ناظم ناصر القريشي
ثنائية الوجود على حافة الغياب
بين الأثر والارتعاش، يحمل عنوان الديوان» ظلٌّ ورجفة «مصحوبًا بعنوانه الفرعي» أغنياتٌ للريح «ثنائية وجودية عميقة: فالظلّ يُشير إلى الأثر الباهت، المتلاشي، غير الثابت؛ والرجفة تُجسّد الحركة المضطربة، القلقة، غير المستقرة. هذه الثنائية ليست زخرفية، بل تشكّل العمود الفقري للديوان كله: وجودٌ باهت يرتجف على حافة الغياب، وذاتٌ تبحث عن معناها في عالمٍ يرفض الثبات.
صدر الديوان عن دار المرايا للثقافة والفنون (2023)، وهو امتدادٌ لتجربة شعرية متميزة للشاعرة ديمة محمود — التي تتميّز بحسّها التجريبي، وجرأتها في تفكيك اللغة، وإعادة تشكيلها كجسدٍ حيّ يتنفّس ويرتجف. تُرافق النصوص رسومات الفنان صفاء إسكندر، التي لا تُزيّن الديوان، بل تدخل معه في حوار بصري-وجودي، ليغدو الكتاب معرضًا شعريًا–تشكيليًا متنقّلًا.
اللغة الحيّة: الانزياح، التحويل، والمعجم الخاص
تتعامل ديمة محمود مع اللغة ككائنٍ عضويّ يعيد تشكيل ذاته من شظاياه، عبر معجمٍ شعريٍّ قائمٍ على ثنائياتٍ متقابلة: الظل/الرجفة، الوصل/الانقطاع، العضوي/التجريدي. اللغة هنا ليست وعاءً للمعنى، بل جسد المعنى ذاته — ينزف، يرتجف، يتشظّى.
• انزياح السياق وإعادة التشكيل:
“لكنها الماهيّات تتكوّر حدّ نقطةٍ فيُجرحُ جنبُ المسافة”
هنا تتحوّل المفاهيم المجرّدة إلى كائناتٍ مادية، في تحوّلٍ دلاليٍّ يخلق جغرافيا شعرية جديدة — حيث المسافة تُجرح، والماهيات تتكور كالأجسام الحيّة.
• تفعيل الجماد والمعجم المميز:
“الصمتُ إكسيرٌ مُواتٍ لطيورٍ كثيرةٍ تلوحُ في سقفِ الغرفة”
الصمت يصير سائلًا حيًا، والطيور تحلّق في فضاءٍ داخليّ مغلق — كناية عن الهواجس أو الذكريات.
يتكرّر في المعجم الشعري: الغبار، الرمل، الركام (للتفتّت)؛ العظام، الجماجم (للأثر)؛ الطريق، المسار (للرحيل)؛ النور والظل) للحضور والغياب (
• اللغة ككائن مشترك:
“تخرجُ للتوّ من التراب وتتصرفُ بغرابةٍ”
الذات هنا كائناتٌ متشظية تنبثق من التراب، في نسيجٍ نصيٍّ يعيد تشكيل العالم من شظايا التفاصيل اليومية.
اللغة ليست أداة تواصل، بل كيانٌ يشارك في صنع العالم — بل ويُعيد خلقه من جديد.
الصورة والثيمة: تشظي الذات والزمن
الرؤية الشعرية تتكوّن من اندماج الصورة بالثيمة في نسيج وجودي واحد. الصور المتأرجحة بين التجريد والحسّي تعكس ثيمات التشظي والغياب.
• ذات مشتتة في صور مرآتية:
«وزعتُ أشباهي في سردابٍ / ونأيتُ / أرمقُ بحذرٍ أنايَ تنسلُّ أسرابَ سلاحفَ»
الذات تتحول إلى أشباح متعددة، مرايا متكسّرة تبحث عن يقينها.
• زمن متآكل في ندوب الجسد:
«لا أريدُ لندبةٍ تحتَ ترقوتي أن تزول… أشوفُ فيها ثلاثةَ عقودٍ من أزمنةٍ شتّى»
الندبة تصير أرشيفًا وجوديًا يسجل أثر الزمن.
«صريرُ اليقين تحتَ سماءٍ بلا قرار»
اليقين نفسه يتحول إلى صوت مادّي متصدّع.
• غياب مقيم في فراغ الأسئلة:
«انعتقَتْ لتتركني على مقربةٍ من فُوّهةِ السؤالِ لا أستدلُّ عليه» الغياب يتجسد ككائن قائم بذاته يترك الذات أمام أسئلة بلا إجابة.
«هواجسي البيضاءُ تصرخُ عن كثب»
حتى المجرد يكتسب لونًا وصوتًا.
الميتافيزيقا اليومية: تحويل العادي إلى استثنائي
يمتلك الديوان قدرة لافتة على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز وجودية، في صلة جمالية مع ما فعله جورجيو دي شيريكو في لوحاته الميتافيزيقية — حيث يغدو العادي غامضًا، والمألوف مخيفًا، والبسيط مقدّسًا.
«أعدُّ قتلايَ وأملأ النهر» — النهر اليومي يصبح فضاءً للغياب.
«إزميلي ضاع من الوحشة» — الأداة العادية تتحول إلى شاهدٍ على العزلة.
«ليلٌ عصيبٌ والسكيّن معي» — السكين المنزلية تصير حضورًا مهدّدًا.
«أضيّعُ وقتي في مواءمةِ أجزائه» — اليومي يكتسب دلالة عبثية عن تشظّي العالم.
هكذا يُستخرج المقدّس من فتات الحياة، ويغدو اليومي نافذةً على الغياب — أو بالأحرى: مرآةً تُظهر ما يختبئ خلف العادي.
الفيزياء الشعرية: اللغة كموجةٍ اهتزازية
القصيدة في «ظلٌّ ورجفة» لا تتحرك بمنطق الخط المستقيم، بل بمنطق الظواهر الكوانتية، حيث الكلمة نفسها تتصرّف كجسيمٍ وموجةٍ في آنٍ واحد، كأن النص مختبر اهتزازي للغة:
• موجة/جسيم: الكلمة كثافة مادّية «ندبة تحت ترقوتي» تترك أثرًا في الجسد، ثم تتموّج كذبذبة صوتية «صريرُ اليقين» تتردّد في الفراغ. اللغة هنا طاقة مضغوطة حينًا، وانفلات هوائي حينًا آخر، أشبه بجسيم فوتون يلمع ثم يتلاشى.
• التراكب: الصورة الشعرية تعيش أكثر من حالة في الوقت ذاته. «السكين معي» ليست مجرد أداة منزلية؛ إنها حضور مهدِّد، وأيقونة للانفصال، وأثر للعنف الكامن. القارئ لا يختار معنى واحدًا، بل يواجه جميع الاحتمالات كما لو كان أمام تجربة كمومية لم تُحسم بعد.
• الانكسار الإيقاعي: الإيقاع يتفتت كما ينكسر الضوء في منشور؛ لا موسيقى منتظمة، بل طيف متعدّد من النبرات. سطر يتوقف فجأة، آخر يتردد كرجفة وترٍ مشدود، وثالث ينفلت كصوتٍ غير مكتمل. الرجفة في العنوان ليست فقط صورة، بل هي جوهر الإيقاع نفسه.
• الفراغ كطاقة: البياضات ليست صمتًا محايدًا بل فضاء مشحون بالاحتمالات، كما في الفيزياء حيث الفراغ مملوء بجسيمات افتراضية. توقف النصوص وبياض الصفحات يخلق توترًا أشبه بطاقة مظلمة، يضاعف من توهج الكلمة حين تظهر.
بهذا تصبح القصيدة ظاهرة اهتزازية، تُرصَد كما يُرصَد البرق في لحظة ظهوره، لا تُقرأ كمجرد نصوص على الورق.
تركيب فني كلي: شعر، لوحة، موسيقى، سينما
• البنية التشكيلية: البياض كصمت، الجمل كخطوط مرتعشة، الألوان اللفظية بين الأبيض والأسود والشفاف.
• الموسيقى: أصوات مهموسة «صريرُ اليقين» تتجاور مع الصمت كجزء من التوزيع.
• السينما: لقطات مقرّبة «ندبة تحت ترقوتي»، لقطات ذاتية «أرمقُ بحذرٍ أنايَ…»، مونتاج متقطع «من الغبار إلى الملائكة في البئر».
• الرسوم: لوحات صفاء إسكندر تضاعف رجفة النصوص: أجساد متكسّرة، خطوط مرتعشة، فراغات سوداء. اللوحة لا تفسر القصيدة، بل تشاركها الاهتزاز.
أنثروبولوجيا الظل: السيرة البديلة للكائن
الظلّ ليس انعكاسًا ضوئيًا فحسب، بل ذاكرة أنثروبولوجية للجسد منذ الكهوف الأولى — أرشيف الصمت، شاهد الغياب، مرآة الذات حين تختفي.
“يا ظلّيَ النازحَ في الجدار خذني معك / واغرس نزوةَ الصخر في كتفي فألزمُ الريح”
“يا ظلَّه المختبىء من الزحام أمسك يدي”
القصيدة هنا أداة لاستنطاق الأرشيف الصامت للوجود — حيث الظلّ هو البديل الوحيد للذات حين تغيب، وهو الوحيد الذي لا يخون، لأنه لا يملك إرادةً سوى متابعتها. في هذا السياق، يغدو الظلّ السيرة البديلة للكائن سيرته حين لا يكون، أو حين لا يُرى.
خاتمة: شعرية اللايقين
“ظلٌّ ورجفة” ليس مجرد مجموعة قصائد، بل عالم شعري متكامل يعيش على حافة اللايقين. اللغة بطل الرواية: تتحرك، ترتجف، تنزاح، وتتكسّر لتصوغ يقينها المؤقت.
يُفتتح الديوان بعتبة للشاعر الإيطالي سلفاتوري كوازيمودو:
“كل إنسان يقف وحيدًا على قلب الأرض… وفجأةً يُقبل المساء”
وهي ليست من نصوص الشاعرة، لكنها تفتح النص على قدرية الوحدة. من هنا، يُختزل الديوان كرحلة للإنسان بين الضوء والظلام، بين الأثر والرجفة، بين الحضور والغياب.
بهذا، يغدو «ظلٌّ ورجفة «منتَجًا فنيًا كليًا — يدمج الشعر مع التشكيل والموسيقى والسينما، ليكشف صورة الكائن الهش، المرتجف، الباحث عن معنى في زمن اللايقين.











