يجعله عامر

نجلاء علام

نجلاء علام

تأملتها وهي تجلس أمامي في القطار، مشغولة بالهاتف النقال، وتصور نفسها كل دقيقة في أشكالٍ مختلفة، تنهدت: إنها تشبه لبنى كثيرًا، ولكنها تحمل نظرة عيني الحائرة.

سمعت صوت البائع يجر عربته الصغيرة المحملة بالمأكولات والمشروبات، فأشرت له، وطلبت زجاجة مياه، ثم قلت: وأحضر لها شيكولاتة!

نظرت لي أمنية باستهتار، ثم طلبت من البائع مشروب طاقة، فاعترضت وقلت إنه مضر بالصحة، ولكنها ضحكت وقالت: الصحة في المصحة!

غضبت: ليست هذه طريقة تخاطبين بها أباكِ!

وضعت السماعة في أذنها، وأخذت تلعب على الهاتف وتشرب مشروب الطاقة دون أن ترد!

تذكرت لبنى، حين كانت تغضب مني وتتجنبني، حتى إنها لم تكن ترد تحية الصباح، مرة واحدة احتدت عليّ ورفعت صوتها وهي تطالبني بالسفر معي هي وأمنية، كانت تحمل أمنية ابنة العامين على كتفها، وتحاول أن تقنعني بأنها ستجد فرصة عمل هناك، وأنها ستترك أمنية في حضانة جيدة، ولكني كنت اتخذت قراري، أن يسافرا معي معناه إيجار شقة ومصروفات ومدارس، وأنا أريد أن أستغل فترة السفر أفضل استغلال، حينها صرخت لبنى: أنت السبب في ضياع أسرتنا!

وكأن القدر كان يستمع لها، وها هي ابنتي لا تعرفني، وتفضل الألعاب عليّ.

****

سحبني من يدي بقوة، وهو يزعق: علينا اللحاق بالقطار، لو كنتِ تصحين في موعدك ما تأخرنا.

كنتُ مازلت أستوعب حضوره المفاجئ في حياتي، ولا أعرف من أين جاء بهذه القدرة على تقريعي ولومي، وأنا لم أره سوى من يومين، وكيف يعتبر نفسه أبي حقا ويحاول أخذ كل صلاحيات الأب، قالت لي أمي إنها أصرت على الطلاق بعد عدة سنوات، لم ينزل فيها إلى القاهرة إلا مرة واحدة، وطوال السنوات الماضية كنت أعتبر خالي رأفت هو أبي فهو من يذهب معي إلى المدرسة أو ينتظرني بعد الدروس، وطوال سبعة عشر عامًا لم أرَ يونس، وفجأة عاد وطالب بحقه فيّ، وأراد أن يصطحبني لزيارة عائلته في المنيا.

فجأة قلت: هذا شيء يبعث على الملل، أريد أن أنزل من القطار!

رفع نظارته على عينيه، وعلى عكس ما توقعت، قال بحدة: حاضر، في المحطة القادمة.

***

نزلنا من القطار، وذهبنا إلى موقف السيارات، سألت عن مكان سيارات المنيا، ولكنها قالت: لن أركب سوى سيارة مخصوص، كي أجلس على راحتي.

قلت بيني وبين نفسي: لكِ الله يا لبنى، كيف تحملتِ ترف البنت طوال هذه المدة.

سمعته ينادي: مخصوص.. مخصوص.

كان في مثل سني، يرتدي تي شرت أخضر وبنطال جيبنز وكاب أحمر، تعجبت من الألوان التي يرتديها، وقلقت من زجاج نظارته السميك، ولكنها جرت إلى سيارته، فاضطررت للركوب، خرجنا إلى الطريق الممتد السريع، كانت السيارة تمر على المزارع والغيطان، كنا في الماضي نتسابق لمعرفة أنواع المحاصيل المختلفة المزروعة في الأرض، وأي الفلاحين تأخر عن موعده في الحصاد، أما الآن فابنتي تجلس بجواري وهي تتمايل على إيقاع الأغاني الشعبية الزاعقة التي تخرج من مذياع السيارة، وفجأة بدأت أغنية ذات إيقاع سريع ولكني لم أميز كلماتها، وما أدهشني أن السائق وابنتي كان يحفظان الكلام ويرددانه مع المغني، قلت في حدة: أغلق هذه الأغنية إنها تجلب الصداع!

ردت أمنية سريعًا: لا.. إنها أغنية الراب المفضلة لدي.

وبدون أن تعيرني أي اهتمام أكملت جملتها: يا عمو إرفع الصوت كي نستمتع.

هكذا اكتملت الصداقة بين ابنتي والسائق بعد عدة أغنيات مختلفة، أخرجت الهاتف المحمول وبدأت تلتقط الصور معه، وقالت: سأنشرها على الاستوري الآن.

فرد السائق: وهذا اللايك الجميل.

رن هاتف السائق، وكانت المتحدثة ابنته “أمورة” هكذا كان يدعوها، وبسرعة أعطى هاتفه لأمنية كي تتعرف عليها، وانتهى الحوار بينهما بتبادل الصفحات على التيك توك!

تعجبت كيف تتحدث معهما بهذا الود كأنها تعرفهما منذ سنوات، والأعجب أن السائق ظل يتحدث عن صفحة ابنته “أمورة” وكيف تنشر بها فيديوهات لتعليم البنات شغل الإبرة، وعمل الاكسسوارات، وكذلك انبرت أمنية في الحديث عن مهارتها في اللبسينج وعدد المتابعين على صفحتها، وأخيرًا قالت إنها حصلت على دورات في الرسم والجرافيك.

وحينها قلت: أعرف متخصصين في الجرافيك، لماذا لم تخبريني حتى أعرفك عليهم؟

ردت بقسوة: متى، وأنا لم أرك طوال عمري إلا من خلال الصور!

توقفت السيارة فجأة، وقال السائق: وصلنا الاستراحة!

***

جلستُ أفكر في زيارة يونس، كيف جاء فجأة إلى القاهرة وقال إنه أنهى تعاقده مع الشركة التي يعمل بها في الخارج، وأنه تعب من الغربة ويريد أن يجمع شمل الأسرة، كنت أنظر لوجهه الذي هرم، والنظارة على عينيه، ورأسه التي بانت من الصلع، وضمور جسمه، وأتذكر يوم ذهبت للمطار وأنا أحمل أمنية كي أودعه، كنت أسمع صوت أزيز الطائرات، يغطي على صوته، وهو يبتسم قائلا: ثلاث أو أربع سنوات، نصلح بهم الحال، ثم سأعود سريعا!

ومرت خمس عشرة سنة.. في البداية كنت أرسل الخطابات الورقية ثم بدأت في ارسال رسائل الايميل ثم الواتس، ثم شعرت بعد تأخر ردوده ونمطيتها أنني أحرث في بحر خالٍ من المشاعر، وهكذا طلبتُ الطلاق، وأصررت عليه، ولم يمثل الطلاق لأمنية أي فرق في حياتها، بل شعرنا أنا وهي أننا تحررنا من قيود وهمية صنعناها لأنفسنا.

رغم هذا شعرت بالأسى من مقابلة أمنية الفاترة له، وأخذتُ أُحمل نفسي مسئولية عودة العلاقات بينهما، ولذلك اقترحت على يونس أن يصحبها في رحلة طويلة، حتى يُعيدا بناء ما انقطع.

أما أنا فقد نسيت الرجل برحيل يونس، وخصصت وقتي لرعاية أمنية، وعملي الذي لم يبخل عليّ، ووجدتنى أترقى حتى وصلت لمركز كبير وانتخبني زملائي عضوًا في النقابة كي أدافع عن حقوقهم، وأخذتني المسئوليات ومرت الأيام، فهل أعيد من انقطع وأسامح يونس، وأعود إليه من أجل أمنية؟!

***

لاحظتُ في الاستراحة أن السائق يتحدث كثيرًا مع زوجته وأولاده، بينما انزوت أمنية في ركن تتحدث مع صديقتها، كنت أراها تنظر للسائق في محبة كأنه أبوها، وتحركت داخلي المشاعر، لا يمكني أن ألومها الآن، ربما عليّ أن أصلح ما أفسدته كما قالت لبنى، ذهبت إلى أمنية، وقلت لها: اتصلي بوالدتك كي تطمئن.

فردت: ماما أرسلت فويس على الواتس، وأنا طمأنتها.

سألتها: هل يمكنني الاستماع إليه، وإرسال فويس لها من هاتفك؟

فأعطتني الهاتف دون إجابة، سمعت صوت لبنى، لا أنكر أنه صوت شجي يشعرني بالآمان، وأرسلت لها أشرح ماجرى وأين وصلنا، وأنني أريد زيارة قبر أمي للمرة الأولى، وكنتُ أود أن تكون معي.

انتظرت حتى سمعتْ الرسالة، وجاء صوتها حزينا: هي أيضا كانت عزيزة عليّ.

جاءت أمنية وسحبت الهاتف، وهي تقول: لم أرَ جدتي من قبل فهل تحكي لي عنها؟

ابتسمتُ وقلتُ: كانت جدتك رحمها الله طيبة وحنونة، ولكنها كانت أيضا صارمة، فبعد موت أبي ونحن صغار، تولت تربيتنا وحدها، واضطرت للعمل في مصنع نسيج، وكنتُ كبير إخوتي، ولذلك عملت في أعمال كثيرة كي أساعدها بجوار الدراسة، لم تترك الحياة لنا فسحة من الهناء، أو الرفاهية، كنت أحيانًا أحلم بشيء بسيط مثل دراجة أم حتى ملابس جديدة، وكان الحلم يطول ولا يتحقق، وكرهت أن تتعرضي لنفس الموقف مع ارتفاع الأسعار وضآلة المرتب، قررت السفر حتى أضمن لكِ شيئًا من الرفاهية.

دمعت عين أمنية، وقالت: ولكني كنت أريد أبي أكثر!

ربت على كتفيها واحتضنتها، وقلت: وأبوكِ يريدكِ، ويريد أن يعوضكِ، عما فات.

انسحبت من حضني وقالت: مر الوقت.

أعدتها إلى حضني قائلا: لا.. يمكننا البدء من جديد.

***

بدأت ألاحظ طريقته في الحديث، ولازماته المتكررة، وتذكرت كيف ضحكت عندما فتحت هداياه وكانت كلها لعب أطفال، جلست بجواره في السيارة بعد أن عدنا للطريق، أعطاني هاتفه وطلب مني أن أنشأ له صفحة على التيك توك كي يتابع صفحتي، تذكرت كلمات أمي عنه، كانت دائما تُظهر محبتها له رغم الانفصال وتذكره بالخير، تقول إنه مجرد طفل كبير، يحتاج دائما من يقود مشاعره، أضاء هاتفي بإشعار جديد، وسمعت فويس من أمي، قالت إنها في الطريق إلى المنيا، لتزور قبر جدتي معنا، أخبرت أبي، فابتسم ابتسامة اطمئنان، وقال: لبنى الأصيلة، قولي لها إننا سننتظرها في الموقف لنذهب معًا إلى المقابر، ثم سنزور بيت عمك وعمتك.

أخذت أنظر إلى الطريق، والغيطان المنتشرة على الجانبين واستمتع باللون الأخضر، وأنا أردد أغنيتي المفضلة.

***

في الموقف وقفت مع أمنية ننتظر لبنى، التي جاءت تتلألأ في رداء بنفسجي، هل ما زالت تتذكر أنني أعشق هذا اللون! جرت أمنية إليها واحتضنتها، بينما ذهبت إليها على استحياء، سلّمت عليها وقلت: نورتِ المنيا.

ابتسمت قائلة: المنيا منورة بأهلها.

عرض السائق أن يقضي معنا اليوم، وافقت وعدنا للسيارة، في البداية ذهبنا للمقابر، بكيت عندما رأيت قبر أمي، طلبت منها أن تسامحني.. أنا ابنها الأكبر، وكنت أولى بحمل نعشها، وإراحتها في قبرها، طلبت منها أن تسامحني، اقتربت مني لبنى وربتت على كتفي، وكذلك فعلت أمنية التي نزلت دموعها، وقالت: الله يرحمك يا جدتي.

فأخرجت هاتفي، وبدأت أعرض على أمنية صور جدتها، قالت أمنية في فرح: كانت جميلة جدا، لماذا لم ترث لون عينيها المميز.

ولأول مرة ألاحظ أن أمي كانت جميلة!

خرجنا من المقابر أنا وأمنية متشابكي الأيدي، وفجأة قالت أمنية: أنا جائعة.

فضحكنا أنا ولبنى، وذهبنا إلى مطعم كبير.

جلسنا ننتظر النادل، قالت لبنى: المكان جيد. وعلقت أمنية: لكنه يقدم أكلات شعبية!

قلت: عملت هنا فترة، قبل أن أدخل الجامعة في القاهرة.

ترددت، هل أعيد طلبي على لبنى الآن، وماذا سيكون موقفها؟ ولكن فجأة صدح في المطعم صوت أغنية رومانسية كنا نحبها أنا ولبنى، فاقتربت منها وسألتها: هل تذكرين؟!

 ارتبكت لبنى، أما أمنية فضحكت، وقالت: أهلا بالذكريات الجميلة.

وأخذت أحكي وأتذكر أيامنا الحلوة، حتى دمعت عين لبنى من الضحك، بينما أمنية تلتقط لنا الصور في سعادة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع