كتاب “مصر الكبرى”.. بوصلة أحمد المسلماني في شرق أوسط ينزف

مصر الكبرى أحمد المسلماني

وليد خيري

في هذه اللحظات القاسية التي يكتسي فيها أفق الشرق الأوسط بلون الدم والدخان، وتحيل فيها آلة الحرب الإسرائيلية خريطة المنطقة إلى ساحة مفتوحة للخراب والأحزان، وسط هذا الضجيج المرعب وتساقط الثوابت، امتدت يدي إلى كتاب مصر الكبرى لأقرأه في هذا التوقيت بالذات، لعلي أتلمس في طياته جذور البقاء، وأستلهم من سطوره ملامح وطن عريق يقف راسخا بقيادة رشيدة في وجه العواصف.

يقف كتاب مصر الكبرى للمفكر والكاتب أحمد المسلماني موقف الذي يدرك حجم المسؤولية الفكرية الملقاة على عاتق المثقف في لحظات التحول المصيرية التي تمر بها الأوطان. إن هذا العمل ليس مجرد قراءة عابرة لواقع سياسي مؤقت، ولا هو سرد جاف لأحداث تاريخية انقضت، بل هو مشروع فكري متكامل وبنيان معرفي يحاول أن يعيد صياغة الوعي الوطني الجمعي، منتقلا بالقارئ من وجع ما أسماه مصر الصغرى إلى رحابة وحلم مصر الكبرى ، ليضع الدولة المصرية في مكانها ومكانتها الطبيعية التي تستحقها في خارطة الإدراك العام، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي.

يطرح الكتاب فكرة محورية تتجاوز الفهم التقليدي للزمن باعتباره خطا مستقيما ينتهي عند اللحظة الحاضرة. التاريخ في منظور أحمد المسلماني ليس مقبرة للماضي ولا متحفا للذكريات، بل هو منصة انطلاق حيوية نحو المستقبل. مصطلح مصر الكبرى بحد ذاته يحمل دلالات امتداد وعمق لا يرتبط فقط بالجغرافيا العسكرية أو التوسع الحدودي والمكاني، بل بالامتداد الحضاري والثقافي والروحي عبر آلاف السنين. لقد استطاع الكاتب ببراعة أن يرسم خطا متصلا يربط بين عظمة الفراعنة الأوائل الذين أسسوا فجر الضمير الإنساني، وعمق الحقبة القبطية التي عززت الروحانيات، وازدهار العصر الإسلامي الذي جعل من القاهرة منارة للعالم، وصولا إلى تحديات بناء الدولة الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين وحتى يومنا هذا، أجد أن هذا الربط السردي يمثل محاولة ذكية وفلسفية لتجاوز التقطيع الأكاديمي المعتاد الذي يقسم تاريخ مصر إلى جزر منعزلة وحقب منفصلة لا رابط بينها. المسلماني يتعامل مع الدولة المصرية ككائن حي واحد مستمر، يمر بمراحل من القوة والفتوة وأحيانا يمر بلحظات من الضعف والكمون، لكن جوهره الحضاري يظل ثابتا لا يتغير ولا يندثر.

ورغم أن النقد التاريخي الصارم قد يتحفظ أحيانا على بعض التجليات الرومانسية في قراءة الماضي، حيث يميل الكاتب في بعض الأجزاء إلى تجميل بعض الحقب التاريخية أو إبراز الجوانب المشرقة وتخفيف وطأة الانكسارات والتحولات البنيوية العنيفة التي عصفت بالبلاد، مقدما رؤية تركيبية شمولية على حساب التفكيك التحليلي الدقيق للتناقضات التاريخية، إلا أن هذه القراءة المحبة تتفهم وتستوعب تماما أن هدف الكتاب الأساسي ليس التوثيق الأكاديمي الجاف الذي يبحث في هوامش المخطوطات، بل هو الاستنهاض الحضاري وتعبئة الهمم. فالأمة تحتاج في لحظات التحول الكبرى وأوقات التحديات الجسام إلى استدعاء أمجادها الكبرى لكي تستمد منها طاقة الاستمرار وتنفض عن كاهلها غبار الإحباط، وهذا بالضبط ما فعله الكاتب باقتدار وحرفية، محولا التاريخ من مادة للدراسة إلى طاقة للفعل، وداعيا بوضوح تام إلى ضرورة الترميم النفسي للمصريين كخطوة أولى لاستعادة ثقتهم بأنفسهم وتجاوز الانكسارات.

