فدوى العبود
إلى المهنّد الناصر
هذا الأسبوع حضرت ورشة لصناعة السينما، تعثّرت في الطريق مرتين، لا بفعل الحذاء بل بسبب ألم المفاصل، لا ليس بسبب المفاصل بل بأثر كابوس الليلة الماضية.
ولأننا في مرحلة ما علينا أن نروي حكاية ما قبل أن نغادر، ولأن الكلمات تغري حين تتحول إلى صورة. فقد أردت تعلم السينما، قالت ابنتي أن “الوقت تأخر”؛ في كرة القدم والسينما لا يقبل كبار السن، لان المفاصل في الأولى والحكاية في الثانية تصبح عتيقة.
وقلت سأتعلم كيف أروي بالكاميرا قصة حياتي، وستكون بالأبيض والأسود دون شك وعلى غرار أفلام شارلي شابلن. سيكون كل شيء منظًّما سأروي الحكاية الأصلية وأسقط ما لا يخدم النص، سأتجنب الغضب أو الكراهية والقسوة. لن أذكر خيبة الحب الأول ومرارة الثاني. “قلت”
قالت: ولا قصص القتل. ولا تهدم البيت؟ ولا قصص الخيانة.
-فماذا يبقى من الحكاية؟
قلت: الحقيبة. فالحكايات التي تبدأ بحقيبة تغري بمغامرة. لأننا لن نعود منها كما ذهبنا. ومع أن بعض المسافرين يختفون وبعضهم يعودون بأيد فارغة. سيواصل آخرون السفر مرة تلو أخرى لفهم ماجري.
في قاعة السينما، كل شيء مثالي، ارتفاع خشبة المسرح، مساحات الظل في فجوات السقف، توزيع الإضاءة على وجه الحضور. أعمار المتدربين، والمخرج الذي شرح لماذا نروي الحكاية، وكيف نسقط منها مالا يخدم النص، ونبقي أقل الكلمات في الحوار.
ولكن، ما أدرانا أن الذي سقط هو الجوهر وما بقي هو العرضيّ، ما أدرانا أن الذي ضاع حكايتنا الأصلية وأن ما نرويه ليس إلا اختلاق، وكيف نتجنب الكلمات التي تخدش الأذن قبل اللغة. وكيف نواري أخرى التراب، وكيف نفعل ذلك دون أن نجعل الحياة جزءًا من مشهد منسيّ”
وهل هذا ما يريده مخرج الفيلم؟
هذا الأسبوع حضرت ورشة لصناع سينما، لأسرد قصتي ولكن تعثرت في المشي. فكيف أروي ما أشعر به الآن. حتى لو كان المخرج الفيلم بارعًا، والتلاميذ لطفاء كالقطط الوليدة التي تتلمس مغمضة طريقها للثدي.
كانوا يتعلمون زاوية الكاميرا، وكيف يكونوا عشاقاً حقيقيين فوق المسرح، وكيف يقتّرون في الشغف والمشاعر ضمن الكادر، وكيف يعودون من حروب الذكريات بلا صور. وكيف يحدقون في وجوه بعضهم البعض كالسجناء، متى يهمسون ويصرخون. متى يتوقفون ومتى يتصنّعون الأسى.
وحين جاء دوري طلب مني أن أسقط –من حياتي- مالا يخدم العرض ولا يجذب المتلقي ولا يحقق البيع في شباك التذاكر!
حينها نسيت الحكاية ولم أنس الخدوش التي سببتها!
هذا ما يفعله تحويل الحياة إلى كلمات. والعمر إلى لقطات. حين يصفق الجمهور للعرض.
فوق المسرح واجهت العيون التي تنتظر، تلعثمت، وتذكرت أن الجرح يتعفن إذا تركناه دون ضمادة، وأن الألم يصبح نكتة، وأن في النكتة بعض البكاء. وأن بعض الجروح بلا دماء. وأن بعض التجارب رضّ.
قال المخرج: أن علينا مراعاة المنظور، فقاتلٌ في جهة، بطل من زاوية أخرى. وبيتًا تهدّم في الحرب أضرار جانبية لمن لم يشهد الحرب، كما أن عيني والدي المفقوءتين ضرورة جمالية يحتاجها العرض. أما خيانة الحب فهي كخيانة النص وجهة نظر لا فرض.
هذا الأسبوع تأخرت عن الجلسة الأولى، وحضرت الفيلم من منتصفه، وكان “دجاج اميرالاي” ينتظر في الأقفاص الصغيرة، والتلاميذ الذين لم يبزغ الريش فوق ظهورهم، يتعلمون الطيران برؤية الطير الوحيد الذي لا يفعل ذلك.
جربت الطيران مرة لكني وقعت، ومن ثم جربت، ومن ثم حاولت وحين نجحت أطلق علي رصاص كثيف. ومن تلك اللحظة وكما يقص الناس من حياتهم كل ما يؤلمهم تعلمت قصّ الأجزاء الجريئة من حياتي. فقد اكتشفت أن الفيلم تالف، والأجنحة التي نمت فوق ظهري تساقطت ليس بفعل المقص بل بفعل الريح.
هذا الأسبوع قررت أن أروي ما حدث لكن تأخرت، فمن أين أبدأ رواية ومن أين تروى الحكاية!
قال المخرج وهو يدور حولنا: إن التفاصيل مهمّة ولكن تلك التي تخدم النص وعلينا في هذه الحال ألا نترك صوتًا ولا صورة دون توظيف، استشهد ب تشيخوف: عليك إن ذكرت مسدسًا أن تستعمله.
وبهذا وضعت مسدسًا قرب السطر الأوّل من حكايتي!
في الجلسة الثانية كان المسدس في جيبي، وقال المخرج أن المسدس يعني أن يكون هناك قاتل وقتيل وفكرت أن القتل كثيراً ما يحدث دون أيّ دماء!
وكان المخرج يحمل الكاميرا في يد ويشير بالأخرى، وقال إن زاوية الرؤية ليست صورة فقط بل فلسفة!
لم يكن أي ممن أعرفهم، في صلب الحكاية التي أنوي روايتها كان هناك كاميرا ومسدس.
تابع المخرج: وعلينا أن نتفق على الحبكة ونوع النص، التراجيدي في الكوميدي والكوميدي في التراجيدي، وقال ماذا لو جعلناهما نصاً واحداً، وقال سقراط لا يمكن خلط الجد بالهزل! ولا الألم بالسعادة، ولا الخفة بالثقل!
قال النص: عليك أن تختار.
لكن المخرج محتار! قلت وأنا أغادر شاشة العرض
وهذا الأسبوع حضرت ورشة سينما، وقيل إنهم في هوليوود يدفعون كثيرا لتأليف حكايات مشوّقة! وقلت في الحياة يحدث التشويق مجانًا. وقال المخرج حتى لا نضيّع الموضوع في المأساة أين تقترحون وضع الكاميرا؟
تحدث عن حقوق النشر، وثمن بعض الوجوه، والثمن الأهم لبعض المؤخرات، السرّة في هذا المجال أسقطت من الحساب. وانتبهوا أن لكل شيء ثمن وهذه المرة لن يكون من جيبك بل من قلبك!
وقال أحدهم: سنبدأ من قصة حب! ثم صفق بيديه هذا سيجعل الأمر اعتياديًا، فلنبدأ من قصة أكثر جاذبيّة! وفي هذا المجال قابيل أهم من هابيل، فقوة القلب تجذب الجمهور. والقاتل يفوق الضحيّة.
وقلت إن الحب يجعل الفيلم مثاليًّا! وقال المخرج لكن حديثنا هنا ليس عن المثالية.
وبهذا نبدأ من القتل وهذا يعني الكثير من المسدسات والدماء!
وقال إن الحكاية-حكاية أي منكم- لا تهم في هذا الشأن فالتمويل هو الأساس والمنتج الذي يقتنع بحكايتك سيدفع أو يرميها في النسيان!
استيقظت صباحًا لأوري حكايتي، وحين وصلت كانت خمسون عامًا مرّت
وصلت متأخرة “قال المخرج”؛ وهنا نروي الحكايات الطازجة كصغار الطير، وعلى المنتج وكاتب السيناريو أن يرووا حكايتك نيابة عنك.
من أين تحبين أن نبدأ!
فوق المسرح اكتشفت أني كبرت، وأني تهت، ولكن وصلت. والمخرج يتحدث عن الرحلة، ويقول علينا دائما حين نحكي عن رحلة ما أن نبدأ من أكثر نقاطها توتراً وإثارة
رحلة جلجامش بحثاً عن صديق، أم رحلة سيزيف لإيصال الحجر. ولاحظوا –أضاف المخرج- أن الرحلة لنتعلم منها، ولاحظوا أيضاً –قال من جديد-أن هناك النداء الذي يدعو البطل، وتأملوا في العوائق التي يختبرها، والاغراءات التي يقاومها.
وقلت: إن رحلتي كانت على الضدّ من كل ذلك، وأن مخرج رحلتي وضع الكاميرا في أشد الطرق انحداراً، وقلت أيضاً رغم أني خرجت من ذلك كله دون حذاء إلا أني حملت مسدساً سأستخدمه بطريقة ما، فبعضهم يقتل المخرج، وبعضهم يقتل نفسه وأنا سأقتل كاتب السيناريو
وقال المخرج يمكنك أن تأخذي دور الجدّة أو الأم أو العاهرة، لكن دور الحبيبة ليس على مقاس زمننا. وقلت يمكنني أن آخذ دوراً آخر، ليس دور الضحية على أي حال. فقد مللت هذا الدور. وهناك فوق المسرح، كان كل شيء مثاليًا الإضاءة والمخرج والحضور، ولأن كل شيئ مثالي على أن أخرب الحبكة وأفسد الحكاية وأن أبدأ باستخدام المسدس، وبينما تسيل الدماء بين المقاعد رحت أروي حكايتي وأكتب القصة.
……………………..
*كاتبة سورية
















