عادل محمود
من المفارقات التي تستحق التأمل أن بعض الأعمال التلفزيونية لا تدخل المشهد وهي تحمل ادعاءات ضخمة عن تغيير العالم أو إعادة اختراع الدراما، لكنها تنجح في شيء أكثر صعوبة وأعمق أثرا: أن تجعل المشاهد يصدق الناس الذين يراهم على الشاشة. هذا هو التحدي الحقيقي الذي واجهه مسلسل “ياورد على فل وياسمين” وهو أيضا السبب الذي جعل العمل يثير جدلا لا يتناسب مع حجمه الهادئ.
المسلسل الذي كتبه عمرو سمير عاطف ووائل حمدي، وأخرجه محمود عبد التواب، لا يراهن على المطاردات ولا على الجرائم الغامضة ولا على الأكشن المستورد من المنصات الأجنبية. رهانه الأساسي أكثر بساطة: امرأة مطلقة تعمل كوافيرة، ورجل يعيش حياته وفق قواعد صارمة، يلتقيان في توقيت مرتبك من حياتيهما، فينشأ شيء يشبه الحب، لكنه حب يحمل آثار الخسارات السابقة أكثر مما يحمل أوهام البدايات الجديدة.
هذه الفكرة، للوهلة الأولى، تبدو تقليدية. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الفكرة نفسها، بل في الطريقة التي تروى بها.
منذ سنوات، تعيش الدراما المصرية أزمة مزدوجة. من ناحية، هناك إغراء البطولة الخارقة والشخصيات التي تعرف كل شيء وتنتصر دائما. ومن ناحية أخرى، هناك استسهال تحويل البشر إلى وظائف درامية جاهزة. الزوجة الخائنة، الأم المضحية، الشاب الطيب، الشرير المطلق. شخصيات كرتونية، تتحرك داخل سيناريوهات جاهزة.
“إلهام” ليست قديسة، وليست ضحية كاملة. امرأة متعبة، سريعة الانفعال، تملك قدرا من الفوضى، وتتحمل مسؤوليات يومية لا تسمح لها بالترف العاطفي. و”طارق” ليس الأمير الذي هبط من كتب الروايات الرومانسية. رجل يحمل هو الآخر آثار حياته الخاصة، ويبدو أحيانا أقرب إلى موظف يحاول تنظيم الفوضى أكثر من كونه بطلا تقليديا.
ما يلفت الانتباه في العمل أنه يبتعد عن الصورة المعتادة للمطلقة في الدراما العربية. لسنوات طويلة، كانت المرأة المنفصلة تقدم إما باعتبارها ضحية دائمة، أو باعتبارها مشروع أزمة أخلاقية. أما هنا فإن المسلسل يتعامل معها باعتبارها إنسانا طبيعيا يريد أن يعيش. وهذه النقطة، رغم بساطتها، تحمل بعدا اجتماعيا مهما.
المجتمع المصري ما زال يتعامل مع الطلاق باعتباره نهاية، بينما الحياة نفسها تقول شيئا مختلفا. ملايين النساء والرجال يعيدون ترتيب حياتهم بعد الانفصال. بعضهم ينجح، وبعضهم يفشل، لكن الفكرة الأساسية هي أن الحياة لا تتوقف.
المسلسل يلتقط هذه الحقيقة اليومية، دون خطب مباشرة أو شعارات نسوية مصطنعة.وهنا تكمن إحدى نقاط قوته.
فالأعمال التي ترفع الشعارات عادة ما تتحول إلى منشورات أجتماعية طويلة. أما الأعمال التي تنطلق من البشر الحقيقيين، فإنها تترك للمشاهد فرصة اكتشاف المعنى بنفسه.
إخراجيا، لا يقدم محمود عبد التواب مغامرات شكلية، ولا يحاول إبهار المشاهد بحركات كاميرا استعراضية. الصورة هادئة، والإيقاع يميل إلى التمهل. وهذه سمة قد يراها البعض ضعفا، لكنها في الحقيقة اختيار مناسب لطبيعة الحكاية.
المشكلة أن هذا الإيقاع نفسه يتحول أحيانا إلى عبء.
بعض المشاهد تطول أكثر من اللازم، وبعض المواقف تبدو وكأنها تدور حول نفسها. وكأن السيناريو يخشى الوصول إلى النقطة التالية، فيستمتع بالوقوف في المكان نفسه أكثر مما ينبغي.
هذه ليست أزمة قاتلة، لكنها تترك أثرا واضحا على البناء الدرامي.
أما على مستوى الحوار، فهناك تفاوت ملحوظ. بعض المشاهد مكتوبة بحس إنساني جميل، وبعضها يقع في فخ الشرح الزائد. الشخصيات أحيانا تقول ما يجب أن يشعر به المشاهد، بدلا من أن تترك الأفعال تكشف ذلك.
وهنا تظهر مشكلة قديمة في الدراما العربية عموما: الخوف من ذكاء المتلقي.
كأن الكاتب يخشى ألا يفهم الجمهور، فيشرح له كل شيء. بينما الحقيقة أن المشاهد أكثر ذكاء مما يظن صناع الدراما.
أداء صبا مبارك يظل أحد أعمدة العمل. هي لا تؤدي دورا، بل تعيشه بإيقاع هادئ. لا تعتمد على الانفعالات الكبيرة، بل على التفاصيل الصغيرة. نظرة، ابتسامة مترددة، لحظة صمت.
لكن الأداء نفسه يواجه أحيانا مشكلة ترتبط بالصورة المعاصرة للنجوم، حيث أصبحت عمليات التجميل جزءا من معادلة الصناعة، وهو ما يؤثر بطبيعة الحال على مرونة التعبير. وهي مشكلة لا تخص ممثلة بعينها، بل ظاهرة عامة تطرح سؤالا مهما: هل أصبحت صناعة الصورة أقوى من صناعة الأداء؟
أما أحمد عبد الوهاب، فيقدم واحدا من أكثر الأدوار صدقا في العمل. يمتلك قدرة واضحة على خلق حالة من الألفة مع المشاهد، دون افتعال أو مبالغة.
لكن الأهمية الحقيقية للمسلسل لا تكمن في ممثليه، بل في ما يقوله عن الطبقة الوسطى المصرية.
هذه الطبقة التي تعرضت خلال العقدين الأخيرين لضغوط اقتصادية هائلة، أصبحت تعيش حياة قائمة على إدارة الخسائر لا على صناعة الأحلام.
لم تعد الأسئلة الكبرى تدور حول تحقيق الطموحات، بل حول كيفية النجاة.
كيف نربي أبناءنا؟
كيف ندفع الفواتير؟
كيف نستعيد بعض المعنى وسط الضغوط اليومية؟
“ياورد على فل وياسمين” يتحرك داخل هذه المنطقة.
إنه مسلسل عن البشر العاديين، الذين لا يغيرون العالم، لكنهم يحاولون ألا ينكسروا.
وربما هنا تكمن قيمته الحقيقية.
فالدراما المصرية، منذ زمن فاتن حمامة وأسامة أنور عكاشة، كانت عظيمة عندما اقتربت من الإنسان العادي. وكانت تتعثر كلما ظنت أن البطولة الحقيقية تسكن رجال العصابات أو أصحاب الثروات الضخمة.
المثير للسخرية أن بعض الانتقادات الموجهة للعمل جاءت بسبب هدوئه نفسه.
وكأن المشاهد العربي، الذي تعرض لسنوات طويلة إلى جرعات متواصلة من الصراخ الدرامي، أصبح يشعر بالقلق حين يشاهد شخصيات تتحدث مثل البشر الحقيقيين.
لقد أصبح الهدوء نفسه حدثا استثنائيا.
وربما يكون هذا أخطر ما حدث لذائقتنا الفنية.
فالواقع لا يتحرك بالموسيقى الصاخبة. معظم حياتنا تتشكل داخل مطبخ صغير، أو سيارة أجرة، أو مكالمة هاتفية قصيرة، أو نظرة عابرة.
هناك، في هذه التفاصيل التي لا تبدو مهمة، تصنع الحياة.
وهناك أيضا يحاول “ياورد على فل وياسمين” أن يجد مكانه.
ليس عملا عظيما، وليس فتحا جديدا في تاريخ الدراما المصرية، لكنه يملك فضيلة أصبحت نادرة: الصدق.
والصدق، في زمن الضجيج، ليس قيمة صغيرة.
إنه أحيانا كل ما نحتاج إليه.










