رسائل من الحجر الصحي إلى السيد غزال

haneen tarek

حنين طارق

25/3/2020

عزيزي السيد غزال:

تحية طيبة وبعد؛   

         كيف حالك وكيف حال البلاد البعيدة، وكيف كانت الرحلة، أفهم الآن معنى الأحزان العادية، الأحزان التي لا ننعتها صراحةً بالأحزان، ولا تهم أحدًا، ولا تستدعي حربًا أو توقف العالم، لو صرخت بسببها يتهمك العالم بالجنون، قلبي ينفطر ببطء ودون أي ضوضاء، أنا نفسي لا أرى أن هذا الصمت غريبًا، لا أكترث، أطهو وأضحك وأغني، لا أسمح لها بالظهور، ألعب مع نفسي لعبة العالم المثالي.

    من لم يعانِ من الحب؟ المسافات؟ المرض؟ خذلان الأهل؟ خيانة الأصدقاء؟ موت الأحبة؟ ضياع الأحلام؟ الركض اليومي خلف شيء لاتعرفه؟ لا أحد، الجميع عانوا من هذا، الجميع يملكون هذه الندوب، فمالي لا أستطيع تحملها؟  لم أتوقع أن على أحد ملاحظتها؟ أو أنني أحتاج مساعدة خاصة؟ لم أعتقد أن عليهم تحملي ومساعدتي، ماذا حدث لي على أي حال؟ لم أخض حربًا ولم اعتقل، ولست صاحبة قضية ما عذبت من أجلها؟

   مشكلات عادية، علينا أن نمرَّ بها حتى لا نمل من الرغد، ونتطلع لفكرة الجنة وقيمتها، لا تقلق عليَّ فلابد سأتجاوز الأمر واعتاده، لست ممددة في الفراش، ولم تحفر الدموع أخاديد في خديّ، أشرب قهوتي وأحدث صديقاتي، وأفتقدك، وأكتب كل يوم بعض الجمل التي تشعرني بالرضا عن نفسي، لا أعرف إن كان هذا سيمر بمرور الأزمة، أم أن الأحزان العادية هي أصل الحياة، والفرح والمأساة على حدٍ سواء هما الأمرٌ العارض.

                                                                                                       كن بخير دائمًا ولا تكن عاديًا

مع حبي

*******

26/3/2020

عزيزي السيد غزال :

 تحية طيبة وبعد،

لا أعرف إن كنت سأستمر في الكتابة إليك كل يوم كما خططتُ أم أنني سأتراجع وأتكاسل.. فأنا ملعونة بالأشياء والخطط غير المكتملة – لا أذكر أني عزمتُ على فعل شيء وأكملتُه للنهاية، وربما يكون هذا ما يجعلني خائفة من كل الأشياء الجديدة التي أخاف أن أتركها مبتورة مثل كل شيء أبدأه.

سأسمي هذه المجموعة .. “رسائل من الحجر الصحي إلى السيد غزال”. أنت السيد غزال ، أما أنا فما لقبي؟ لا أستطيع أن أسمِّي نفسي، للتو اكتشفت أنك لم تعطِني أي  لقب يومًا، ربما ناديتني أو بالأحرى وصفتني مرة أو مرتين بالغجرية لكن ليس اسمًا تناديني به دائمًا.

أحيانًا أفكر في نشر هذه الرسائل، لكن سريعًا ما أتراجع، لا يمكن نشرها، خوفًا من أمي ومن الناس ومنك، فأنا أعلم أنك لا تحب أن يعرف أحد تفاصيل علاقتنا، أما أمي فستقتلني لا محالة، والناس سيكفرونني وربما أسجن، لن يفهم أحدً أنني لا أجد مكانًا للتفكير أو الأحلام أو البكاء إلى على الورق.

اعذرني .. لم أسألك كيف حالك؟ اشتقت لك كثيرًا، لعل كل الأمور بخير وعملك على ما يرام، أنا بخير تقريبًا، كل شيء على ما هو عليه، لكن هذه قد تكون المرة المئة التي يسرح أبي فيها من عمله منذ أن عدنا من “البلاد الحنونة” كما تسميها أمي، رغم كل شيء أنا حزينة جدًّا، لم أعد قادرة على تحمل نظرة الحزن والانكسار في عينه، حتى إنني أتحاشى الحديث معه۔ خائفة جدًّا عليه، ولا أعرف ماذا تجلب لنا الأيام، المقبلة.

مع كل هذا التوتر ما زالت المشاجرات بين أبي وأمي مستمرة، وبات هناك طقس جديد هذه المرة وهو أن أمي تصرُّ على أن أحضر المشاجرة كاملة؛ لأنها تخاف إن اختليتُ بنفسي أن أحاول الانتحار مرة أخرى، تعبتُ.. روحي تحترق.. أريد الهروب، ولا أعرف ولا أملك مكانًا للهرب إليه، حتى إن الكل الآن محاصر، فأين أذهب؟

كل هذه الأشياء توترني بجانب عدم الذهاب للعمل أو الخروج بسبب الظرف الراهن، لا أجد إلَّا وأنا أنظف مرارًا وتكرارا، وأظل أركض وراءهم بالفيتامينات والمطهرات، أشعر أنني أتحول لنسخة ثانية من أمي .. وأخاف أن يستمر هذا إلى الأبد، ولا أعرف ماذا أفعل.

اتمني أن تنتهي هذه الأيام الكئيبة  قريبًا، كما أتمنى أن أتخلص من إحساس الذنب الذى أحمله تجاه أهلي، وتجاه العالم دائمًا، لأن الوضع لو استمر داخل رأسي بهذا الشكل سينتهي بي الحال منتحرة بطلقة في رأسي أو مودعة أحد مستشفيات – الأمراض العقلية.

 

كن نحن دائمًا بخير

مع حبي

*******

27/3/2022

عزيزي السيد غزال

تحية طيبة وبعد؛

اليوم هو الجمعة، دائمًا ما كرهتُ أيام العطل، خاصة عطل الأعياد، لا أعرف لهذا سببًا، لكن لربما بسبب حالة الصمت والسكون التي تكون سائدة في تلك الأيام، وصوت  الرجل الذي يؤم الناس في الزاوية القريبة من بيتنا يجعلني أكره نفسي، صوت أتى من الحجيم.

سبب آخر خاص عام يجعلني أكره أيام الجمعة وهو المعارك الصغيرة  التي تحدث في البيوت في هذا اليوم بسبب ومن دون سبب، فحين تجبر على الجلوس وجهًا لوجه مع الأشخاص الذين تظن في قرارة نفسك أنهم هم من قتلوك وحولوا قلبك لفترات، فلا يكون هناك مفر من العراك، وهذا على خصوصية يُعد أمرًا مشتركًا بين أغلب الأسر المصرية طقسًا مقدسًا كالصلاة في هذا اليوم، معركة صغيرة نُخرج فيها ما نشعر به ونُحمله داخلنا، لنتمكن من مواصلة الحياة.

كيف حالك؟ ماذا تعمل في أيام الخوف هذه؟ هل تصارع المرض والموت ككل البشر على الكوكب الآن في أم أنك كالعادة غارق في مصارعة نفسك؟ وإن كنت تصارع نفسك – ما موضوع المعركة هذه المرة؟

تسيطر على هذه الأيام جملة حزينة من رواية “الحب والصمت” تقول عنها البطلة التي تصارع الملل والخوف مثلي: “وقتي رخيص لا أعرف ماذا أفعل به؟” أنا أيضًا لا أعرف ماذا أفعل بوقتي الطويل هذا؟ أصبت بقفلة القراءة، والكتابة كما تعلم ما زالت تمثل لي حقل ألغام أخاف الاقتراب منه.

أكثر ما أفعله الآن هو الطهو، أحب الطهو وأحب الطعام أطهو لشغل الوقت، ولأغذي شعورًا داخليًّا وهو احتياجي أن أشعر بأنني صاحبة إنجاز ما، أي إنجاز مهما كان صغيرًا، يعطيني الطبخ هذا الشعور، مع أول جملة ثناء أو نظرة لذه في أعين من يأكل يتملكني الخوف، ويتراجع خوفي من غدٍ ومن قدراتي الضئيلة في مواجهة الدنيا.

وأجمل من شعور الإنجاز، هو فكرة الخلق السيطرة، فكل الخيوط بين يديك وتختار ما تشاء من كل المواد حولك، لتخلق أنت شيئًا جديدًا كليًّا.

فالمطبخُ هو المكان الوحيد تقريبًا الذي أشعر فيه أنني أستطيع السيطرة على الأمور وأن كل شيء على ما يرام، وحين لا أكون بالمطبخ، أشاهد أفلامًا عن الطبخ، أو أكتب لك، وفي كل الأحول أكون بحاجة لك ولحضنك.

أخبرني أنت كيف تقضي وقتك، أكتبُ لك كما وكأنك سترد على المراسيل أشعر أنني بلهاء حين  أكتب لك بهذه الطريقة، وأنا أعرف أنك لن ترد لي خبرًا، على أي حال هكذا تكتب الرسائل.

آمل أنت تكون على علمي تقضي وقتك في فعل شيء مهم، أتمنی أن تعمل على رسالتك، قد يكون هذا طلبًا غريبًا في الوقت الراهن لكن صدقني يجب أن تكمل هذه الرسالة لتكتمل روحك، فهي جزء منك، كنت قد كتب لك عن هذا الأمر في إحدى الرسائل التى لم أرسلها لك أو أخبرك عنها، لا أعرف كم عدد هذه الرسائل بالضبط ربما أربع أو ضمن رسائل كتبتها في الفترة التي تلت معرض الكتاب، ولم أرسلها لأنني شعرت أن ما كتب فيها سيقضي على كرامتي.

ربما أرسلها يومًا، وربما لن أفعل أبدًا، لا أعلم، ولكن سأذكر لك سببًا واحدًا عليك إكمال الرسالة من أجله .. وهو أنك إن لم تنهها، لن تستطيع إنهاء أي شيء في حياتك بعد ذلك، وستلعن بلعنة الخطط المبتورة والمشاريع غير المكتملة إلى الأبد، لأنك ستفقد الثقة في قدرتك على إكمال شيء.

كنا مرة أنا وأنت في المقهى معًا وجاءت شحاذة دعت لك، دعوة أعجتك جدًّا وهي”ربنا يحفظ وقتك” وهكذا سأنهي رسالتي لك اليوم.

مع حبي

 

حنين طارق

12 مقال
كاتبة وشاعرة مصرية صدر لها: ـ الموال المصرى.. تنويعات أدبية ـ دراسة ـ أمشي بعقارب الساعة ـ شعر ـ أحرس…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع