مريم العجمي
بدايةً من العنوان (عازف التشيلو)، الآلة الموسيقية الأقرب لشكل الجسد الآدمي، وبالأخص الأنثوي، ومن هذا المفتتح:
«هذه ليست معزوفة موسيقية، لكنها حنين شخص للعودة إلى ذاته.»
لشوبان؛ نستنبط المزيج بين الموسيقى والألم، وهموم المرأة والتطهر بالفن.
هل هناك علاقة بين الألم والفن؟
سؤال أبدي قديم قِدم الفن والألم ـ شريكا الإنسان في روحه ـ وقد يكون طرح السؤال هو الإجابة الأولى عن الإشكال، بما أن دور الفن الأساسي هو طرح الأسئلة لا تقديم الإجابات، وكذلك الألم: سؤال في الروح والجسد، قلق وحيرة، وخز السؤال، قد يجد سبيله في الفن إلى الراحة، وقد تتضاعف الأسئلة بلا إجابة.
لعبة كسر الإطارات في القصة والحياة
يختلف الطرح الإنساني للفن من أدب وموسيقى وتمثيل ورسم ونحت وغيرها من الفنون، ومع السعي الحداثي وما بعده لمزج الفنون وربطها معًا، والخروج عن الشكل المألوف والتقليدي وكسر الإطار. تسعى شيرين في كل عمل تقدمه إلى كسر الإطارات التقليدية للكتابة، من تركيبة الحكاية والأبطال، ومزج الواقع بالفانتازيا، والتجريب بخلطات تخصها دون التقيد، حيث تجمح بالخيال فتختلف الرؤى والتأويلات من قارئ لآخر.
تكسر شيرين المعتاد في قصتها (عشرة دقائق مقدسة) بين زوجين اعتادا طقسًا معينًا طيلة حياتهما الزوجية، في حياة روتينية منمقة منظمة. ماذا لو اختل هذا النظام الصارم؟ هذا الطرح الناعم لسؤال حلزوني لا يمكنك التقاطه، ويكون في هذه الحالة حيلة لدفع المزيد من القلق والحيرة في النص.
البيت نافذة من الذات إلى المجتمع
تدور عدد من القصص في إطار البيت: زوج وزوجة، أم وأبناء. هذا الإطار الحميمي الحريري، لكن بالاقتراب والتدقيق تلمح الثقوب والتصدعات في العلاقات والأزمات الحادة والمعقدة. الزوجة والأم المشتعلة بالفن في صدام بين ذاتها المبدعة وواجباتها تجاه البيت والأبناء.
في القصة التي تحمل عنوان المجموعة (عازف التشيلو) يتجلى المأزق للزوجة المازوخية وتلذذها بالألم:
«- اضربني! كررت الكلمة أمامه كثيرًا وبإلحاح كأنما تتوسل، ثم دفنت رأسها في الوسادة وأولته ظهرها، وتركته غارقًا تمامًا في الدهشة.»
في المقابل، يحاول الزوج العازف رتق الجروح الخفية، وهنا يتجلى دور الفن كعلاج لعذابات الجسد والروح. يستبدل الزوج المرأة بآلة العزف في مشهد شديد الشاعرية والابتكار، محاولًا تنحية الألم جانبًا، وفي المقابل يبرز الإبداع:
«لم يعد يشغل باله سواها، حتى جاءته إحدى الأفكار الملهمة مرةً. ليلتها، وبعدما استسلمت له، وحين شعر بها تقترب من نقطتها المربكة التي تبدأ فيها بالتوسل، نفذ لها رجاءها. التقط القوس ليترك أثره المعتاد على جسدها حتى تأكد من انتشائها التام.»
