د. محمد عبد الدايم هندام
تبني رواية أشرف الصباغ “لا مفاتيح هناك” كابوسًا حضريا سرياليا، تتحرك داخله شخصيات مهشمة، تحتمي بالسخرية من انهيار الوجود الفيزيائي، ومن فساد المدينة، ومن عبث العلاقات الإنسانية، حيث تبدو القاهرة في الرواية كأنها مدينة سريالية ضخمة فقدت توازنها الداخلي، وصارت تتحرك بقوانين خفية لا يعرفها أحد.
متاهة سريالية
يقول الصباغ في التصدير الافتتاحي للرواية: “إلى تلك المدينة التي تخبئ مفاتيحها حتى عن أبنائها، وكلما خلعوا عيونها نبتت لها عيون أخرى، تخفي فيها المفاتيح عن أيدي العابثين”، ومنه يؤسس لفكرة المتاهة بالمدينة التي لا تمنح أبناءها مفاتيح الفهم أو النجاة أو الحياة العادية، ينحو أشرف الصباغ بهذا التصدير لعالم روائي كافكاوي وسريالي في آن واحد.
يرى أندريه بريتون(André Robert Breton) أن السريالية تقوم على تحرير العقل من منطق الواقع الصارم، والانطلاق نحو مناطق الحلم واللاوعي والتداعيات الحرة، (بيان السريالية، 1924) غير أن أشرف الصباغ لا يطبق السريالية بوصفها مدرسة فنية مغلقة تعتمد على الكتابة الأوتوماتيكية أو الصور اللاعقلانية فقط، وإنما يوظفها بوصفها أداة لكشف لا عقلانية الواقع الحضري المعاصر نفسه، حيث تبدو المدينة هنا فضاء واقعيا من الخارج، شوارع وصحف ومقاه لتجمعات المثقفين والعامة وجامعات وأطباء وأكاديميون وكتاب واتحاد لهم، مواصلات عامة، ميكروباصات وتكاتك، وسرعان ما تتقوض هذه الواقعية لتكشف عن عالم مختل تحكمه المصادفات الفوضوية والتمثيل الاجتماعي والجنون وهشاشة الوجود البشري.
يفقد عالم الرواية منطقه الداخلي، بكل منطقية طبيعية من الكاتب، لتصيح الكوارث جزءا من الإيقاع اليومي العادي، والحوادث أقرب إلى المبالغات الكوميدية، والأحداث غير الطبيعية والخيالات الشعبية، وهذا ما يقترب من تصور ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin) عن الكرنفالية، حيث يحرر افتراضات الأسلوب أو الجو السائد من خلال الفكاهة والفوضى، فتنقلب القيم وتختلط المراتب، ويتحول الفضاء الروائي إلى مسرح هزلي يفقد فيه كل شيء جديته التقليدية.
التهميش الاجتماعي وثقافة الأقنعة
يفقد بطل الرواية، في إطار رحلته بالعالم، اسمه تدريجيًا: ” كنتُ قد اقتربتُ من نسيان اسمي تمامًا، فمنذ زمن طويل لم ينادني أحد به، في البداية كانوا ينظرون إلىَّ دون اهتمامٍ، وبعدما تعودوا على وجودي صاروا يومئون لي برؤوسهم أو يشوِّحون بأيديهم. وعندما صرتُ محررًا بدأوا يقولون: “تعالى.. هات.. انزل.. اطلع.. شيل”، ثم بدأ البعض يناديني بكلمة “أستاذ” أو “يا سطى” أو “يا عم”، ومع الأيام والسنين بدأتُ أنسى اسمي”. (ص 19)
هنا يتآكل الاسم، جوهر هوية الفرد، داخل مجتمع لا يرى الإنسان إلا بوظيفته أو بمنفعته، لذلك تبدو استعادة الاسم على يد نورهان هانم أباظة لحظة سريالية وإنسانية معًا: “وكانت حبيبتي طبيبة العيون السريالية نورهان هانم أباظة، هي أول من سألتني بجديةٍ وغنجٍ في آن معًا عن اسمي. واجهتُ صعوبة لعدة ثوان، ثم تذكرتُ اسمي. فقلتُ لها ضاحكًا: “اسمي سوسو”. فسخسخت من الضحك، وتمايلت حتى ترقرق صدرها الصغير النافر، وبانت أسنانها البيضاء المتساوية مثل حبات اللؤلؤ. مِلْتُ على أذنها، لا لكي أوشوشها، وإنما لأستنشق رائحتها المعتقة التي تنشر البهجة وتثير وهجًا من حولها، وقلتُ هامسًا: «اسمي، سعد»” (ص 19).