الكتاب يغوص في أعماق الشخصية المصرية محاولا استكشاف أسرار ديمومتها وتفردها. يتناول المسلماني المجتمع المصري ليس ككتلة ديموغرافية صماء أو مجرد أرقام في إحصائيات سكانية، بل كنسيج معقد وحي من القيم والتقاليد والأعراف التي صقلتها آلاف السنين من العيش المشترك المستقر على ضفاف نهر النيل الخالد. يبرز الكتاب قدرة هذا المجتمع المذهلة على الاستيعاب والهضم والتمصير، وهي السمات الأصيلة التي جعلت من مصر بوتقة تنصهر فيها كل الثقافات الوافدة والغزوات العابرة لتخرج منها في النهاية ثقافة مصرية خالصة تحمل طابعها الخاص وبصمتها التي لا تخطئها العين. وهنا يبرز موقف نقدي شجاع للمسلماني داخل الكتاب، فرغم تقاطعه في جوانب فكرية مع جمال حمدان وعبقرية مكانه، إلا أنه يشتبك معه نقديا ويرفض بشدة تحليله القاسي لشخصية المصريين الذي وصمهم بالازدواجية والخضوع ، مؤكدا بوعي أن شعبنا يمتلك لياقة حضارية فريدة تمكنه من النهوض في لمح البصر متى توفرت الإرادة ، ومحذرا بشدة من خطورة مقولة معاداة المصرية التي يروج لها البعض لكسر الأنا الوطنية.

يرى الباحث المتعمق أن المجتمع المصري الحديث يحتاج إلى مزيد من التشريح لطبقاته وتفاعلاته الداخلية وما يعتريه من تحولات بنيوية قاسية نتيجة العولمة والضغط الاقتصادي والانفتاح التكنولوجي، وأن تصوير المجتمع ككتلة متجانسة تماما قد يغفل بعض التباينات الثقافية والجيلية، خاصة مع تطلعات الشباب المتسارعة، إلا أن المسلماني اختار بوعي وحكمة أن يركز على الجوهر الثابت والمشترك الذي يوحد ولا يفرق. اختار أن يسلط الضوء على الروح المصرية التي تتألق بشكل خاص في أوقات الأزمات الكبرى وتثبت دائما قدرتها المدهشة على التجدد والتماسك. إنها قراءة سوسيولوجية تؤمن بعبقرية المكان وعبقرية الإنسان في آن، وترى في التماسك الاجتماعي حائط الصد الأول والأخير لحماية الدولة من أخطار التفكك والانهيار في محيط إقليمي شديد الاضطراب تتساقط فيه دول مجاورة وتندثر هوياتها. إن الكتاب يقدم للشباب وللأجيال الصاعدة سردية إيجابية مضادة لكل سرديات اليأس والعدمية التي تروج لها بعض وسائل الإعلام الحديثة، مانحا إياهم بوصلة للفخر والانتماء.

وعند الانتقال إلى الزاوية السياسية والتحليل الجيوسياسي، نجد أن كتاب مصر الكبرى يطرح رؤية استراتيجية واضحة المعالم وبالغة الأهمية. يدرك أحمد المسلماني بعمق شديد مقتضيات الجغرافيا السياسية، ويفهم بناء على تحليل دقيق للواقع أن مصر لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تعيش في عزلة تقوقعية عن محيطها العربي والإفريقي والإسلامي والمتوسطي. فكرة مصر الكبرى تتجلى هنا في ضرورتها وحتمية استعادة دورها الريادي والتاريخي كنقطة استئناف لقيادة الحضارة العربية الإسلامية ، وفي تفعيل قواها الشاملة بشقيها الصلب المتمثل في قدراتها العسكرية والاقتصادية، والناعم المتمثل في إشعاعها الثقافي والحضاري. يضع الكاتب يده على مفاتيح القوة المصرية، مفككا بحرفية خرافة إسرائيل الكبرى التي أسرت عقول بعض الأجيال ، ليؤكد أن الأمن القومي المصري يبدأ من ما وراء الحدود الجغرافية المباشرة، وأن المبادرة الاستراتيجية هي شرط البقاء في عالم لا يحترم إلا الأقوياء، رافضا بشدة أن نعيش حالة من الهزيمة بلا حرب.

أرى أن الكتاب يمثل وثيقة استراتيجية طموحة جدا، ترسم خريطة طريق لدولة عظمى، لكن هذا الطموح النظري يصطدم أحيانا بالواقع البراجماتي المعقد للسياسة الدولية وتوازنات القوى العالمية والإقليمية. التحول نحو مصر الكبرى سياسيا واقتصاديا كما يرسمه الكتاب يتطلب إعادة هيكلة شاملة وتراكمات مؤسسية طويلة الأمد وموارد اقتصادية هائلة قد تواجه عقبات وتحديات مرحلية صعبة للغاية. السياسة في أرض الواقع محكومة بفن الممكن والموائمات اللحظية، بينما رؤية الكتاب تحلق في فضاء المأمول والمبتغى. ومع ذلك، وكما تخبرنا تجارب الأمم الناهضة، لا يمكن لأي نهضة حقيقية أن تبدأ أو تستمر دون حلم كبير ورؤية كلية واضحة، والمسلماني يقدم هذا الحلم في قالب سياسي منطقي ومقنع، يلعب دور البوصلة الأيديولوجية والسياسية التي تدعو صانع القرار والمواطن العادي والمثقف على حد سواء للإيمان بأن القدرة على الفعل المستقل وتغيير الواقع ما زالت ممكنة ومتاحة إذا ما توفرت الإرادة واجتمعت الرؤية مع العمل.

تمثل القوة الناعمة محورا أساسيا وحجر زاوية في فكر المسلماني داخل هذا العمل الاستثنائي. الفن، الأدب، الثقافة، السينما، والمؤسسات الدينية العريقة ذات الثقل العالمي مثل الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية، كلها أدوات فعالة تصنع صورة مصر الكبرى في الوجدان الإقليمي والعالمي. ينتقد الكاتب بأسلوب مهذب ومبطن تراجع بعض أدوات هذه القوة في العقود الأخيرة لصالح قوى إقليمية أخرى صاعدة، ويدعو بإلحاح إلى إحداث نهضة ثقافية وفكرية شاملة توازي في قوتها وزخمها النهضة المادية والمشاريع القومية العمرانية التي تشهدها البلاد. وفي هذه النقطة بالذات، يلتقي علم الاجتماع بالسياسة بشكل مثالي، فالدولة التي تفقد تأثيرها الثقافي والروحي تفقد مع مرور الوقت نصف وزنها الاستراتيجي والسياسي. الكاتب يقرع جرس الإنذار لتنبيه الغافلين، ولكنه جرس يبعث على الأمل والتحدي لا على اليأس والاستسلام، فهو يرى بعين الباحث المتيقن أن الجذور الثقافية المصرية أعمق وأقوى من أن تموت أو تتلاشى، وأنها تمتلك مرونة ذاتية تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتزهر من جديد وتملأ الآفاق إبداعا وتأثيرا كما فعلت على مر العصور.

إن هذه القراءة المحبة لكتاب مصر الكبرى في هذا التوقيت بالذات الذي يعصف بالعالم وبالشرق الأوسط بسبب عربدة إسرائيل تنبع من إدراك عميق ومسؤول لخطورة وحساسية المرحلة التاريخية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط بأسرها. نحن نعيش في عصر قلق تتساقط فيه دول كانت تبدو راسخة، وتتفكك مجتمعات عريقة، وتنهار الهويات الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية وطائفية وقبلية ضيقة تدمر الحرث والنسل. في وسط هذا الركام الإقليمي المخيف والضبابية المزعجة، يأتي هذا الكتاب ليكون بمثابة صرخة تنويرية يقظة تؤكد بكل قوة على مركزية الدولة الوطنية ككيان حامي وراع، وعلى أهمية الحفاظ على مؤسساتها وتماسك مجتمعها، بل والارتقاء بها لتصبح دولة محورية كبرى تقود محيطها ولا تنقاد له. الكاتب يمارس هنا دور المثقف العضوي المنتمي الذي وصفه أنطونيو جرامشي، المثقف الذي لا ينعزل في برجه العاجي ليكتب نظريات مجردة لا تمس أوجاع الناس، بل يشتبك بشجاعة مع الواقع، يحمل هموم وطنه على كتفيه، يطرح الحلول الممكنة، ويبث الروح الإيجابية وطاقة الأمل في أوصال مجتمعه المنهك. هذا الالتزام الأخلاقي والوطني الصادق يعطي الكتاب قيمة مضافة عظيمة تتجاوز قيمته المعرفية أو التاريخية البحتة، ويجعله وثيقة أدبية وسياسية من وثائق الانتماء الصادق والولاء النبيل للوطن.

ولا يمكن لأي ناقد أو باحث حصيف أن ينهي قراءة الكتاب دون الوقوف طويلا وبإعجاب شديد واحترام بالغ أمام أسلوب الكاتب أحمد المسلماني في صياغة هذا السفر العظيم. إن الكتابة في موضوعات جادة وعميقة تتشابك فيها مسارات الجغرافيا السياسية مع تعقيدات التاريخ ومتاهات علم الاجتماع غالبا ما تقع بسهولة في فخ الجفاف الأكاديمي الممل الذي ينفر القارئ، أو تنحدر إلى مستوى التقريرية الصحفية الباردة والسطحية التي لا تترك أثرا في النفس. لكن أحمد المسلماني، بحسه الأدبي المرهف، استطاع أن ينجو من هذين الفخين بمهارة، ليخلق لغة خاصة به تمثل نسيجا وحده، لغة رفيعة تجمع باقتدار مذهل بين الرصانة الفكرية والعمق الفلسفي من جهة، والرشاقة الأدبية والجاذبية السردية من جهة أخرى.

وليد خيري

14 مقال
كاتب وناقد مصري صدر له: تجاوزت المقهى دون أن يراك أحدهم ـ ميريت 2006 حارس حديقة المحبين ـ العين ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع