كيكي وإدوارد وأيوب الخالي من الكوليسترول: ثلاثة أوجه لنفس الفنان الغريب والمغترب.

في مراجعتهما المعنونة بـ “كيكي دليفري سيرفيس: فنان جيل الألفية المتضور” تصل “ديبرا” و “سوزانا” المقدمتان في العرض اليوتيوبي “The Take” إلى نتيجة مفادها التالي: 

“كيكي” من “خدمات كيكي للتوصيل” هي مثال صريح على أزمة فنان العصر الحديث. 

لا يأتي هذا الاستنتاج في نهاية الفيديو مثل الاكتشاف، بل يكون هو الفرضية التي تبنى عليها المراجعة بأكملها. 

لكن هذه المراجعة ليست البيان الأول ولا الوحيد الذي يتم فيه اكتشاف الأثر الفني في حياة كيكي. ففي الواقع، هاياو ميازاكي نفسه مخرج العمل ذكر في الكتاب الفني للفيلم أن أزمة كيكي مستوحاة من أزمات لاحظ آثارها على فنانات متدربات في ستوديو “جيبلي -Ghibli ” الذي صُنع الفيلم فيه.

وفي هذا السياق، ربما يجدر بنا أولًا التعريف بكيكي، حتى يتسنى لنا إدراك لماذا يعد اكتشاف النمط الإبداعي في حياتها، هو عمل إبداعي بحد ذاته. 

كيكي: ساحرة صغيرة.

في سن ال 13، يتوجب على “كيكي” الفتاة التي تنتمي إلى قرية كل نسائها من الساحرات الطيبات أن تسافر في رحلة على مكنستها الطائرة وترتحل عن المنزل لمدة عام. المفترض أن تساعد الرحلة على ثقل مواهبها السحرية، عليها أن تخرج من المنزل وتواجه العالم وتجد طريقها الخاص للعيش، وخلال ذلك، تمر برحلة نضوجها. 

حتى الآن، يبدو كل شيء رائع. وعندما تصل كيكي للمدينة الجديدة وتطير فوق رؤوس الناس نرى في عيونهم الدهشة بها، لكنها وعندما تستقر على الأرض وتخبرهم أنها ساحرة طائرة، لا يبدو أن أي شخص مهتم بذلك، هكذا تضطر الساحرة ذات الملكة الفريدة “الطيران” أن تعمل كـ عاملة توصيل “دليفري” لكسب لقمة عيشها. 

تشعر كيكي بإحباط لحظي تنساه مع أول مرة تحصل فيها على أجر خاص، وهكذا تقضي أيامها بين العمل، ومحاولة الاستمتاع به، لكن ومع استمرار التجارب المحبطة تستيقظ ذات يوم لتجد نفسها وقد فقدت قدرة الطيران، وحتى قطها “جيجي” الذي استطاعت التواصل معه بالكلام البشري أصبحت كل أصواته عبارة عن مواء.

ربما تبدو رحلة كيكي ذات الطابع الرسومي بعيدة عن واقعنا الملموس، لكننا سنجد نفس خطوطها العريضة في قصص أخرى حتى لو خرجنا من عالم الأنمي، وسواء خرجنا من حيز الفانتازيا أم لم نخرج.

إدوارد ويديه المقصيتين

بنفس منطق خروج كيكي من قرية عائلتها “المنطقة الآمنة لها” يخرج إدوارد من قصره في فيلم “إدوارد ذو أيدي المقصات” لمخرجه “تيم بيرتون” على يد السيدة الطيبة “بيج”. إدوارد كائن فرانكشتايني صنعه عالم مات قبل أن يركب له يدين طبيعيتين وترك موضعها أسلحة سكينية. إدوارد شاب بريء للغاية، لا يتناسب ذلك مع قدرة يديه التدميرية القادرة على إيذائه هو نفسه. وعندما تصطحبه السيدة للمدينة يتكرر موقف الدهشة الذي سبق ورأيناه في قصة كيكي. في البداية يصاب الناس بالاندهاش من مظهر يديه، لكن فيما بعد وعندما يروا كيف يستطيع استخدامهم في تقليم الشجر وقص الشعر ونحت الثلج محولهم إلى أعمال فنية بديعة. يلتفون حوله، يظهر على التلفاز، ويملك الجميع فضولًا بشأنه. إلا أن الجميع تقريبًا لازال يحتفظ بمسافة عنه.

في العملين، يقدَمان كيكي وإدوارد في أماكنهم الجديدة على أنهم “غرباء” أو “آخرون – outsiders ” فهما بالتأكيد لا يشبهان باقي الناس من حولهم. هكذا يكون الاحتكاك الأول بينهم وبين العالم الجديد محفوفًا بالربكة. هم مرتبكين من العالم والعالم مرتبك منهم، وعلى الرغم من اختلاف الطريقة التي يستقبلهم بها المجتمع، التجاهل في حالة كيكي والضجة في حالة إدوارد، ينتهي كلاهما لكونها “مغتربين” عن العالم الذي أصبح يضمهم.

لكن هذا ليس وجه الشبه الوحيد بين كيكي وادوارد، فالتشابه الأكبر يتجلى فيما يستطيعان فعله. فطيران كيكي ليس مجرد سمة سحرية، إنه موهبتها، وفي إحدى مشاهد الفيلم تلتقي كيكي بالرسامة أورسولا التي تخبرها “الرسم والطيران كلاهما الشيء نفسه”

طيران كيكي هو الشيء الذي تستطيع ممارسته ولا يستطيعه أي شخص آخر حولها، إنه أيضًا ليس خاصية جامدة وكامنة في جسدها، إنها لا تطير كما تأكل وتشرب. بل يتطلب طيرانها الدوافع والشغف، وبمجرد إصابتها بالإحباط لا تصعد مقشتها أبدًا إلى السماء.  

 كذلك، يوضح فيلم بيرتون منذ بدايته ما هو الأثر الجمالي الذي تستطيع غرابة إدوارد أن تقدمه. 

إننا نرى هذا الأثر في حديقة قصره قبل أن ندخل القصر ونراه هو نفسه. 

بهذه الطريقة يعلن العملان أن هؤلاء الغرباء أو “الآخرون” هم أيضًا أشخاص مميزون. وبما أن تميزهم يتعلق بصناعة أو أداء عمل جمالي، فنجد أن اللقب الذي يطلق على من يشابهوهم عادة هو “فنانون”
يبقى السؤال الآن، هل غرابتهم هي السبب خلف تميزهم؟ أم أن تميزهم هو مُسبب غرابتهم؟ لا تكون إجابة هذا النوع من الأسئلة حاضرة دائمًا. لكن، إن كان هناك سمة تشابه أهم بينهما، فسيكون كيف يؤثر هذا الاستقبال المجتمعي لهما “كغرباء مميزون” على الموهبة التي يملكانها. 

المعالجة المصرية.

كما حدث أن عالج Edward Scissorhands سنة 1990 نفس ما طرحه Kiki’s delivery service في 1989. إنما بتفاصيل قصصية مختلفة تمامًا، يأتي خالي من الكولسترول ومخرجه محمد أبو سيف في 2005 ليستلهما نفس الفكرة في عالمهما الخاص. ما يحدث هنا ليس عملية اقتباس أو تمصير، كما لم يحدث “أمركة” للفيلم الياباني في نسخة بيرتون. ولكننا وبقراءتنا للأعمال الثلاثة نكتشف وبطريقة مدهشة، أن ثلاثة صناع سينما من حول العالم قد شغلتهم فكرة واحدة، وقد توصلوا إلى استنتاجات متشابهة إلى حد كبير، لكنهم فعلوا ذلك من خلال ثلاثة عوالم سينمائية شديدة الاختلاف. 

أيوب: فنان خالي من الكوليسترول. 

بعد رسومية كيكي وفانتازيا إدوارد، يأتي “خالي من الكولسترول” ليكون المعالجة الأقرب للواقعية وذلك برغم عدم تخليه عن الطابع العبثي والإيقاع الغنائي – المستخدم وبحرفية للتخفيف من حِدة القصة –
هُنا، يقدم لنا البطل “أيوب” كشاب عادي – جزئيًا – فهو ليس ساحر، ليس تركيبة فرانكشتانية أيضًا. ولكنه في مرحلة وسطية بينهما. 

أيوب ابن لفنان متوفي وأم لم يكبر عقلها مع جسمها عن مرحلة الطفولة. يرث أيوب موهبة والده دون عقل أمه ولكنه يربى على يديها. هكذا يخرج لنا “فنان غريب” آخر. 

كما إدوارد وكيكي، عاش أيوب عمره الأول في مساحة آمنة، فلقد اعتنى الجيران ومديرو مدارسه وحتى جامعته به وبوالدته، ولم يمنعوها من التواجد معه حتى تخرج من كلية الفنون. يحفظ كل هؤلاء الأشخاص الطيبون أيوب في قوقعة آمنة حتى يكبر شابًا، إلا أن قصته مقدر لها أن تبدأ لحظة خروجه من هذه القوقعة. وعندما يلتقي بالوكيلة الإعلانية “كاميليا” التي ستدرك فيه الموهبة الفطرية على صنع الشعارات الدعائية وإيجاد الحلول التسويقية إضافة إلى عمل يده الفني، سُيسحب أيوب دون أي يعي إلى العالم الجديد. 

في سيارتها، تصطحب السيدة “بيج” إدوارد من القصر إلى المدينة، ثم يخرج ساكني البيوت لرؤية الغريب الذي أحضرته معها وتداول النميمة بشأنه. إنه تقريبًا نفس المشهد حيث تقوم كاميليا بسحب أيوب بين مكاتب العاملين مكررة الجملة “أيوب، الرسام الجديد” وخلال ذلك، يرمي نكتة هُنا أو ضحكة متفاجئة هناك، مما يجعل زملاءه يدركون فورًا غرابته. 

حتى هذه المرحلة من الأعمال الثلاثة يتوقف إدراكنا للشخصيات على أنهم “فنانون غرباء” فحسب. جزء الغُربة لا وجود له حتى الآن، جدير بالتوضيح أن الغرابة والغربة مفهومان منفصلان. فالغرابة هو وصف الشخصيات الثلاثة إذا ما قُمنا بوضعهم في مقارنة مع باقي من حولهم، لكن لو أن من حولهم قبلوهم على غرابتهم – كما فعلت السيدة بيج أو الجيران في طفولة أيوب – فإن الغربة لن يكون لها وجود. تأتي الغربة من إدراك المجتمع المحيط للغرابة ثم عكس هذا الإدراك في صورة اهمال أو استهجان أو حتى استغلال. وهذا بالضبط ما سيواجهه (كيكي – إدوارد – أيوب) في عوالمهم الجديدة، كُلا تبعًا لقصته. 

الاغتراب الأول.
تعاني كيكي شكلين من أشكال الاغتراب. فأولًا، إنها تواجه صدمتها الأولى حين تكتشف أنه لا يوجد أي شخص منبهر أو مهتم بقدرتها المجردة على أداء عروض الطيران، وإذا عُدنا لمراجعة the take نفهم من العنوان فحسب “فنان جيل الألفية المتضور” مربط المشكلة. 

فموهبة كيكي ليس لها قيمة ما لم ترتبط بقيمة مادية تقيها شر الجوع. لذلك تتحول إلى “دليفري” وفي أوقات فراغها تقف كبائعة في محل للمخبوزات وهو أمر بعيد حتى عن أيًا من قدراتها. إلا أن الواقع يقول أن كسب العيش لا يرتبط حقًا بالقدرات والشغف.
“كان الطيران ممتعًا حتى بدأت بممارسته كمهنةهذا ما يمرره لنا “هاياو ميازاكي” على لسان كيكي، ثم يعود تيم بيرتون ليؤكد عليه من خلال شخصية زوج السيدة بيج والذي يحث إدوارد باستمرار على الاستفادة من مقصاته استفادات مادية. وعندما تقول السيدة بيج أن الجيران قدموا الحلويات إلى إدوارد جزاء لتقليمه حدائقهم، يرد: “عزيزتي، لا يمكننا شراء ضروريات الحياة بالكوكيز” 

أما في قصة أيوب فهذا الاغتراب الأوليّ المتعلق بإدراك الحقائق الرأسمالية غير موجودـ لأن انتقال أيوب لعالمه الجديد هو أيضًا انتقال للعمل في وكالة إعلانية قائمة على الترويج والبيع. أو كما يغني مدير الوكالة فيما يشبه النشيد “لازم نبيع يا ابني، ! we have to sell my boy”

لا يأخذ أيوب هذه اللحظة المبدئية لإدراك قسوة العالم الذي يتوجب فيه أن يكون لكل فن أو معنى ثمن يحدد قيمته. لكنه ينتقل من عالمه الأول ومن قوقعته إلى عالم المال هو أساسه والفنون هي البهرجة التي تُستخدم لدفع عجلة إنتاج هذا المال، وهكذا، يصل مباشرة من الانبهار إلى أدنى طبقات الاغتراب والإحباط. 

الاغتراب الثاني.

سيأتي الشكل الثاني من اغتراب كيكي حينما تتحمس لمساعدة امرأة عجوز تريد أن ترسل فطيرة لحفيدتها. 

يأسر الدفيء العائلي مشاعر كيكي، فتساعد المرأة بنفسها على خبز الفطيرة ثم تتولى نقلها طيرانًا في السماء الممطرة. ولكنها تصل لتجد فتاة فظة تخبرها أنها “تكره فطائر جدتها الغبية” ثم تغلق الباب تاركة كيكي وحدها، مبتلة ومخذولة. 

ما يخذل كيكي هنا ليس أنها عاملة دليفري لم تتم مهمتها بالكمال المطلوب لتلقي الأجرة، ولكن أنها فنانة مرهفة، استنزفت مشاعرها وقدراتها في عمل حسبته طيبًا لكنها صُدمت بواقع أن حتى الأعمال الطيبة ليس مضمونًا أن تنتهي نهاية طيبة. وبعد عدة مشاهد تلتقي بنفس الفتاة مع أخرين يتندرون عليها لأنه عليها أن تعمل في حين أنهم متمتعون برفاهية العيش، وهي إشارة أخرى من ميازاكي، عن الموهوب المضطر لمضاعفة جهوده مقارنة بأقرانه، لأن طرقه أكثر ضبابية وأقل ضمانًا منهم. وبلقائهم، ستتملك خيبة الأمل من كيكي. وعلى طاولة الطعام ستوبخ قطها كوسيلة لتفريغ الغضب، لكنها ستسمعه يرد عليها بالمواء لأول مرة. لقد فقدت سحرها، أو بالمعاني الفنية، أصيبت كيكي بـ “Art Block” جراء الإحباطات المتكررة من الحقائق الدنيوية. 

أما في حالة إدوارد وأيوب، فيختار صانعي الفيلمين أن يسلطا الضوء على قضية واحدة معروفة وشائكة، وهي استغلال الفنانين الشباب قليلي الخبرة والقدرة.  إلا أن كلًا منهم يهتم بعرض مستوى مختلف من هذا الاستغلال.

برغم كل ما تعرضت له كيكي، إلا أن الاستغلال لم يكن طرفًا في قصتها. لقد قابلت أشخاص طيبون – حتى في ظل النظام الرأسمالي – ساعدوها في تطويع موهبتها إلى شكل قد يضمن لها حاجاتها الأساسية كالسكن والطعام. إلا أن قصتها لا تتضمن أي أشرار أو مستنفعون يطلبون منها أن تستخدم طيرانها وسحرها في استخدامات فاسدة. 

أما إدوارد فيواجه الاستغلال بمستواه الأصغر. فتقوم إحدى سيدات البلدة باستدراجه وإخباره عن نيتها بدعمه ليفتتح صالون التجميل الخاص به، ثم وفي الغرفة الخلفية للمحال تستخدم أصبعه السكيني لتقطع عروة ملابسها، وتتحرش به. 

هنا، بهدوء وسخرية، وبدون أي ميلودراميات، يسلط تيم بيرتون الضوء على استغلال أجساد الفنانين من قِبل الممولين المهوسين بالغرابة. 

يُدرَك إدوارد منذ البداية على أنه غريب، مميز، غير اعتيادي. وبينما قد يتواجد بعض الأشخاص الذين قد يتلفتوا له بناء على هذه الصفات فيتحولوا بذلك إلى “جمهور” يتواجد أيضًا عدد من الراغبين في امتلاك إدوارد واستخدام جسده، جسد الغريب المميز، الذي يظنون أن استخدامهم لجسده سيعكس تميزه عليهم هم أنفسهم.  وهم يعرضوا – بطبيعة الحال – التمويل مقابل ذلك الاستغلال. تكمن المشكلة في أن هؤلاء الأشخاص وعروضهم تخطوا فكرة الاستثناء ليتحولوا في كثير الحالات والمجالات إلى القاعدة التي يعرفها كل فنان مبتدئ ويدركها بكونها واحدة من أكبر عقباته.

لكن حتى الاستغلال بشكله كما وقع على إدوارد لا يعد أفظع الاحتمالات. وهنا نجد أنفسنا عائدين إلى خالي من الكولسترول، الذي يجيب منذ مشهده الأول، وهو ملاحقه طويلة لأيوب الذي يستخدم عصى بيسبول لكسر وتدمير كل مكتب وجهاز في الوكالة الإعلانية، عن سؤال “إلى أي مدى يستطيع الاستغلال أن يصل بفنان بريء حالم”

الفنان كترس في آلة. 

“نحن كلاب الإعلانات المدربة. هو! هو هو!” زميلة مرحة من زميلات أيوب تخبره هذا في يومه الأول في الوكالة. الجملة التي ستضحكه، ستكون دوره حياته في العمل الإعلاني. 

لا يتعرض أيوب في “خالي من الكوليسترول” لاستغلال الجسد بطريقة جنسية، إنما يُطلب منه أن يسخّر نفس هذا الجسد في الإنتاج بلا توقف، بلا مشاعر، يتحول إلى ماكينة لإنتاج الفن، لكن مع شرط أساسي، أن يجلب هذا الفن الأثمان المطلوبة.
يذهب الفيلم إلى أبعد من ذلك عندما يناقش فكرة تجريد الفنان العامل في المؤسسات الإعلانية من أية مبادئ أو قناعات خاصة. يُسخَر من أيوب حينما يرفض التنصت على جلسة مغلقة لسيدات لا يعرفن أنه يتم سماعهن، وذلك بغرض قياس رغباتهن ومن ثم توجيه الحملات الدعائية على أساس تلك الرغبات. 

نجد أيضًا الأم الطفلة “جميلة” وقد أصبح تواجدها مستهجنًا بينما لم يشكل أية مشكلة في الماضي، بل أن مرافقتها لأيوب كانت أشبه باصطحابه لنقاوته أينما ذهب. مثلت جميلة هذه النقاوة أو الطفولة، كما مثلت كذلك التوقعات البريئة عن عالم صناعة الفن. ففي التهويدة التي تغنيها لأيوب تقول:

“أطلع فنان زي أبوك، هتلاقي الناس حبوك، وفي القلوب يشيلوك” 

