مُبارك المخيني
أجلس خلفَ مقودٍ متداعٍ
ألمسُ قلوب
تلك السيارات الذابلةِ
تمرُّ بأطيافها المختلفة بمحاذاة جسدي
تخطفُ مسرعةً بأنوارها الفائضة،
كل منها منبعٌ
لحكاية.
“خور البطح” بليلهِ الفوّاح
ومراكبه المُلوّنة
يجتاحني وأنا خلف المِقود
يسرقُ ما تبقّى لي من فُؤادٍ طازجٍ
بسحره الأخاذ للأبصار
مانحًا للمعنى.
أرى جميع تلك السيّارات الصامتةِ
تُخاطبني خِلسةً
من نفحةِ الهواء وهي مسرعة، تهمسُ في قلبي
تحكي لي، وتُحيك لي قصصًا
من نعيق النوارس الطائرة
فوق صخرة العالم
فوق البحر الملثَّم بالسُفن العريقة.
هناك بشرٌ هُنا أيضًا،
أجساد تتمايل
بطريقةٍ تحاكي بها موج البحر
تركضُ بقلوبها أمامي
أمام النافذة التي فتحتُها خلسةً
على أرواحهم جميعًا.
أسمعُ هسهسةً تصدُرُ من أحذيتهم
لكن ضوضاء أعماقهم تعيق عليّ
صفوّ مسائي هذا
من تمّوز الأعياد،
أرى ماضيهُم وحاضرهُم يمشي أمامهُم.
هناك لحيّةٌ ليست مشذَّبة
هُنا طفلٌ يبدو في الأربعين
خلفي أفواهٌ تمضغُ
حكاياتٍ وأساطيرَ الأموات،
أمامي جسدانِ
يبدوان عاشقَين
التقيا منذ يومين فحسب،
ركضتْ على يساري حوريّةٌ
ترتدي الخلخال في زعانِفِها.
على يميني
أسرعت سيّارة “بيك أب”
تتمخض من عجلاتها
أساطير كثيرة
تساعد الرُكَاب
على المُضي قُدمًا،
على مزاحمةِ الجِمال
حاملةً على ظهرِها ذاكرةَ الحب
والحرب
والموتى السابقين
وكيف سنلحقُهُم.
أرى جِمالَ البحر هُناك
تلك التي احتضنت يومًا
بشراً مُختلفين وأساطير الأولين،
تتغنجُ هناك من مكاني هذا،
ربما البحر يدغدغُها، يلاطفها
بتموجاتهِ الثعلبيَّة،
كما لاطفت حمامة نوحٍ البيضاء
جبلًا نديًّا
تتقاسمه قارّتان.
تلتقط أذناي فجأة صوت الأسماك بجانبي
وهي تعاتب آلهة البحر والسماء
عن كونها غذاءً للبشر.
تخرج الكائنات والأساطير
من أصابعي المالحة هذه،
العالم يتحركُ
يركضُ بأقدامٍ تفتقر للتبصّر
إلّا أنا
جامدٌ في النسيانِ
تحت ظلّ سَمرةٍ سمراء
أتفحص أعيُّن المارَّة
من بشرٍ، ومركباتٍ، وحورّياتٍ، وأرواح.
إنّي أشتاقُ كُتبي
ثم أدركُ فجأة:
أنّي لم أقرأ
شيئًا
بعد.
……………..
الخميس، ١٤ تمّوز ٢٠٢٢، صور