كرنفال ثقافي عبثي
هنا تبرز ثيمة القناع، حيث اختار الكاتب والبطل قناع السخرية لكي ينجو من العالم. وهي سخرية تعمل كاستراتيجية للنجاة، فيضع الجميع أقنعة، وتبلغ السخرية ذروتها في رسم الشخصيات التي تبدو كأنها خرجت من سيرك اجتماعي، فقريب البطل، خريج الفيزياء الحالم بميكانيكا الكم، ينتهي إلى إصلاح التكاتك والهواتف المحمولة، ويهاجم الأستاذ الجامعي الطالب بسبب حديثه عن المادة والطاقة، لأن العلم نفسه، في هذا الفضاء الكرنفالي، مُحاصر بخطاب وعظي مغلق، واتحاد الكتاب هو مؤسسة مهترئة غارقة في الشللية والادعاء الفارغ، اختزلها الكاتب في “اتحاد خضرة المحشي”، وعضوته الدكتورة نجفة:
“الناقدة الأدبية والفنية والمسرحية والناشطة السياسية التي تقوم بالتدريس في جامعتي حلوان وبنها، وتحمل عضوية اتحاد الكتاب الذي يطلقون عليه اتحاد خضرة المحشي لأسباب تتعلق بوجوده إلى جانب أشهر بائعة خضروات تأتي ببضاعتها من الغيطان الواقعة على أطراف محافظة الجيزة لتبيعها إلى أهل الزمالك، كما تتمتع أيضا بعضوية بعض لجان المجلس الأعلى للثقافة وعضو لجنة تحكيم جوائز الدولة، والعضوية الشرفية لبعض النوادي الليلية” (ص 14).
تمثل الدكتورة نجفة وابنها الدكتور وجدي صورة باهتة ساخرة للنخبة الأكاديمية البرجوازية؛ عالم من العلاقات الراقية والدعوات والهدايا والألقاب الطويلة المتضخمة، في مدينة صاخبة تتحول فيها الثقافة إلى ديكور اجتماعي، ويتحول الأكاديمي الجامعي إلى رتبة مسرحية تتكرر بصورة كاريكاتورية، حتى لقاءات مقهى ريش، ذلك المكان المحمل بتاريخ ثقافي كبير، تظهر في الرواية وكأنها بقايا طقوس ثقافية.
يضع الجميع في المدينة أقنعة، لا تناسبهم، لا تناسب الفضاء المعاصر، لكنهم يرتدونها بأريحية في محاولاتهم للنجاة.
نورهان هانم أباظة الهلوسة السريالية الخلاصية
وتأتي شخصية نورهان هانم أباظة بوصفها ذروة التكوين السريالي في الرواية، طبيبة العيون، امرأة مستثارة تجمع اللوحات السريالية، وتخفي بارًا داخل غرفة الكشف، وترتدي معطف الطبيب فوق فستان سهرة أسود قصير، تنجذب إلى “حكاية الكتكوت”، الساذجة التي تتحول تدريجيًا إلى استعارة للعالم كله، قرية من الحمقى يكررون الأخطاء نفسها باستمرار، بلا وعي ولا ذاكرة.
ليست نورهان مجرد حبيبة، وإنما كائن سريالي متكامل، كل شيء فيها قائم على التناقض والتركيب غير المنطقي، ولذلك تبدو أقرب إلى كائن حلمي متخيل، تمثل محاولة للهروب من قبح العالم، ولهذا يقول الراوي:
” حبيبتي طبيبة العيون السريالية نورهان هانم أباظة هي طوق إنقاذ العالم. والضمانة الوحيدة لاستمراره بكل جنونه وطلسميته وحماقته. فهي أكثر منه جنونًا وغموضًا ومكرًا وإثارة. والأهم من كل ذلك، أنَّها تحبني لا لشيء ولا لهدف إلّا لأنني ربما لا شيء أصلًا. أليست امرأة رائعة؟! “. (ص23)
ليست نورهان امرأة فحسب، فبجانب أنها شخصية فائضة بالإغواء والغرابة معًا، هي فكرة خلاصية من هذا الفضاء الكافكاوي، غير أن هذا الخلاص نفسه يظل هشًا ومراوغًا، فعلاقته معها قائمة على الحضور والاختفاء، وعلى الرائحة أكثر من الجسد، وعلى التخييل أكثر من الواقع، وفي المشهد الأخير، حين يشعر البطل بوجودها ثم يكتشف أنها مجرد أثر أو رائحة، تتحول نورهان إلى شبح حب مستحيل، أو إلى صورة ذهنية يحاول البطل الاحتماء بها ضد الفراغ:
“سمعت صوت المفتاح يدور بحذر، والتقطت أذناي وقع خطواتها الخفيفة. ابتسمتُ وتصنّعتُ النوم. انتشرت رائحتها في الشقة، وبدأ صوت أنفاسها يقترب في هدوء. فتحت عيني قليلا فرأيتُ ملامحها متعبة، وعيونها حزينة تنظر حولها في شك وكأنها لا تراني. رحت أنتظر أن تقترب وتمد يدها لتلمسني أو حتى تستلقي إلى جواري. تسارعت دقات قلبي بشدة ورحتُ أتنفس بصعوبة .. شعرت بالاختناق ونهضت مفزوعا ودموعي تسيل ورائحتها لا تزال تملأ الشقة. بحثت عنها في كل الغرف، لم أجد إلا رائحتها، وكأنها كانت هنا للتو. ارتديت ثيابي وتركتُ المفتاح على الطاولة. فتحت الباب في هدوء، وخرجت، ثم أغلقته في رفق؛ لكيلا أفزع رائحتنا بالداخل. فربما نعود معا مرة أخرى” (ص 118)
عبث الميكروباص والمستحيل العادي
أما حادثة ميكروباص الساحل الذي يسقط من أعلى الكوبري، فهي لحظة نموذجية في بناء العبث الروائي، فتبدو الحادثة خيالية ومبالغًا فيها، لكنها داخل منطق الرواية تبدو طبيعية تمامًا، لأن المدينة نفسها فقدت قوانينها العقلانية، فهذا الحادث “التخيلي” قد أثير عنه مؤخرا بالقاهرة 2021، حيث انتشرت صورة على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيها جسم معدني أبيض كبير يهبط من فوق كوبري الساحل، وكتب مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي رواية تفيد بأن ميكروباص يسير بسرعة كبيرة ارتطم بالسور الحديدي لكوبري الساحل، وأسفرت نتيجة الارتطام عن سقوط الميكروباص المحمل بحوالي 14 راكبًا في النيل، والأجهزة الأمنية تبحث عن الضحايا، واختفى الميكروباص في النيل كما لو كان طبقًا طائرًا هبط على الأرض، ثم اختفى، بلا شهود عيان، بلا بلاغات، بلا أخبار عن مفقودين، ومع ذلك يجزم البعض بوقوع حادث الميكروباص، ويسرد الصباغ قصة الميكروباص، بمنطقية عبثية ساخرة، تحيلها إلى قصة واقعية، ومشهد سريالي عبثي نلقاه يوميا.
لا مفاتيح لغلق الحكاية
أما حكاية الكتكوت فهي من أكثر العناصر السردية كثافة في الرواية، حيث تبدو ظاهريًا حكاية سخيفة بلا معنى، لكن تكرارها المستمر يمنحها وظيفة رمزية، لأنها في الواقع قصة عن:
كومة من البلهاء يعيشون جميعا حياة مملة بدون أي هدف يكررون نفس الأفكار، ونفس الأفعال ونفس الأخطاء يطبلون ويزمرون ويبكون ويفرحون ويفعلون كل شيء في تكرار قاتل ومميت ولا ينتبهون حتى إلى أنهم يكررون نفس الشيء في نفس الموقف وفي نفس الوقت، وكأنهم بلا ذاكرة، أو مجرد ألسنة لا عقل لها.” (ص 110).
تتحول الحكاية هنا إلى استعارة للمجتمع بأكمله، يكرر الجميع أنفسهم بصورة آلية، وكأنهم بلا ذاكرة أو وعي، الجميع في انظار جودو لصمويل بيكيت، حيث يتحول الوجود الإنساني إلى دائرة مغلقة من الأفعال المُكررة عديمة المعنى، لكن نورهان ترى في الحكاية شيئًا أعمق من ظاهرها، ولذلك تدمن سماعها، فهي تدرك أن العبث نفسه قد يكون الحقيقة الوحيدة الممكنة، ترى التكرار العبثي للحياة، والقرية التي تعيد إنتاج غبائها إلى الأبد، وهنا تتحول الحكاية الهزلية إلى استعارة للفضاء الاجتماعي كله، ولا مفاتيح هناك لفتح هذه الدائرة المغلقة.
اقرأ أيضاً:








