حسام المقدم
“تسألني عن طبعي.. أحب الصمت، وكلامي بحساب. إذا تغيّرَ وجه أحد لكلمة مني أسحبها وأُغيّر الموضوع. قد أظل منشغلا بكلمة ما، أو أسترجع نظرة ليست محايدة: غاضبة أو نافرة أو راغبة في شيء. في مرات كثيرة أسأل نفسي بعد أن سلّمتُ على صديق ومضى كل منا: لماذا لم يلتفت مثلي ليرى هل نظرتُ إليه أم لا؟”
“حسّاس؟ وصف جميل يفضله كثيرون، لكني متردد، خائف على الدوام من شيء ما يختبئ لي، رغم عدم حدوث أمر مؤثر في حياتي السابقة.”
“حياتي عادية، ليس فيها جديد، ولا أريد ذلك.”
“منذ متى؟ أعتقد من سِن خمسة وأربعين، أو قبلها بقليل، زاد التزامي وتمسُّكي برِتم حياتي.”
“أعني حرصي على ضبط أموري، دون مفاجآت قدر الإمكان.”
“نعم فكّرتُ في السبب، وقلت: اعتياد الوظيفة لسنوات طويلة، بمواعيدها وخط سيرها ووجوه الزملاء وسندوتشات الطعمية والفول. مع الوقت يصبح مرور الدم في الشرايين مثل الماء الفاتر، ويتجمد الأدرينالين في الثلاجة.”
“ما يمكن أن يُخرجني عن الخط الاعتيادي لأيامي هو أي جديد يحدث لي، قد تكون نملة على حائط، أتوقف لأتابع سيرها ومدى قدرتها على الوصول لسرب النمل الصاعد. في الليل يتوتر نومي بسببها، أحس بزلزال.”
“لا تتعجب، فعلا زلزال يرجُّني كأن كهرباء أمسكت بي. تعرف أنني فوق الخمسين، ولم أعد أحتمل.”
“أصدقائي اثنان: واحد يعمل في مدينة بعيدة ولا أراه إلا يوم الجمعة، نقعد في بيته وسط عياله الذين يتنططون حولنا. والثاني يتكلم باستمرار عن مشاكله مع زوجته وأولاده.”
“لا أحضر الأفراح. قد أذهب إلى المآتم، الناس فيها يشبهون بعضهم في الهيئة والتزام الحدود. جوها يناسبني.”
“أميل إلى النفور من الزحام، زحام الوجوه والأصوات والأفكار. هذه الدائرة التي تقترب مني وتضيق، أختنق بالبطيء، وألتمس أي فرصة للهروب.”
“أكون مع نفسي.”
“نعم، ربما يطول ذلك.”
“أعرف أنك على علم بموضوع اكتئابي المتكرر.”
“آخر مرّة دخلتُ في عزلة امتدت لأسابيع.”
“لا، لم أعد مباشرة للعمل، المدير والزملاء أخذوا لي إجازة طويلة.”
“ما حصل في الشارع كان بعد رجوعي للشغل.”
“نعم.. لا، لم أكن عاريا!”
“بملابس البيت، فانلة وشورت.”
“أوقفتُ أشخاصا في الشارع وسألتهم: انظر، انظري: هذا الشاب، هذه المرأة مع طفلها، الرجل هناك جنب السور، إنه ميت، ألا ترى؟ مشيته المشدودة دون التفات، ونظرة عينه الثابتة.”
“كانوا يتركونني، ويمضون لحالهم بعيون ساخرة مشفقة. أغتاظ من هذه النظرة، أتذكر نفسي ولدا في المدرسة، أستميت في إقناع زملائي بصحة إجابتي عن سؤال في الواجب. يحمر وجهي وتسخن أذناي، آه لو كان في إمكاني إجبارهم على تصديقي، بدلا من انتظار الأستاذ ليؤكد كلامي. طاقة رهيبة أختزنُها ضد سخرية وشفقة تلك العيون.”
“تريدني أن أتكلم عن الشارع وموضوع الأموات، هم أموات وأنت تعلم.”
“يوجد أحياء بالطبع، لكنهم ليسوا مميزين وسط الجموع الكثيرة.”
“أنا؟ وماذا يهم إن كنت من الأحياء أو الأموات؟ اطمئن، لن أنزل إلى الشارع بالفانلة.”
“لأنني مشغول بأشياء أخرى في الوقت الحالي.”
“أشياء ربما تخصك!”
“نعم أنتَ، يا مَن تعرف جيدا هذه المدينة، مدينة الأرصفة المكسّرة، والماشين بعيون مفتوحة مثل الأسماك الميتة.”
“لن أهدأ، أرى في عينيك الإشفاق والسخرية، أشم رائحة دخان آتية من جوفي، تشويني نار تتلوى في أعماقي.”
“لن أجلس في مكاني، قم أنتَ من مكانك. أنا في منتهى النشوة لرؤية نظرة الخوف في عينيك، تَحرَّك إلى آخر الحجرة، وعُد مرة أخرى.”
“كما توقعتُ، أنت تمشي مثل الجميع في الخارج. قل لي: هل أنت من الأحياء أم الأموات؟”
“لا تعلم؟ لا أصدق ذلك. الآن اجلس. سأخرج من هنا، وأنت ستبقى بلا حركة.”















