فتحي مهذب
1
كان الصمت بابا فخما
يفضي إلى بيت مليء بالمجوهرات
كان أبي حين يعود بخفي حنين
بعد يوم شاق
من العذاب الخالص
يفتح باب الصمت على مصراعيه
يملأ جيوبه بالذهب
ثم يوزعه علينا
وعلى جيراننا الفقراء.
***
2
أذكر جيدا
كيف كنا نتسابق في المروج الفسيحة
كنت مثل الفهد في وثباته
وأنت تقفزين مثل غزال رشيق
كنت قريبا من السماء
وأنت مبهرة جدا
مثل نجمة قطبية
كلما مسك اللغوب
أحملك على ظهري
كأسعد مخلوق في العالم
الآن كلما أعبر طريق المقبرة
أبكيك بمرارة أيتها المقتولة
برصاصة طائشة
أيتها الحرية.
***
3
صرت أدرب حاسة اللمس كثيرا
بما أن عيني على شفا الهاوية
والظلام سيجلس على العرش
مثل أمير من القرون الوسطى
والشمس ستأكلها الذئاب المنفردة
أرمي شبكة اللمس في نهر المحسوسات
أمشي مثل لص في العتمة
وكلما اصطدمت بالباب أو الكنبة
أو كرسي العائلة العجوز
أقول لا تغضبوا يا أشقائي
إني أحبكم كثيرا
كل خطوة بميزان
إلا أني لم أزل أنسج الضوء
من خيوط الكلمات
أدرب أذني على التقاط أدق الأصوات
أقيس بهما المسافات والأشكال
بدلا من العصا البيضاء
اتخذت قلبك يا سلمى
صديقا يوميا لمواصلة الطريق
محظوظ أنا جدا
ستكون سلمى وسيطا
بيني وبين سكان العالم
ستطبخ ذكرياتنا جيدا
على أثافي أعصابها
لنتقاسم عشاء المحبة
على شرف حاسة اللمس
وتكون حاسة السمع راقصة باليه.
***
4
الرب لا يفكر في الموتى
لم تنته اللعبة
أرمي كلماته النافقة من الشرفة
يقول: في انتظار رصاصة عذبة بطعم الفراولة
الوحش يلتهم مثانتي
في عز النوم
صوتي يتحول إلى جثة متعفنة
لم تنته اللعبة القذرة
ينظر من الأسفل إلى الأعلى
يوشوش: أحب المسدس والنبيذ والنساء
الرب لا يفكر في الموتى يا صديقي
لا يبالي بأحد
بالأشباح التي تتطاير وراء الجنازة
أحدق في عينيه
يحدق في مؤخرة الغرسونة
يطرد سربا من الكلمات المتوحشة
من غابة رأسه
أرغب في مسدس
لإبرام صفقة مع الغياب
لتنام أسئلتي الكبرى في تابوت.
***
5
الخيميائي
كانت أمي مهجوسة
بأسرار الخيمياء
كلما مسنا الجوع
تخلط العناصر الأربعة
بعضها ببعض
وبحركة مذهلة للغاية
تملأ المائدة بأرغفة ساخنة.
والآن صرت أخلط الكلمات
بالدم والدموع
بنار المخيلة وأمشاج الجنون
أصنع نصوصا باهرة
تتحدى الموت والفناء.
***
6
شكرا أيها اللص
شكرا أيها اللص
الذي اختلس حمامة مطوقة
من عش عمودي الفقري..
ثم أعادها بلطف
بين شقوق مخيلتي..
لأنها لم تكف عن النواح..
ومناداة أصدقاء لم يولدوا بعد.
شكرا أيها المطر
لأنك بكيت طويلا هذا المساء
مثل أب صالح
تحطم مركبه العائلي
على صخرة الواقع.
شكرا أيها البرق
لأنك تلبس نظارات شاعر
ضعيف البصر
ومن حين الى آخر
تسقط بقع حمراء من تلة كتفيك
المتشققتين..
شكرا أيها الذئب
لأنك التهمت ناقدا حزينا
في غابة النص.
بدم بارد وأعصاب من حجر البازلت..
شكرا لأنك تعوي أمام جمهرة الكلمات..
كلما تبدى شبح اللامعنى..
شكرا أيتها المرأة
لأنك أكلت عمري المملح
بملعقة من ذهب..
مثل سمكة سلمون مشوية
على ثالثة الأثافي..
شكرا لأنك قطعت أصابعي
لأني تسلقت سياجا محرما
في بستان هواجسك النادر..
شكرا أيها الأصدقاء
لأنكم لم تتعبوا إطلاقا
من نصب الكمائن لحمامة روحي..
وقتل حلفائي بكلمات سامة للغاية..
شكرا يا رب
لأنك تهدم ما تبنيه
بمضي الوقت..
لأنك تخلق الأشياء الجميلة
ببلاغة نادرة جدا
ثم تسحبها تدريجيا من خشبة
المسرح العبثي..
لا ترق لدموع الملائكة
ولا موت الأزهار في حديقة الأرملة..
وتظل تجر العالم مثل أسير روماني..
وراء عربة الحتميات البائسة..
شكرا أيها الموت..
لأنك لم تزرني منذ ستين سنة
لم تصوب مسدسك الشهير لما بعد الحداثة..
راسلتك مرارا لحضور مؤتمر متناقضاتي..
لكنك تجاهلت بريدي..
وظللت تجوب أزقة أجساد هشة
بدراجتك النارية..
دون مبالاة بصفير عظامي..
وتلويخ يدي لمقامك العالي..
شكرا أيها الموت لأنك باب واسع
ندخله مثل شرفاء أحرار
لنعانق الأبدية في أدغال النوم الباردة.
شكرا أيها الشعراء
لأنكم قتلة محترفون..
تتربصون بضحايا الكلمات
في الأماكن المعتمة.
شكرا أيتها الشجرة
لأنك تشبهين أمي
في صمتها العميق..
وقوفها منتصبة أمام نباح الحتميات..
وحكمة بوذا في خلوتها الفريدة..
شكرا أيها الجسد
لأنك لم تك ملكي أبدا
لم تك غير بيت كثير العطب..
شكرا أيها الرأس الملعون
لأنك قلعة مليئة بالأشباح.
****
7
صرت أشك في ماهية المرآة
كلما أحدق في وجهي
أرى وجهك بدلا منه.
حتى شجرة اللوز
صارت تناديني باسمك.
لم أك أعي أن وجهك
تقمص وجهي
فالتبس علينا الأمر.
***
8
كيف أعيد طفولتي الى البيت؟
ماذا أفعل يا رب
في هذه الوحدة القاتلة؟
طفولتي تبكي في مكان ما من العالم
كل ليلة
أصغي الى نشيجها المتقطع
متى تعودين لي
يا طفولتي البعيدة
محملة بجوقة من الفراشات
والفرح العذري؟
الحرب أتت على كل شيء.
***
9
مطاردون جميعا
لم أعد أرى غير حشد من الزومبي
في مفاصل الكلمات
في السماء التي تشبه الأرض الهشة
في الباص العبثي
بعيون قيامية،
يلتهمون السائق،،
العنب الأحمر المتدلي
من كلمات الركاب،
ويقفزون من النوافذ
يتسلقون أعمدة الهواجس
يطاردون عربة المستقبل الضرير
الأمطار التي تتساقط
من عيون الأرامل
سحليات الفقد اليومي
اللاشيء مطرزا بثقوب سوداء
السحرة الذين يحملون الغيوم إلى المبغى
مطارد أنت
أيها الشاعر العجوز
تتعقبك كلاب الزومبي
بينما داخل جلدك المغضن
تشتعل عجلة الندم
الصلوات التي لم تصل إلى الرب
مطاردون جميعا
فوق جسر اللامعقول
تحت عجلات القطار السريع
في دار الأوبرا
في الخلوة الآهلة بزئير اللاممكن
والمفاهيم ذات الفرو القطبي
مطاردون منذ إشراقة الميلاد الأولى
الزومبي في الشرايين
في حديقة الرأس المليئة بالضباب
تحت سرير العانس
في جرة الأسئلة الكبرى
في هجرتنا الأبدية إلى التهلكة
مطاردون جميعا
مطاردون جميعا.
***
10
كلما أفتقدك
تبتلع عيناي الجائعتان
شالك الذهبي
شالك اللذيذ الذي له طعم البرتقال
وهو معلق على حبل الغسيل
هكذا أتخلص من آفة الغياب
وتهدأ العواصف في مؤخرة الرأس.
***
11
كلما أبصر جنازة
تعبر الطريق بقافلة من الدموع
يقفز قلبي من موضعه
مشتعلا بحرائق النوستالجيا
حاملا بريدي إلى ساكنة المقبرة
منذ سبعين مترا من الحداد الخالص.
***
12
عند موتي
سأوصي الكلمات بك خيرا
لتتحول إلى عصافير دوري
في حديقة رأسك
وهكذا تتخلصين من جحيم الوحدة
ويظل طيفي يقرع باب مخيلتك
مثل قائد أوركسترا
نجا من مذبحة الغياب
بأعجوبة فائقة.
***
13
عند غيابك
ترقد الساعات الهرمة بجواري
ومن وطأة الفراغ والملل
تموت الساعة تلو الأخرى
هكذا امتلأ قلبي بالموتى
والمقابر الجماعية
غيابك ضرب من الهولوكست.
***
14
أكلم الحجر وأوغل في الضحك.
أكلم الباص وأتجاهل الركاب
لفرط ما ذقت من السموم
ولا أنسى خفة ريشي
المتساقط من البلكونة
أكلم الحجر وأوغل في الضحك
لفرط عذوبته في الخلوة
للينبوع الزارب من جبته
ذهبا خالصا وأسرار حياة
أكلم الأشباح
أقلم أظافر اللامكان
أكلم الأموات في العتمة
لتسلية روحي الأسيانة
لإفراغ كيس الدموع في الهواء
أرنو إلى قاع اللاشيء
الجثث العالقة في شباكه
إلى العميان
إذ يحملون سرير النهار
غير مبالين بنأمة البدهي
أتأمل شواهد القبور
وأحصي ما تبقى من ثقوب حياتي
أزعم أن لي علاقة بالريح
أكلمها عندما أسكر وأجن
أسمعها صفير عظامي
وتسمعني قداسها العذب
معا نتقاسم رغيف الهاوية
ندع الهدهد وحيدا
في مرتفعات الدلالة
ولا يصفق لنا غير المنتحرين
***
15
خذوا كل ما لدي
وأعيدوني إلى سن العشرين
لأطير مع الخطاطيف
وامزق الغيوم بأسناني
لأطلق طوفانا من الضحك
أحمل النهار على كتفي
إلى آخر تخوم العالم
أدحض براهين الليل
وأجره من ذؤابة رأسه
مثل أسير حرب
اقفز مثل فهد
أمام شمس الله العظمى
مفترسا كتاكيت الوقت الهشة
وفي جعبتي سبع رصاصات
لمطاردة المستحيل .
أعيدوني إلى سن العشرين
لألاحق نورس قلبي
وهو يحلق في كلمات سلمى
أحيانا يختفي في أمواجها المتراكبة
وأظل متسائلا:
هل ينجو من الغرق العذري
يا إلهي ردني ولو يوما واحدا
إلى سن العشرين
لأطرد القلق من مملكتي
هذا العجوز المحتال
الذي دمر حياتي حجرا حجرا
نهب الكثير من خمور العائلة
رد لي بصري
لأحرق مراكب اللامعنى
وأغزو قلعة الكلمات.













