نهى محمود
تنحت أميرة بلغة قوية ومشهدية متقنة ثلاثة جبال وبحيرة، وبينها أسطورة تلقى ظلالها الداكنة على القبيلة وجبل الجراد.
تورطك الرواية فورًا داخلها؛ تراقب الفتاة في رحلة تسللها من البيت إلى شاطئ البحيرة، حيث تصنع نايًا من الخوص وتخفيه في مخبأها. تتسلل عائدةً إلى القبيلة لتلحق بالعرس. نتابع بفضول طرف خيط الحكاية، قبل أن تسلمه للعرافة “نيماتودا”، التي ورثت المهنة عن أمها حين أمسكت عصاها، فاختفى خنصرها، واكتست العصا بجلد ثعبان ناري متوهج. هي سليلة الجد العراف الأول، الذي رأى طائر النيمباكو الأسطوري في المنام، فأعطاه قوته، وكشف له “أرض القبيلة”.
هناك حيث نشأت اللعنة، وطقوس وأدها بزواج “المختارين”: الفتى والفتاة أصحاب الوشم السحري، ثم موت الناس، وابتلاع البحيرة للتوابيت، بينما يزحف الجراد ليلتهم جبلًا وراء جبل، حتى يتبقى “جبل الجراد”، كما أطلق عليه أهل القبيلة.
تنسج أميرة بدوي خيوط عنكبوت محكمة؛ موهبة كبيرة وجادة لا تخطئها العين ولا الإحساس الذي يمتلئ بالحكايات داخل الرواية، فتشعر أن هناك تماهيًا بين ما ترويه الرواية والتقنية المستخدمة في الكتابة. تشعر أنك أمام خطة قتال، روح صلبة وتخطيط جيد، يدور عقلك داخل خدع الحرب وخيانة الحلفاء وشجاعة الأسرى.
تتورط حقيقةً داخل ما يدور، كأنك تقرأ تاريخ البشرية المخترع، الذي يبدو كأنه حكاية الناس الحقيقية.
هؤلاء الناس “شعب التمباكو المعزول عن العالم منذ البدء.. مؤامرات الأسرة الحاكمة ضد بعضها، جيش الباشا وسفينته التي تأسر شعب القبيلة كله، خطط الخلاص، وطأة الخيانة والفشل.
الموت، والجثث التي تُلقى في البحر أو يخترقها الرصاص والخناجر، جثث أناس كنت تظنهم أبطال الرواية، وأنهم آمنون بحكاياتهم ومواقعهم داخلها، وسيصلون معك إلى الصفحات الأخيرة، فتشعر أنك فقدت أصدقاء.
الهزيمة والاستسلام، ثم الأمل والثورة من جديد.. لحظات الانطفاء، ثم التوهج من جديد “البزوغ”.. السلاسل الحديدية التي تربط أقدام الأسرى وأيديهم، وتعلقنا نحن أيضًا في حلقاتها بما يحدث في هذه الرواية.
رواية “هوامش من دفتر الأنفار” تدخل القارئ إلى غيمتها.. ليس الأمر كأنك ترى حقيقة الجبل والسفينة والقبيلة الخبيئة، والمؤامرات والخوف والأمل.. ليس كأنك تراه، لكنك داخله بالفعل، تتلصص على العالم الذي يتلصص هو بدوره على بعضه.
أجيال العرافيين والجنود والأنفار، أبناء القبيلة والأسرى، وسكان قصر الباشا وأولاده “بليغ ومراد”.. أنت داخل غيمة مقبضة، غامضة، مثيرة للفضول، تدفعك داخلها؛ تتورط، فتصبح داخل عاصفة ترابية وسط صحراء تطوق جبل الجراد وتحيط بالقبيلة، أو إعصارًا وسط البحر يدور حول سفينة الباشا وسفن جيش الثوار.
لا تقص الكاتبة مجرد حكاية أو أسطورة اخترعتها عن قبيلة وطائر أسطوري ووشم ووعد، ولا عن جنود وقائد قبيلة وسلطة، أينما وجدت أفسدت العهود وخربت النفوس.
لا تحكي فقط عن تلاعب البشر ببعضهم البعض، قدر ما يتمكنون وتطول أيديهم، حيث يزيفون العلامات وينشرون النبوءات الكاذبة لأجل السيطرة والسلطة.
تقدم هذه الرواية قصة البشر أينما وجدوا، وصراعتهم الشرسة السخيفة على هذه الأرض التي نعرفها، أو في أرض الحكايات والأساطير المخبأة بفعل السحر أو التضاريس أو الصدفة.
تقدم أيضًا تضحية بشر آخرين في سبيل الأرض والحرية والضعفاء؛ الحرية كغاية غالية، يخوض لأجلها العبيد والأبطال مخاطر مستحيلة، مدفوعين بالأمل والحلم.