ومقابل كل جملة يرد عليها فريق الفنانين في الوكالة “عايزاه يطلع فنان لأبوه!، هيغيروا منه ويحسدوه، وهياكلوا حقه ويظلموه” لأنهم خاضوا بالفعل تجربة أيوب من قبل، ففقدوا التوقعات وكسرتهم الحقائق.

https://soundcloud.com/baselgogo2/y1lsdgafb6el?utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_sharing

سرعان ما ستظهر جميلة كعبء في بيئة العمل القاسية والسريعة، وسيقف أيوب بنفسه صارخًا عليها، مستنزفًا بسبب الضغط والمنشطات التي يطعمه مديره إياها لإجباره على الاستمرار. ذلك الإجبار الذي يصل به في النهاية لصناعة الشريط الدعائي الساخر والفاضح – وهو أشهر مشاهد الفيلم – ويقوم أيوب فيه بصناعة دعاية قائمة على عرض حقائق المنتجات بدلًا من إيجاد طريقة لإخفائها أو تجميلها، كما فعل دائمًا. 

النهاية.
ثلاثة أعمال، ثلاث شخصيات، وثلاثة صُناع سينما مختلفين في خلفياتهم ومشاويرهم الفنية وحتى الميزانيات المتاحة لهم، لكن الثلاثة منهم لا يلون عنق الواقع من أجل وهم النهايات السعيدة.في “خدمات كيكي للتوصيل” وهو الفيلم الموجه أساسًا للأطفال، يجد هاياو ميازاكي خاتمة مبهجة إنما معقولة لقصة بطلته، فعندما يعلق صديقها في منطاد طائر، وبعد أن تكون قد أخذت فترتها من التعافي، سيجدد ذلك الموقف عزيمتها، ستدرك كيكي أن العالم بحاجة إلى غرابتها حتى لو لم يدرك هو نفسه ذلك. وستنطلق مكنستها الطائرة أخيرًا، إلا أنه وفي نهاية الفيلم اليابانية يقفز القط على كتف صاحبته، تناديه كيكي “جيجي!” فيجيب بالمواء، وهذا عكس النسخة الأمريكية التي تجعل القط يرد على صاحبته بالكلام البشري.

هنا وفي نسخة ميازاكي الأصلية استعادت كيكي شغفها، وعاد الجزء الأكبر من موهبة سحرها، لكن لا مفر من مواجهة حقيقة أن الإحباطات والاغتراب تركا أثرًا لن يُمحى فيها، لم تعد كل الأمور كما كانت، وفي ذلك دليل على أن كيكي خاضت حقًا رحلة نضوجها. 

أما في ” Edward Scissorhands” وبعد التعرض لسلسلة متاعب مختلفة، وبدلًا من ال “Art Block” فإن إدوارد يفقد التحكم في مقصاته وينتهي عائدًا إلى القصر بعد أن حثته الفتاة التي يحبها على ذلك، ولعقود قادمة، سيستمر أهل المدينة في تلقي حبات البرَد التي تصدر عن نحت إدوارد لتماثيله الثلجية، سينعموا بفنه دون أن يحتكوا به لأنه وعلى ما يبدو فهم غير مؤهلون لذلك بعد.

وأخيرًا هناك أيوب، الذي يترك صانعه “محمد أبو سيف” مصيره ضبابيًا، فنحن نشاهد الفيلم من بدايته إلى النهاية دون أن نلتقي بأيوب الحالي، أيوب الذي ظهرت قدراته التدميرية كذلك. وفي المشهد الأخير يجلس المحقق في قضيته جنبًا إلى جنب كاميليا التي تعاونت بإخباره حقيقة تعرض أيوب للضغط والمنشطات، يجلسان لمشاهدة الشريط الدعائي الذي سبب كل هذه الأزمة. لا يتمالك المحقق نفسه فتفلت منه ضحكات الدهشة والمتعة، فأيوب لايزال فنانًا، حتى وهو يدمر المعبد الذي عمل بالسُخرة في بنائه. 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع