أحمد الشَّهاوي
بِالسرِّ إِنْ باحُوا تُباحُ دِماؤُهم
وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ
السُّهْرَوَرْدِي
خرجَ من ضلعِ النَّارِ
في يدهِ مِصباحٌ تتعثَّرُ الملائكةُ فيهِ
أصغرَ من نبيٍّ وأكبرَ من سيفِ صلاحِ الدينْ*
فتتبعُه الفراشاتُ العمياءُ كأنَّه آخرُ بابٍ للنَّجاةِ
القلعةُ في حلب تأكلُ أبناءَها
كما تلتهمُ الأمهاتُ الحليبَ اليابسَ في المجاعةِ
وهو يُوزِّعُ النُّورَ على السُّجناءِ
كأنهُ مؤذِّنُ اللهِ في خرابِ العالمِ.
قال بعضُهُم هذا الفتى يكلّمُ النُّجُومَ
يضعُ يدًا على خاصرةِ الغيْبِ
يرى السَّماءَ عاريةً منَ التأويلِ
تتوهجُ شمسٌ صغيرةٌ على وسادتِه
والكُتبُ إذا لمسها تشهَقُ
يصيرُ الوَرَقُ امرأةً في ليلتِها الأولى
أيُّ نبيٍّ ناقصٍ أضاعه من يدِ السَّماءِ؟
أيُّ سُلطانٍ يحتملُ رجُلًا يُحوِّلُ العَتَمةَ دِينًا؟
في الليلةِ الأخيرةِ دخلُوا بوجُوهٍ من حديدٍ
كان الجُوعُ يجلسُ قُربَه مثلَ ذئبٍ صُوفيٍّ.
لم يقتلوهُ بالسَّيفِ تركُوه يذبُلُ ببُطءٍ
كآيةٍ منسيّةٍ في صدرِ حافظٍ في المتاهةِ.
أغلقُوا الماءَ لئلَّا يرى وجهَه
والخُبزَ كي لا يصيرَ نعمةَ الفُقراءِ
والهواءَ لأنَّ أنفاسَه تُحلِّقُ بالجُدرانَ.
قبل الموت كان يخيطُ من الظُّلْمةِ عباءةً من نُورٍ
تُرسلُ رُوحه طَائرًا إلى اللهْ
قيلَ ماتَ لكنَّ النُّورَ لا يُبدِّلُ جسدَهُ مثلَ عاشقٍ
قميصَهُ مُبتلٌّ بالعِطْرِ
كُلما أشعلَ درويشٌ قنديلَهُ يخرُجُ وجهُكَ من الزَّيتِ
كلما قبَّلَ عارفٌ يدَ الفقرِ تمشِي خُطاكَ على الترابِ.
أيُّها المقتُولُ قبل دورةِ النُّبوَّةِ
ما زالتْ رقبتُكَ تُضيءُ كسيفٍ في حلقِ السَّماءْ
في سُهروردْ** كان الثلجُ ينامُ على كتفِ الجبلِ
وتخبزُ الأمهاتُ النُّورَ لأطفالِ الشِّتاءِ الطَّويلِ
خرجَ طفلٌ هناكَ من ضِلعِ النَّارِ
تتعلَّمُ عيناهُ الأبديّةَ قبلَ الكلامِ
مشى تحتَ أشجارٍ كانت تحفظُ أسماءَ اللهِ
قلبُهُ كانَ أكبرَ من كِتابٍ
يحفظُ القرآنَ كما تحفظُ المياهُ صوتَ الغرْقَى
فتحتْ لهُ اللغةُ فخذيْها
والنَّحوُ صارَ حمامةً بيضاءَ تحطُّ على أصابعِهِ
إذا قرأَ ينزلُ المعنى عاريًا من ثيابِ الفُقهاءِ
ترتجفُ الحُرُوفُ كأنَّها عذراءُ
تَجَادَلَ كما يتجادلُ نهرانِ حولَ جسدِ البحْرِ
واختلفَ كما تختلفُ نارٌ مع مرآتِها.
المدينةُ مئذنةٌ تُرضِعُ العلماءَ
حليبَ الشَّيخِ الرئيس
قرأَ البصائرَ وكان يبحثُ عن بصيرتِهِ
وفي الليلِ يُترجمُ منطِقَ الطُّيرَ إلى لغةِ العشقِ
حتى صارتْ رسالةُ الطيرِ جناحيْنِ في قلبِهِ.
كأنَّهُ يمشي على عصبِ العالمِ
كيف احتملتْكَ الأرضُ ولم تنشقْ؟
تهمته أخفُّ من رُوحِهِ، وفي يدِ الفقهاءِ تصيرُ سيفًا
خافوا منكْ لأنَّكَ كُنتَ ترى اللهَ
في الجهاتِ كلِّها وكانوا يحشُرُونهُ في كتابٍ صغيرٍ
كأنَّ الحِكمةَ داءٌ مُعْدٍ بالكلامِ.
في قلعةِ حلبْ
دخلتَ وحيدًا كآيةٍ أُسقطتْ سهوًا من الكِتابِ
كانتِ الجدرانُ تأكلُ الرُّطُوبةَ
كان للسجَّانينَ وجوهٌ نسيَ اللهُ أن يُكملَ خلقَها
تركُوكَ للجُوعِ كي تمُوتَ ببطءٍ كما يمُوتُ قنديلٌ
في زاويةِ مسجدٍ مهجُورٍ
وكُنتَ تأكُلُ من نُورِكَ
تشربُ من نهرٍ لا يراهُ إلَّا العارفُونَ
وأوشكَ الموتُ
ووضعتَ رأسَكَ على رُكْبةِ الغيبْ
قلتَ خُذني إليكَ خفيفًا كمعنىً
ثمَّ صعَدَتْ رُوحُكَ كبَخُورٍ من نافذةِ القلعةِ
وبقيَ جسدُكَ وحيدا ككتابٍ أحرقهُ الجهلاءُ
كانَ يتعلّمُ من الجهاتِ
من ظلِّ شجرةٍ
ومن شهْقةِ ناسكٍ
من حِصانٍ يعبُرُ الليلَ، وفي عينيهِ حُزنُ الأنبياءْ
إذا فكَّرَ اشتعلَ الهواءُ
وإذا صمتَ سمعَ اللهَ في دمِهِ
جلس إلى هرمسْ *** في مقاهي الرُّؤى
شرب مع أفلاطونَ خمرَ المعنى
ونام على كتِفِ فيثاغورسْ **** طفلًا أضاعتهُ النُّجُومُ
مسح سقراطُ عن قلبه غبارَ المُدنِ
علَّمهُ أنَّ الحقيقةَ سمكةٌ لا يصطادُها الفقهاءُ
وكانَ أرسطو يضحكُ منكَ لأنَّكَ كسَرْتَ ساعَةَ العقلِ
أطلقتَهُ طائرًا في صحْراءِ الروحْ
إذا دخَلتَ خلوةً تخرُجُ بالأسرارِ
وأصابعُكَ كلما لمستْ كتابًا
سَالَتْ منهُ أنهارُ التأويلِ
رآكَ الصُّوفيونَ قالوا هذا رجلٌ يغسلُ رُوحَهُ بماءِ الغيبِ
رآكَ الفقهاءُ فقالوا هذا دُخَانٌ يخرجُ من جهنمْ
وحدَكَ كُنتَ تعرفُ أنَّكَ بينَ النَّارينِ،
نارِ الكشفِ ونارِ التُّهمةِ
راقبُوكَ في حلبَ كما يراقبُ الصيَّادُ طائرًا نادرًا
وأنتَ تمشِي خفيفًا
كأنَّ الأرضَ لا تستحقُّ خُطَاكَ.
قالوا لصلاح الدِّين إنهُ يفسدُ ابنكَ
يُعلِّمهُ أنَّ الرُّوحَ أوسعُ من المملكةِ
وأنَّ اللهَ لا يسكنُ في سيفٍ ولا فتوى
لم يقتلوكَ دفعةً واحدةً
وزَّعُوا موتكَ على الأيامِ
تركُوكَ وحيدًا إلَّا من اللهِ
وينامُ الجُوعُ قُربَكَ كطائرٍ علويٍّ
ابتسمتَ وكانتْ ابتسامتُكَ
آخرَ كتابٍ أُحرقَ في مكتبةِ الأرضِ
ومنذُ موتِكَ يُنْطِقُ كلُّ شاعرٍ إلهَهُ بطريقتِهِ
يشمُّ رائحةَ دمكَ في الرِّيحِ
لم يعرفُوا كيف يقتلُونَ النُّورَ فاختلفُوا على طريقةِ موتِكَ
قال بعضُهم: أطعمُوهُ الجُوعَ حتَّى يذبلَ كوردٍ نسيهُ الماءُ
قال آخرونْ: مرَّ السَّيفُ على رقبتِهِ
فارتفعَ النُّورُ دُفعةً واحدةً إلى السَّماءِ.
وقيلَ: أحْرَقُوهُ لكنَّ النارَ كانت تخافُ
جسدًا ممتلئًا باللهِ
ماتَ جسدُكَ
خرجتْ حكمتُكَ من الشُّقُوقِ كعِطْرٍ لا يُعتقلُ
ما زلْتَ تُنِيرُ خرَابَ الكونِ
أنتَ آخرُ نَجمةٍ نجتْ من سيفِ الظلامْ.
……………
ـ القصيدة من الكتاب الشعري الجديد للشاعر “يمشونَ في السَّماء” الذي يصدر بعد أيام عن الدار المصرية اللبنانية
* صلاح الدين الأيوبي (1137م–1193م)، مؤسس الدولة الأيوبية، وُلد في تكريت عام 1137م وتوفي في دمشق سنة 1193م، واشتهر بقيادته جيوش المسلمين لصد الصليبيين وتحرير القدس بعد معركة حطين.
** مدينة تاريخية في شمال غرب إيران، تُعد موطنًا لشهاب الدين السُّهروردي، وهي المنطقة التي نُسب إليها لقبه “السُّهروردي”، وتقع اليوم في محافظة زنجان وتُعرف بآثارها القديمة.
*** شخصية أسطورية ارتبطت بالحكمة والعلوم في التراث اليوناني والمشرقي، ونُسب إليه في الفلسفة الهرمسية أنه مؤسس للمعرفة الروحية والفلك والكيمياء القديمة.
**** فيثاغورس (نحو 570 ق.م – نحو 495 ق.م)، فيلسوف ورياضي يوناني أسّس مدرسة فيثاغورس، واشتهر بنظريته في المثلث القائم التي تُعرف بـ“نظرية فيثاغورس” في الرياضيات.