بين اللحظة الحميمية وتحويلها إلى لحظة إيلام وجلد للذات، تختار الأنثى العقاب، لكن الفنان اختار الإبداع كخيار مُرضٍ، وتحولت اللحظة إلى إبداع فريد مُخلِّص من شوائب الطفولة العالقة، ومن سموم المجتمع الضاغطة، فيتحول الجسد إلى أداة للجمال:
«طلب منها أن تجثو أمامه على ركبتيها بعدما أولته ظهرها. بينما جلس هو على مقعده الموجود في أحد أركان الغرفة التي يخصصها للتدريب على العزف في غير أوقات النوم. ركّب طوقًا رفيعًا من المطاط حول رقبتها، ثبّت فيه خمسة أوتار، بزيادة وتر عن عدد أوتار التشيلو المعروفة. حين انتهى من تثبيت الأوتار، طلب منها أن تقف. ارتكزت على كفيها حتى استقامت أمامه بظهرها المفرود. ركّب طوقًا آخر تحت خصرها بقليل. همّ واقفًا بعدها ليتأكد من شدّ الأوتار بإحكام من الرقبة إلى الخصر، والعكس. ضبط الأوتار من خلال مفاتيح ثبتها بإحكام أعلى الرقبة، مما جعل ذقنها تبدو منخفضة قليلًا عن المعتاد. لم تكن حينها على درجة من الوعي أو التركيز لتفهم ما يفعله بها، إلا أنه غدا متأكدًا أنها أصبحت جاهزة تمامًا للعزف.»
يحللها الفن ويكشف عن ندوب قديمة في روحها، ويعالج الكثير منها بالطواف حول ذكريات أليمة تحاول التخلص منها لتعود شخصًا سويًّا:
«تعلّم أن يتخللها بروح العازف حتى تشربته. بدأت تشعر أن كل حركة من قوسه ترتق ثقبًا في روحيهما. كل ضغطة من أصابعه الرقيقة خلف رقبتها تقتل ذنبًا لم يرتكباه أو حتى لم يتعرفا إليه. كان يعزف بينما تحكي، وأحيانًا يفعلان العكس، حتى تحررت بعض الأصوات من جسده أيضًا.»
الفن، بوصفه مبحثًا عن الحرية على جميع المستويات الاجتماعية والجسدية والنفسية، يلعب دورًا قويًا في التعرف إلى الذات وتقديمها للآخر. والصوت هو البصمة المميزة التي تفرِّق إنسانًا عن آخر. ما الذي يحدث إذا فقد الإنسان الموهوب هِبته في غمرة مسؤوليات الحياة ومشاغلها؟ في قصة (الصوت المفقود) تفقد البطلة صوتها ـ هِبتها المنسية ـ في خضم ضغوط الحياة وقلقها. تقرر الزوجة والأم ترك كل شيء خلفها، وتذهب للبحث عن هذا الصوت الذي يعبر عنها بشكل أو بآخر. قد يصفها المجتمع بالرعونة والتهور لتخليها عن الأطفال، لكنها تبحث عن ذاتها، والتي إن فقدتها فلا قيمة لشيء آخر.
تدور قصة (شوربة الأقدام) في إطار المنزل: زوج يمارس ساديته على الزوجة ويتلذذ بتعذيبها بأبشع الطرق، وتكتشف الزوجة متعة اللعبة فتمارس عليه سادية بسادية؛ فالعنف والقهر لا يأتيان إلا بالمزيد.
ومن قصص المنزل أيضًا قصة (دخان أبيض)، والبيت هنا أم وعمة وابنة. تتقاسم الأم والعمة الدور الأمومي مع الفتاة الصغيرة، التي تتعلق منذ صغرها بالموسيقى والعزف والآلات. تتوهم الأم والعمة أن بالبنت مسًّا شيطانيًا، ويحيلان الأمر إلى الشيوخ. تتضاعف عذابات البنت بحرمانها من الموسيقى كما أمر أحد الشيوخ، بوصفها معازف الشيطان، إلا أن الفن يتلبس بها على كل حال.
