ليلة اختفاء زهور البنفسج

ماريا عبد الحميد

مناورات القمح الذي شرخني

دمعة القرية وحبات الزيتون.

أصابتني الأبابة، وتذكرت دانيال الأرمني المنسي.

الأكتاف المنسوجة بخيوط الشمس،

وحنجرة الرصاص الملتهبة.

 

هذا هو الموت التقليدي؟

كيف تعتقد، بعد كل هذا، أنك ستذهب في تقليدية مع فرقة ترتدي الأبيض والأحمر، بشرائط ذهبية وغطاء رأس طويل، وطبول وأبواق؟

أي نبالة في هذا؟

 

أنت فقط تبتلع العار،

وتبتلع مأساتك في فخرٍ وتحية

 

خبز الدم، خبز الإبادة، ليس جوعاً.

في داخل ذاكرتك فرن صغير

تحرق فيه قصائدك في بطء رومانسي.

لا أعرف كيف أستعير قوتي من هشاشة دانيال!

 

دائرة متحجرة، متفحمة وثقيلة، خير من قطعة ماس..

احتفظت به داخلي دون أن أبوح،

فأنا لا أعرف من جدير بحكاياتي الداخلية.

 

لعنة الخبز المصلوب، شاعري الذي لن يضيء أبداً،

ترك لي رماداً وبعضاً من الورق المفضض.

 

كثيراً ما يذكرني الديالكتيك بين النبالة واللذة بأغاني جورج براسانس..

حيث لا داعي للقلق،

لا داعي لإنكار من أنت:

“فمهما فعلت ستكون قذراً في رواية شخص ما”.

 

الهشاشة تبدو كعري مقدس أحياناً.

 

كُبِّلت قصائدك بأحبال الخيش.

شاعر بلا شاهد،

حُبس تحت جذور الشجر،

منسي في حنجرتي.

 

لا نبلاً، ولا استشهاداً، ولا بطولة،

فقط شيء من الغربة..

فتات عظام،

أشبه بأيقونة متوسطية محطمة.

بروميثيوس آخر تُسلب منه نيرانه.

أبحث في حلق النهر عنك.

تحولت أضلاعك إلى ربابة تركية.

أخبرني البقال أنه يقرأ هوميروس،

لا أعرف متى حصده مع حصاد الليمون في قريته!

 

مررت داخلي:

نصف جلجامش، نصف مسيح.

مرات في حقل التفاح، ويحاصرك جنود في طقس باخوسي..

لم تكن أفيونتي،

فأنا أحب الموظف اليوناني كفافيس.

ولكنك لست محض ضياع،

وأنا أيضاً لم أستطع حفظك.

 

كنت كقنينة نبيذ بلا سدادة،

عمرها قصير، “لأجل سوء الحظ”.

غادرت ثلاثينات حياتك

كخمر مقطوع عن أعياده.

 

لن نحتفل الليلة يا دانيال..

ضلّت زهور البنفسج الطريق.

الليلة لا يمكن تقديمها كعزاء.

أحياناً أشعر بالغليان أسفل أظفاري.

سأجلب السنابل السوداء لأعد لك رغيفاً، آخر رغيف..

ربما تُقبِّل جسدك الأشباح في غوريس،

وربما تأكلك أنت والرغيف أشباح الغربان في يريفان…

كان معي صورة لك في الإسكندرية، أعطاها لي ألبيرتو في الصغر،

وضاعت مع ضياع مقهى “نيو كريستال”.

 

تتلاشى الملامح، ولا يبقى سوى الرماد.

سأحتفظ بك، دانيال، في الشكمجية.

سامحني يا دانيال، فكلي وحدة ناهمة.

قرأت ذات مرة على ورقة الفلافل:

“كل ورقة رماد، وكل رماد حكاية”.

ومن شدة اعتيادي على الفقد

لم أعد مثلما كنت.

كنت أحزن طويلاً،

أبقي منافذ للحنين والحرقة.

فكرت أنه لو اختفى الجنود…

لكن ما زالت حروبنا هنا!

فكرت: لماذا تبدأ الحروب في الحقول النائية؟

فكرت في ضم الرصاص.

ولكن جفاف الأشياء أفقدني هذه الإرادة،

على سبيل المثال، جفاف نافورة الحدائق الفرنسية بالمنشية.

فكرت في قسوتك، وقسوة موتك،

كيف رموك بالسكاكين وأنت ملتصق بشجرة، عارياً تماماً..

 

ربما أنت الآن تضحك من سخرية الأشياء،

فأنت علمتني كيف يبدو الخراب شاعراً ساخراً،

وعلمتني كيف أصمد.

أحمل رغيفي وقصائدك بين أصابعي،

أكتب رثاءً لك.

منادية من فوق الجبال الحمراء،

سأظل أكتب لك

حتى أتوقف عن التفكير فيما يتعلق بمحاربة الشعراء..

حتى ينفد الرماد،

وحتى ينهش روحك الذئب،

وحتى تنتهي حكايات الحرب العالمية.

 

دانيال، أنت ممل وحنون.

أتوسل إلى أشلاء فأس الفشل أن تترك ذكراك،

أن لا يغمرك اللون الأخضر للريف،

أن يصبح لعابك فضي اللون،

أن تنتشلك أجنحة الذباب من وريقات الأدب..

 

أحياناً تذكرني كتاباتك بالأشياء الملائمة للثوار الإلكترونيين،

ككتابات أحمد فؤاد نجم،

أشياء حول الفول والقمح والعدس أبو جبة..

 

لا أخجل منك.

فأنا أكتب هذه المرثية وأنا أتناول الكاممبير والعنب الأسود والتفاح الأمريكاني.

كم أحببت أن تكون مجرد كوب من الشاي،

أن لا يحكي لي ألبيرتو عنك،

أن تظل داخل فم الدببة حياً.

 

هكذا تفعل بروحي..

هكذا تغلق الأرقام،

وهكذا سأنسى من هو دانيال فاروجان.

تطفو بعيداً، حيث لا أحد يسأل عنك،

حيث يرقص ضلعك فوق بحيرة مستطيلة،

وتتسابق طيور النورس حاملة على مناقيرها كتاباتك..

 

وكل هذا لأنك ثقب،

لا نهاية لك ولا بداية..

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع