواه. كما تستبد بذوات المكان نزعة عدوانية تجاه الآخر الذي يمرُّ به، فتبدو ثقافة المكان ووعي أهله في حالة ارتياب من الغريب و معاديةً الآخر، فيكشف المكان عن تكوين الأنا الجمعي لأهله الذين يتسمون بالمرواغة والمخاتلة والاهتياب من الآخر والتحفز نحوه ما يدفع إلى تساؤل: ما الذي أفضي بهم لهذه الحالة؟ أهي حالة العوز والإحساس بالهامشية؟ أم الإحساس بإقصاء الآخر لهم فيجابهون هذا الآخر بعدوانية ومرواغة كأسلوب دفاعي يتحصنون به؟ فكتابة سهير المصادفة وصياغاتها السردية تبدو ككتابة مُحرِّضة على التساؤل ما يستدرج القارئ إلى لعبة الحكاية بين الانشغال بتنامي بنيتها الدرامية والانهمام بحلِّ ما يشغله من أسئلة.

في ميت رهينة يحكم المكان قانون الغرابة التي تتفشي لتستحوز على مألوفية إحساس الذوات بها، حتى يمسي المكان نفسه مهلكة ومفنى للذوات بالاختفاءات غير المبررة لكثير من ناسه، ويستحيل المكان لعنة بعد أن تفشى القتل كمقتل عبد الجبار أيوب وقتل عبد الجليل ابن عبد الجبَّار الأصغر أخاه الأكبر عبد الموجود ذابح الجِمال، كما قتلت نور حفيدة الشواف الشيخ برهامي، بعد أن قتلت سلمى أمامه.

درامية الشخوص

تنحو رواية لعنة ميت رهينة أن تكون “رواية أجيال” لدوران أحداثها بين ثلاثة أجيال بالتتابع والغالب على شخصيات الحكاية أنّهم ذوات إشكاليّون يجابهون رياح اللامواتاة ويدافعون أقدارهم العاتية المعاندة، يداخلهم نقص ما وشعور بفقد لا يندمل جرحه ولا يبرأ ألمه، فلم يشف الثراء الذي ناله عبد الجبار إحساسه بفقد “هاجر”، كما لم يهنأ أدهم الشواف بهاجر التي أحبها بعد أن داهمه المرض العضال وحصده الموت، فضلاً عن أشخاص ممسوسين كعمار المهندس المعماري الذي صمم لأدهم الشواف قصرًا لهاجر.

عندي سهير المصادفة في لعنة ميت رهينة شكلان لحضور الشخوص ووجودهم: وجود بالفعل أي حضور الشخصية تحققًا فعليًّا بحياتها في الزمكان السردي ووجودها المادي والجسدي في مسرح الأحداث، أما الحضور الآخر فهو الوجود بالقوة والحضور في الغياب، وهو حضور طيفي ووجود شبحي للذوات بعد غيابهم وموتهم.

يبدو الشخوص في لعنة ميت رهينة ذواتًا مُلغزة تعمل على تصدير الإحساس بالغرابة والدهشة:

يدهش العابر من عدم تعثرهم أو ارتطامهم بشيء يظهر أمامهم فجأة، ويداهمه شعور بالحيرة في إيجاد وصف دقيق لهم، فعلى الرغم من أن أعينهم مصوبة إلى الأرض إلا أن أنوفهم الكبيرة متجهة إلى السماء، ممَّا يجعل هيئتهم تشي بالحزن واللامبالاة والكِبر والانكسار في الوقت نفسه، يهيأ للعابر أنهم مغلفون بغلالة شفافة ما، لا يستطيع أحدٌ معرفة مكوناتها.
ثمة مستويان للشخوص كما تُشكلها الكاتبة: الشخوص في حضورهم الفردي، أصوات السرد في تعيينهم الشخصي، والشخوص في حضورهم العام كتمثيل للشخصية الجمعية في تمثيلها للمكان وهو ما يتبدى من خلاله ميل الصياغة السردي إلى أن تخلع على الشخوص سمتًا غرائبيًّا مفارقًا؛ فيعمل السرد على أسطرة الشخصية الجمعية بجمعها متناقضات تكوينية شتى ما يرفع من دراميتهم ويزيد من غرابة الشخصية التي تستحيل وسمًا مألوفًا.

في رواية لعنة ميت رهينة يشفُّ السرد عن حالة اغتراب عارم يمزق الشخوص ويمنع الذوات من تحققهم، وتتبدى ذروة إحساس الذوات بهذا الاغتراب في علاقة الناس بالأشياء لا سيما إثر عهد الانفتاح فيما يتجلي في مظهرين اغترابيين: “تشيئة السلع” بفعل ما يفعله نمط الرأسمالية الاستعراضي للسلع التي تستغرق الذوات وتجعلهم يلهثون وراءها للحصول عليها، و”تشيؤ الإنسان” إذ يمسي الإنسان نفسه كسلعة أو كشيء ضمن منظومة الرأسمالية الجديدة:

كان عبد الجبار منهمكًا تمامًا في إدارة ثروته التي تترامى أطرافها يومًا بعد يومٍ، وكان قد نسي هاجر أو في الواقع كان يتذكرها كما لو كانت بطلة فيلم بالأبيض والأسود أحبه كثيرًا قبل أن يعشق الأفلام بالألوان الطبيعية ويستبدل بالبوظة الحشيش ويشتري من بورسعيد شاشة بيضاء وماكينة عرض الأفلام السينمائية، كانت عروضه عبارة عن فيلم مصري واحد وفيلمين أجنبيين وكل ذلك مقابل تذكرة باثنين وعشرين مليمًا، كان يؤجر بكرات الأفلام من أصدقائه في دور العرض البعيدة ومن أصدقائه في الاتحاد الاشتراكي الذين أصبحوا أعضاء في الحزب الوطني الجديد منذ شهور، كان يصيح في وجوههم: “خلوا الفلاحين يتفرجوا ويتبسطوا”. فلما رأى هاجر ذات صباح مشرق وهي تحمل على يديها طفلة تتجاوز العام بفستان مزركش وشعر كستنائي ناعم مزين بفيونكات وردية، شعر على الفور بأنها تخرج له من فيلم جديد بالألوان الطبيعية، الطفلة نفسها كانت تشبه كثيرًا تلك العرائس المستوردة التي كان يجلبها من بورسعيد.

في “لعنة ميت رهينة”، كما هو في كتابة سهير المصادفة عمومًا، ثمة تشابك في خيوط السرد بين الشخصي والعام والذاتي والموضوعي والحكائي بالأيديولوجي دونما انزلاق لمنجرف الخطابية أو وقوع في شرك الإنشائية المباشرة، فيأتي الإيديولوجي متوافقًا مع التكوين الكلي للبناء السردي ذلك حين يكون السياسي مسؤولاً بشكل مباشر أو غير مباشر عن مصائر الشخوص والتحولات التي تطرأ على مسار حيواتهم.

يعمل إيقاع السرد على تجسيد إيقاعات الحياة المتسارعة في تحولاتها وتبدلاتها، كما يكشف السرد عن الترابط العلّي بين أنماط الحياة الثقافية كبنية فوقية وأنماط الإنتاج والبنية الاقتصادية كبنية تحتية، فعبد الجبار هذا يمثل نموذجًا أيقونيًّا لبورجوازية عهد الانفتاح ورأسمال المال الطفيلي الذي عمل على تغريب الذوات بتوريطهم في أنماط استهلاك دونما تطوير حقيقي لإنتاجهم فعمل الانفتاح على احتواء الأفراد من العمال والفلاحين وجعلهم مهمومين باستهلاك السلع، فيمسي الأفراد ذواتًا متوهمة- بالمفهوم الألتوسيري- أي ذوات مُنَمَّطين يتوهمون حريتهم وسعادتهم الزائفة بينما هم مجرد “أدوات” تُكرِّس للوضع القائم وتبقى منغمسة فيه.

وفي مقابل عبد الجبار بوصفه نموذجًا لانتهازية رأسمالية الانفتاح فإنّ شخصية كـ “نور” تبدو على النقيض منه، كما يتبدى من مواجهتها له بما اقترف في حق ميت رهينة:

“هل تعرف أنك أحط مَن عرفتْ ميت رهينة، لقد أضعت الزرع والضرع واستبدلت بهما قمصان نوم ملونة، خنقتَ زقزقة العصافير وهديل الحمام وأطلقت في سماء القرية أصواتًا قبيحة لمغنيين تطلقها بدون توقف أجهزتك الكهربائية وتليفزيوناتك الكئيبة، لقد أضعت الأرض وما فوقها وما تحتها”.

تبدو أسماء الشخصيات عند سهير المصادفة مشحونة بطاقات سيميولوجية دالة على فاعلية هذه الشخصيات ورمزيتها، فعبد الجبار هو من البداية عبد لقوة جبرية سواء الكدح طلبًا لحد الكفاف أو محاولة مضاعفة ثرائه انتهازًا لما أتاحه الانفتاح الاقتصادي لهؤلاء الانتهازيين من فرص، أما نور فهي بمثابة كتلة نور، طاقة تنويرية للكشف، وهذا التقابل بين الشخوص هو ما يحدث توازنًا دراميًّا في سرد المصادفة ويسهم في رفع درجة التوتر الدرامي للحكاية.

وتبعًا لمفهوم ماركوز فإنّ وسائل التقنيات الحديثة تسهم في مفاقمة اغتراب الذوات في طرحه لمفهوم الإنسان ذي البعد الواحد، وهو ما يجعل الذوات يستسلمون للتناقضات الاجتماعية الفادحة ولا يستشعرون غضاضة في البون الاجتماعي الشاسع مما يخمد فيهم الروح الثورية، وفي المقابل تعمل التغيُّرات المادية كما في تبدُّلات أنماط الإنتاج والاستهلاك السلعي في عصر الانفتاح على إحداث تغيُّرات في البنية الفوقية، كما تبدى ذلك في نمط التذوق الفني الذي خضع لإلزامات عهد الانفتاح بتقديم منتج فني متردي تغيبًا لوعي الذوات الذي يستهلكونه بوصفه سلعة، فتبرز لعنة ميت رهينة إنسان البعد الواحد- وفقًا للتصور الماركوزي- الخاضع لاستلاب وسائل تكنولوجيا عصر الانفتاح.

في لعنة ميت رهينة كما في سرد سهير المصادفة عمومًا ثمة عناية خاصة بالأشخاص الهامشيين والعابرين الذين يكونون بمثابة فواعل ثانويين بمثل الاهتمام بفواعل الحكاية الرئيسيين كما تكون هناك عناية أيضًا بنثريات المشهد الدقيقة ما يقوي خلفية المشهد السردي ويمنح السرد عمقًا مشهديًّا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد مصري

 

مقالات من نفس القسم