وفي قصة (غرفة سامسا)، تلعب شيرين تناصًا مع رواية المسخ لكافكا؛ الأم التي تمسخها ثِقل متطلبات الحياة والأولاد وفقد الزوج، وبين رغبتها في التحقق، فتتكوم على نفسها بلا حراك، وتدخل في نوبة انفصال تام عن الواقع، واستسلام ثقيل سوداوي إلى اللاشيء.
خلال رحلة الإنسان في البحث عن ذاته، فإنه يبحث عن الجمال الداخلي والخارجي، ويستكشف ذاته من خلال الآخرين. تبرز قصة (أقبح امرأة في العالم) لتنقّب عن حقيقة الجمال: ما الجمال؟ ما الذي يجعل الإنسان يرى نفسه جميلًا أو قبيحًا؟ الزوجة التي نذرت روحها لنسبية القبح وحرمت نفسها من لذة الحياة تحت تأثير هذا الوهم، وكيف أن هذا القبح لا مكان له إلا في خيالها. قد يحصرها الآخرون في أدوار ليست لها بلا طائل، ويكون الناتج أرواحًا منكسرة قد تنجح المحبة فقط في شفائها.
ما الحقيقة، وكيف نبحث عنها؟
«تقول: أنا لا أعرفني. تلك التي تطل من المرآة ليست أنا، والأخرى الثابتة بلا حراك في ألبومات الصور لا تشبهني. والوجه الذي أصوّره بنفسي على كاميرا الهاتف الأمامية يشبهني إلى حدٍّ مخيف، لكن ملامحه تهمس لي بمنتهى الخبث أنها ليست أنا.»
يسعى الإنسان بشتى الطرق إلى اكتشاف العالم من حوله، واكتشاف . ذاته مفتاح وسبيل عظيم لذلك، ويتم هذا المسعى بالمراقبة. تسعى البطلة في قصة (أنا الحقيقية) إلى مراقبة ذاتها بشتى الطرق، حتى إنها تسعى إلى اكتشاف حقيقتها كغريبة عنها، كأنها آخر أو كاميرا مراقبة. تسأل الآخرين عن حقيقة ملامحها، وتشُكّ في تفاصيل وجهها وتقاسيمه وعلاماته. قد يبدو الأمر فنتازيًا، إلا أن معضلة الإنسان الأولى والأهم هي اكتشاف ذاته، ولو باكتشاف الآخرين، حيث يجد نفسه مقسّمًا وموزعًا في العالم؛ فيه من صفات البر والبحر والجو، وخصال البشر المختلفة وطباعهم. يسعى بلا هوادة إلى التعرف على الحقيقة، وقد يستغرق الأمر عمره بالكامل ولا يصل.
ومن وسائل الإنسان للتعرف إلى ذاته وضع نفسه مكان الآخر. في قصة (حيل الاستبدال) تراقب البطلة ذاتها من بعيد كأنها آخر:
«أستبدل يدي لو عاقبتها المدرِّسة، أستبدل أذني لو سمعت لفظًا سيئًا من أحدهم، أستبدل جسدي لو لامسه غريب بالغصب في الشارع.»
«لا أعرف هل قادني الاستبدال إلى تعلم الانفصال، تلك الحيلة الجديدة التي أتقنتها مؤخرًا. أنفصل عن نفسي وأنقسم إلى نصفين متنافرين، أظل أتأرجح بينهما، حتى ينتهي بي الأمر في أحيان كثيرة إلى فقد الجزأين معًا.»
أنت محور عالمك ومركزه، لذا فإن مدخلك إلى إدراك حقيقة ما حولك يكمن في ذاتك، وهذا ما تفعله شيرين في الكتابة، محاولة تفكيك ذاتها المختفية المتناثرة في الحكايات، وتفهمها جيدًا، وتقديمها بمقادير مجرَّبة مختلفة، ومزجها من روحها وأوجاعها، لتقدم عزفًا مغايرًا للألم.
…………………….
* المجموعة صادرة عن دار العين، وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى 2026.










