يأبى الكلام أن يبوح.. فليكن الصمت

ياسر جمعة

إيمان سعيد

مسافات بيضاء تسكن الصفحات، باحثةً عن كلام. في تكنيك حديث، يترك لك الكاتب مساحات بيضاء لا يكتب فيها شيئًا، سوى كلمة “صباح الخير”، أو “يأبى الكلام أن يبوح.. فليكن الصمت”، أو يتركها دون شيء سوى علامة تعجّب، ليخلق بداخل القارئ حديثًا مع أبطال العمل، أو حديث الباحث عمّا يحدث داخل النص.

“الدفتر السادس”، تجربة فريدة في الكتابة، يضعها الكاتب ياسر جمعة بين يدي القارئ، ليبحث معه عمّا يحدث. دفترٌ كُتبت به قصة حب، وتُرك للبطل على منضدة الأنتريه، لنشارك البطل تلك القصة، التي استخدمت فيها الراسلة الزمن؛ فمع كل رسالة تكتب توقيتها عنوانًا: السادسة صباحًا، أو العاشرة مساءً، ثم تكتب رسالتها، التي تحكي فيها عن مدى حبها للبطل ووصفها له، وعن ليالٍ قضتها معه، وعن الحياة التي تعطي كل شيء لتأخذه بقسوة، عن الشباب والصورة التي تأخذهم الحياة ولن يعودوا ثانية، عن أمها التي تركت والدها من أجل حبها، وعن والدها الذي يخبرها أنها جميلة. تحكي وتحكي عن كل شيء، في إيقاع استخدمه الكاتب لسرد الحكاية بين أربعة فصول، هي: حلول، الورقة، الدفتر، مرايا، منعطف، إيقاع جديد، ولكل فصل تكنيكه الخاص به، ولكن لم تفرّ الحكاية من بين أصابعه.

تظهر بطلات النص تدريجيًّا: مرة صاحبة الدفتر ورسائلها، والعجوز التي تسكن قبالته والتي يحاورها عن طريق لوحات يكتبها لها، وسيدة الشاطئ التي تخبر حبيبته بأنه متى كان الحب بمكان، سيعلن عن نفسه مثل الشمس.

“نظرات ترى الوجه فقط، ونظرات ترى الجسد كله”، تلك هي فلسفة البطل في رؤيته للآخرين، تتضح لنا تلك الفلسفة في علاقته مع صديقة الطريق التي كان يراها وهو يمارس رياضة المشي.

الحياة تعلن هذيانها، القبح هو السيد، أين أنت؟! العالم من دونك غريب. رسالة تكتبها صاحبة الدفتر، لتتركه يبحث ويسأل: من هي الراسلة؟ ويضعك بين شكوك: هل هي زوجته التي فارقته بعد شهر واحد، ليس لأنه قليل الكلام، بل لأنه لا ينطق على الإطلاق؟ أم أنها امرأة تعرفه؟ ليضعك الكاتب بين خطوط كثيرة مفتقدة، لتبحث عنها معه.

المكان بطل لا ينافسه شيء آخر، سوى زمن الرسائل، لينتقل بك بعد رسائل الدفتر التي هذّبت قلبه وجعلته يبحث عن الراسلة طوال الوقت، إلى ذلك الشخص الذي رآه الجيران كل يوم قطعةً ملقاة في سلة المهملات، ليتضح لك أنه هو ذلك الإنسان القديم الذي روّضه الآن الحب، بين كنبة أنتريه واحدة هي أهم أبطال العمل، ولوحة شلالات يسمع من خلالها صوت الماء، وحجرات مغلقة على أسرار، وأخرى مظلمة على قصة حب لم تكتمل. تظهر قطعة ملابس “أندر وير”، فستقى عليها آثار دماء، تخبرك بعذرية ما زالت هنا، لتسأل: هل كانت تلك الرسائل حقيقة؟ ليتركك الكاتب بين ما يشبه اليقظة والحلم، بين المعقول واللامعقول، بين الوهم والخيال، بين سؤالك: هل فارق البطل أصلًا تلك الكنبة، أم أنه يعيش ألف قصة بداخله، ولا وجود لصاحبة الرسائل والجارة العجوز ورفيقة الطريق؟

بغلاف هو أشبه بحلم جميل، تزيّنت الرواية، مثل صاحبة الدفتر التي عجز حتى أن يخلق لها ملامح، رغم أنها تشابهت مع كل من حوله. “الدفتر السادس” تجربة رشيقة فلسفية، تترك في النفس ألف سؤال، مثل أسئلة المساحات البيضاء التي تركها الكاتب عن عمد، ليشغل القارئ كما انشغل بصاحبة الدفتر.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع