وليد خيري
ارتبط مفهوم المدينة في الوعي الإنساني والأنثروبولوجي دائما بالتحرر؛ التحرر من سطوة القبيلة، ومن أعين الرقباء، ومن مقصلة التقييم المستمر التي تميز المجتمعات الريفية والزراعية المحدودة. في المدينة، كان الفرد يذوب في الزحام، مكتسبا هويته المستقلة وحقه الأصيل في الخصوصية. ولكن، ومع بزوغ فجر وسائل التواصل الاجتماعي، صدقت نبوءة مارشال ماكلوهان بأن العالم سيتحول إلى قرية عالمية، غير أن ما لم يتوقعه أحد هو أن مجتمع المدينة المفرط في حداثته سيعود أدراجه ليعتنق أسوأ ما في قيم المجتمع الريفي؛ حيث انعدام الخصوصية، والتلصص، وسطوة كلام الناس. نحن اليوم نشهد ارتدادا حضاريا وإنسانيا مخيفا، لا نتقدم فيه للأمام، بل نعود للخلف بخطى متسارعة، في ظاهرة يمكن أن نطلق عليها مجازا: مجتمع نشر الملابس الداخلية.
إذا تأملنا في البنية اللغوية والنفسية لكلمة (Follow)، سنجد أنها تحمل في طياتها المعنى الحرفي للتعقب، والملاحقة، ودس الأنف في تفاصيل الآخر. في الماضي، كان المتلصص يحتاج إلى مجهود لاختراق خصوصية جيرانه. أما اليوم، وفي مفارقة نفسية واجتماعية غريبة، لم يعد أحد بحاجة لأن يدس أنفه في حياة أحد؛ لأننا ببساطة صرنا نعلق وننشر ملابسنا الداخلية ـ بكل ما تحمله الكلمة من دلالة على أدق أسرارنا، وصراعاتنا، ولحظات ضعفنا، وحتى غرف نومنا ـ على حبال الغسيل الافتراضية بزهو وافتخار.
هذا التباهي بكشف المستور ليس إلا انعكاسا لمرض الاستلاب النفسي، حيث فقد الإنسان المعاصر قيمته الذاتية، وبات يستمد وجوده فقط من خلال نظرات الآخرين. أنا أُرى، إذن أنا موجود. لقد تحولنا إلى مجتمع التقييم، وهو ارتداد مباشر لثقافة الريف القديمة القائمة على سؤال القلق الدائم: ماذا سيقول عنا الأقارب وأهل البلدة؟ أصبح المجتمع بأسره قرية صغيرة، ولكنها قرية فقدت دفء التضامن، واحتفظت فقط بنار المراقبة والمحاكمة، لتأخذ من الريف أسوأ صفاته: التلصص، والتدخل في شؤون الغير، مع إضافة أمراض المدينة من كسل، وسهر، وتبلد تجاه مشاعر الآخرين.
في القرن الثامن عشر، صمم الفيلسوف جيريمي بنثام نموذجا لسجن أسماه البانوبتيكون، يعتمد على برج مراقبة مركزي يجعل السجين يشعر بأنه مراقب طوال الوقت، حتى وإن لم يكن الحارس موجودا، مما يدفعه لضبط سلوكه ذاتيا. وقد بنى الفيلسوف ميشيل فوكو نظريته في السلطة على هذا النموذج.
لكن ما يحدث اليوم هو بانوبتيكون عكسي. نحن من نبني زنازيننا الزجاجية، ونحن من نوجه الكاميرات نحو أنفسنا، ونحن من نستجدي الحراس (المتابعين) ألا يرفعوا أعينهم عنا. لقد أصبحنا سجناء في زنازين شفافة، نمارس النفاق الاجتماعي والتملق خوفا من خوارزميات الاستحسان (الإعجابات) ومقصلة النبذ الافتراضي (الإلغاء).
ولعل هذا الارتداد السيكولوجي والاجتماعي هو ما يفك لنا شفرة ظاهرة فنية تستحق التوقف؛ ألا وهي النجاح الجماهيري المدوي لأعمال درامية وسينمائية بعينها في الآونة الأخيرة، مثل فيلمي “برشامة” و”السادة الأفاضل”، ومسلسلي “بالطو” و”ظلم المصطبة”. فبالإضافة إلى جودتها الفنية وصناعتها المتقنة التي لا تُنكر، فإن سر انتشارها الكاسح وتماهي الجمهور معها يكمن في أنها تتماس بشكل عضوي ومباشر مع تسيد قيم القرية التي نعيشها الآن. إن المشاهد المعاصر يرى في هذه الأعمال انعكاسا لواقعه الرقمي الجديد؛ حيث المصطبة لم تعد بناء طينيا مقتصرا على بيوت الريف، بل تحولت إلى منصة على شاشات الهواتف التي نجلس عليها ليل نهار لتقييم الآخرين وتشريح حيواتهم. نحن لا نندمج مع هذه الأعمال من فراغ، بل لأنها تدغدغ بوعي أو بدون وعي تلك النزعة القروية المتلصصة التي استيقظت بداخلنا، وتجسد واقعا أصبح فيه انعدام الخصوصية والوصاية المجتمعية هما القاعدة التي تحكم مجتمع المدينة الحديث.
في المجتمع القروي الرقمي الجديد، تكتسب كلمة (Share) بعدا أنثروبولوجيا مظلما. المشاركة في أصلها الإنساني كانت تعني تقاسم الموارد، أو الطعام، أو المعرفة وحتى الحزن. أما اليوم، فقد أصبح شعار المرحلة: إن لم تكن صاحب الفضيحة، فكن أنت من ينشرها. الشير هو سلاح النفاق المجتمعي الحديث، والأنف الطويل الذي يمتد ليدهس سمعة الآخرين.
هنا تبرز ظاهرة سيكولوجية الجماهير، أو ما يمكن تسميته بالبلدي “أنا أزعل وأجيب ناس تزعل”. إنها النزعة القبلية في أسوأ صورها، حيث يتم تجييش العواطف، لا من أجل قضية عادلة، بل من أجل التماهي مع القطيع، وإثبات الانتماء لتريند الغضب. إننا نمارس استقطابا جماعيا يفتقر إلى أبسط قواعد الإنسانية، حيث يُسحق الفرد تحت أقدام الملايين من الغاضبين افتراضيا، دون أي اكتراث حقيقي بمشاعره أو تدمير حياته.
لعل أخطر ما أفرزته التكنولوجيا في هذا الارتداد الحضاري هو منح السلطة الزائفة للضعفاء والمهمشين نفسيا. خلف الشاشات، يتضخم شعور زائف بالقوة المطلقة. يمتلك الجبان سلطة التأثير، والتسخين، وإبداء الرأي، وممارسة أبشع أنواع البذاءة والتنمر دون أدنى خوف من العواقب.
هذا السلوك يطابق تماما في علم النفس متلازمة التخريب الآمن، وهو يشبه الطفل الصغير الجبان الذي يتسلل في جنح الظلام، ليرن جرس منزل الجيران، ثم يطلق ساقيه للريح هربا. هذا الطفل الافتراضي لا يمتلك الشجاعة للمواجهة، لكنه يمتلك القدرة على الإزعاج، وتكدير السلم، وإشعال الحرائق من مسافة آمنة.
إننا لا نعيش عصر التقدم الذهبي كما تروج شركات التكنولوجيا، بل نعيش عصر التعرية الطوعية. لقد تخلينا عن مكتسبات الحضارة الإنسانية المتمثلة في احترام الحدود، وحفظ الكرامة، وتقدير المساحة الشخصية، لنعود أدراجنا إلى وحل الرقابة الجماعية القاسية. حينما تصبح “الملابس الداخلية” الفكرية والنفسية والاجتماعية معروضة في فاترينات العرض المجاني بحثا عن تقييم عابر، وحينما تصبح البذاءة شجاعة، والفضيحة مشاركة، والتتبع اهتماما، فعلينا أن نقر بمرارة: إن عجلة الحضارة تدور إلى الخلف، والإنسانية تغرق في وحل قرية عالمية بلا أخلاق.











