كتاب “ثلاث مدن مقدسة”.. النص الكامل

جون ماري غوستاف لوكليزيو

 ترجمة وتقديم خالد النجار

 

لوكليزيو وأساطير التّيه

جون غوستاف ماري لوكليزيو وريث مترحلي القرن التاسع عشر ولكن بتفرّده المميز… وكان ذلك زمن القلق الكبير في أوروبا… حين اجتاح ما سمي حينها بمرض العصر تلك الكآبة الرومانسية التي دشنها فارتر بطل غوتة في روايته آلام الشاب فارتر والتي دفعت الكثير من شعراء الرومنطيقية إلى الانتحار…

وكان أن بدأ شباب أوروبا بهدم الأسوار والانطلاق خارج القارة العجوز….

 وكانت هناك هجرة كبيرة فوق ودروب العالم… رامبو المتنقل أبدا من شارلفيل مدينته الميلاديّة، إلى باريس، الى بروكسل الى لندن إلى قبرص، إلى جزيرة جاوا، إلى اليمن، إلى أثيوبيا…

 من ثلوج بلجيكا المزرقة بقمر الشتاء، إلى أزاهير حرار الصّحراوية الشديدة الحمرة. كان يغوص بقدميه، وينتزعهما مدى أسفاره الطويلة مشيا فوق طرقات أوروبا وكأنّه يقوم بطقس رمزي ينتزع به ومن خلاله نفسه، يجتثها من سجون الأم، والعائلة، والكنيسة، والدولة والوطن، ومن أوروبا الكاثوليكية البرجوازية الصاعدة، والضاغطة….

وبول غوغان الذي ذهب إلى الجزر الدافئة، جزر الماركيز بحثا عن منابع الحياة الوحشيّة، والبدائيّة، والبكر خارج أوروبا، ومات في أوقيانوسيا وهو يحلم بدفء أجساد المستحمات…

… ورحلات شارل بودلير الواقعية والخياليّة…. ومن قبله ذهب جيرار دي نرفال إلى مصر وكتب عنها أجمل الصحائف… وقبله ذهب أوجين دي لاكروا إلى المغرب… وذهب تيوفيل غوتييه إلى روسيا الأمّ، روسيا المقدّسة وريثة كنيسة بيزنطة.

وذهبت طوائف الشباب الحالمين اليوطوبيين إلى أميركا، وذهب الاشتراكيون الخياليون من السان سيمونيين إلى مصر…

وذهب… وذهب….

السفر خارج القارة كان تعبيرا عن رفض، وفعل تحرر… وكان هناك قلق كبير في أوروبا النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وما ان انتهى هذا القرن حتى كان شباب أوروبا قد اخترقوا أسوارها الجغرافية والثقافية وتوزعوا بعيدا في القارات… بعيدا فوق دروب العالم….

 ريلكة ذهب إلى اقاصي روسيا الصوفية مع صديقته وصديقة نيتشة من قبله لو اندرياس سالومي، ثم مال إلى الجنوب إلى تونس، حيث خلبته كوى سوق العطارين ثم ذهب إلى مصر أرض الأسرار و” الأنين” كما كان يسميها… منزّلا في النيل مع البحارة النوبّيين، واصفا رحلته في تلك الرسائل الطويلة التي كان يكتبها إلى زوجته كلارا…

وذهب هرمن هسه إلى آسيا باحثا عن الروحانية التي افتقدتها أوروبا العقلانية مقتفيا الينابيع الصوفية القصية في الهند… وسان جون بيرس… وعلى خطى صديقه الكاتب الفرنسي إيتيامبل ذهب إلى الصين حيث كان يقضي أوقاتا طويلة يجول فوق صهوة حصانه على تخوم صحراء غوبي، أو يختلي لأيام في معبد بوذي وسط القفر الآسيوي حيث كتب مقاطع كبيرة من قصيدته الملحميّة آناباز.

… وتاه الأب جاك مونو في الصحاري وكأنّه اراد أن يكون تحققا لمقولة فريديريك نيتشة: الصحراء تنمو، والويل لمن يخبئ الصحاري… إنها تجربة مواجهة المطلق واللا شيء التي تلقي بالإنسان في أقاصيه الدّاخليّة، وتوسع وعيه.

وأخيرا طار أندري مالرو من جيبوتي إلى اليمن بطائرات ما بين الحربين المروحية في مغامرة بحثا عن موقع خرائب مملكة سبا ولم ير سوى ورود بلاد العرب القانية….

    جون غوستاف ماري لوكليزيو… وريث كل هؤلاء الرحالة الغاضبين، ولكن بتفرده، ولكنه يظل في آخر الأمر ابن أوروبا، ابن ثقافة الغرب ينتمي شاء أم أبى إلى تقليد عريق تصل جذوره إلى اليونان ما قبل سقراط

 فترحله تيه أكثر منه تسفارا… تيه في الداخل في مجاهل الأنا؛ وتيه في الخارج في الجغرافيات بحثا عن تلك الطبيعة البشرية البكر التي افتقدها الغرب واستمرت في الثقافات غير الغربية التي يصمها علماء الأنثروبولوجيا الثقافية الغربيون بالبدائية.

يقول:

أن تسافر هو أن تمضي حقا للبحث عن الذات وعن الحقيقة الكبرى للحياة…

فهو لا يتنقل بحس الهرب من أوروبا الرومنسية، يقول: الهروب هو أن تمضي لألاّ تعود أبدا. ثمة كتاب وصلوا إلى هذا الحال مثل رامبو.

وليس رغبة في اللجوء إلى أراضي بكارة العالم كما هو شأن دعاة العود إلى الطبيعة مثل جون جاك روسو… وإنما كان سفره بقصد آخر، وفلسفة أخرى تقوم على التخلص من شروط الترويض والتدجين الثقافي، بالابتعاد عن عالم الغرب الذي يستند على قيم الهيمنة والسلطة.

بدا لوكليزيو كما لو أنه كان يحيي الروابط الإنسانية الأولى بالعالم والطبيعة مثل روبنصن كروزوي…. فقد جاء هذا الكاتب بعد ظهور علمي الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا أي بعد أن صارت معرفة الغرب بالشرق اكثر موضوعيّة وبالنّتيجة أقل تخييلا، وهذا ما قلب مفاهيم الغربي عن الأقوام الأخرى…

ذهب لوكليزيو في الأوّل إلى المكسيك لآنّه هزّته كما يقول ذات يوم من أيام طفولته صور بركان باريكوتين في المكسيك الذي كان قد ثار أيامها… وبعد ثلاثين سنة ذهب ليعيش في سفح هذا البركان.

جال لوكليزيو في كل القارات في الغابة الافريقيّة وهو طفل صحبة أبيه الطبيب… وعندما كما تقول العرب اشتدّ عوده، وكان عليه أن يكمل تحصيله الجامعي وضع رسالة بعنوان العزلة في شعر هنري ميشو.

وفي 1966 كتب مقالا حول رواية ترومان كابوت ” بدم بارد” قال فيه: إن روائيّ القرن العشرين لم يعد من الممكن أن يظل ذاك “الانسان المؤتمن” المزهو بثقافته، وبتجربته، وبأسلوبه. ومثلما كان الكتاب مدوني حوليات في القرون الوسطى فالكاتب الحديث هو اثنولوجي في الآن نفسه”. في تلك اللحظة، كان يبدو للوكليزيو أنه يكتب مجرد عرض لكتاب صدر حينها ولكنه كان في حقيقته يفصح عن نفسه. وفي ضوء أعماله التاليةالتي نشرها على امتداد الثلاثين سنة، بدت هذه الفقرة وكأنما هي نبوءة لما سينشره فيما بعد من أعمال، أوقل كانت بمثابة مانيفستو، وبرنامج عمل… فأغلب قصص لوكليزيو ورواياته، وسردياته، هي وبشكل ما عبارة عن مدونات ومرويات اثنوغرافيّة لحياة الشعوب التي يزورها…. ولهذا السبب أيضا كانت رسالته الأساسيّة للدكتوراة عملا اثنولوجيا…

كانت تجربته في المكسيك كما يقول جوهريّة في حياته، لقد لمس فيها الحدود القصوى التي من الممكن أن يصل إليها الانسان.

يقول:

” شكلت المكسيك بالنسبة لي صدمة فيزيقيّة عارمة، كانت قاسية جدّا. كان الطقس شديد الحرارة، وكان علي ان اقطع المسافات الطويلة عاري الاقدام. كان لزما علي اكتساب صلابة ومن ذلك الوقت، من تلك اللحظة التي لامست فيها ذلك العالم المكسيكي كففت عن ان اكون مجرد مثقف ذهنيّ…. هذا التحوّل الكبير، والتعامل اللاذهني غذّيا فيما بعد كلّ اعمالي. “

هكذا هي أعمال جون ماري غوستاف لوكليزيو، فيها شيء من أدب الرحلة، وفيها شيء من أدب المذكرات، وفيها شيء من الرواية وفيها شيء من الاثنولوجيا، وفيها شيء من الاتوبيوغرافيا أي السيرة الذاتية… كل هذا معبر عنه بواسطة كتابه تتمازج فيها شاعرية الكلمة بشاعريّة الأشياء. كتابة جوهرها كما يقول الإيقاع تعتمد الوصف الحيادي العالم الخارجي وتفاصيل والمشاعر الأولية متبعا حدسه

 

 رجل القارات…

لوكليزيو رجل مفرد في نصه، مفرد في حياته أصدر في الثالثة والعشرين روايته الأولى التحقيق وحصل على جائزة فرومنتان ومن يومها 1963 لم يكف عن الكتابة. أصدر الحمى، والطوفان، وتيرّا أرماتا وكتاب التيهان، والحرب، والعماليق، وثلاث مدن مقدسة، ونبوءات شيلام بيلام، والباحثون عن الذهب، والسمكة الذهبية

ولوكليزيو لا يشبه روائيي جيله. عاش في الهامش الروحي والأدبي وليس له علاقة بالرواية الفرنسية الجديدة ولا بتنظيراتها الحداثية رغم ظهوره لحظة كانت فيها الرواية الفرنسية الجديدة في أوج ازدهارها… كان يطير خارج السرب. بعيدا عن كتاب الرواية الجديدة.

ولكن لوكليزيو هو رجل القارات… أجل رجل القارات لأنه المثقف الباحث عن الثقافات المغايرة… وكأنّه يقول مع سان جون بيرس: تركت غباري فوق جميع القارات… وسفره ليس سفر رامبو الهارب إلى وهاد أثيوبيا القرن التاسع عشر من أم كاثوليكية متحكمة، ومن مجتمع تتحكم فيه ثقافة ديكارتية تعقلن كل الحياة. وليس هو سفر غوغان إلى تاهيتي بحثا عن بكارة العالم وعن حسيّة وبدائية تلك الجغرافيات الدّافئة، وليس سفر سان جون بيرس إلى صحراء غوبي في الصين ليصغي هناك في “رمالها الهائمة “وفي عرائها الألفيّ إلى ” الزّمن يصفّر فوق سطح الأرض… ” منشدا ملحمة الإنسان عبر الأزمنة وعبر الحضارات. وليست هي رحلة هرمن هسه الصوفية إلى الشرق، إلى ينابيع الشمس والحكمة في آسيا، ولا هو الولع الحديث بسحر الهند، بدياناتها وطريقة تفكيرها…وليس هو السائح البرجوازي الصغير اليوم في بلدان الجنوب، الذي يهجم مستبيحا حياة المدن والناس بكاميراه كانون بشكل من العنف الصّامت إزاء الأهالي كما لو كانوا أشياء، جزءا من الديكور، متبعا دليله السياحي المقدّس لا يحيد عنه، فهو في الحقيقة لا يسافر ولا يكتشف وإنّما يقوم بقراءة وباتباع دليله وما ينصح بزيارته من مطاعم ومتاحف وأماكن لهو ويحرم من معرفة كثير من الأشياء غفل عن ذكرها الدليل؛ سفره درس تطبيقي لما بين يديه من كتب وأدلّة سياحية. سفره فاقد لجوهر السفر الذي هو مغامرة واكتشاف وانبهار بما يصادف من الأشياء غير المنتظرة.

لوكليزيو رحالة مختلف عن كل هذه الأنماط التي عرفها الغرب بدءا من آخر القرن التاسع عشر: عندما بدأ أبناء أوروبا الغاضبون يبحثون عن كنوز الثقافات الشرقية والمدارية… أجل لوكليزيو… شخصيّة نوميديّة، هائمة على وجهها بلا هدف ولكن ليس بلا معنى. صوفي من رجال السياحة متدله بالطبيعة صوفي ولكن ببنطلون دجينز وبحذاء تامبرلند… ولد في نيس ولكنه ومن فجر طفولته وضعته الأقدار العائلية على طريق الأقوام البدائيّة أو قل أقوام الثقافات الأوّلية كما صارت تسمّى اليوم، فكلمة بدائي تحوي معاني التقييم والتعالي والعنصريّة… وكان أول بلد يزوره في طفولته هو الغابة النيجيرية حيث كان ابوه يعمل طبيبا.

كل شخصياته الرّوائية بدءا من شخصية هوغان في كتاب الفرار إلى شخصية ليلى في كتاب السمكة الذهبية؛ كل شخصياته مرصودة إلى التيه، والصعلكة والتطواف. الكل يؤسس وجوده على مبدأ الحركة الذي هو علامة حريتهم.

شعوبه هي قبائل المايا/ الأمبيراس / الهويخلوس / الكريستيروس / الفوناناس / الآميريديان.

وجغرافياته الواقعية والتخييلية هي أدغال نيجيريا /جزيرة رودريغيز /، جزيرة موريس، / مكسيكو/ ألبوكيرك في المكسيك الجديدة / جاكونا ـ المكسيك / كويوواكان ـ المكسيك / كل أقاليم الحضارات الما قبل كولومبية في الأمريكيتين/ دارتيان بباناما / هايتي/ مدغشقر/ طوكيو/ موسكو/ تايلاند / صحاري الساقية الحمراء.

ولكن ولعه الأساسي ظلّ هنود المكسيك، الذين عاش بينهم أكثر من اثنتي عشرة سنة.

كل نصوص وروايات لوكليزيو تروي / تقول هذه الأقوام وهذه الجغرافيات… لأنه ليس باحثا اثنولوجيا، أو أستاذا في الأنثروبولوجيا الثقافية تدوينه المباشر يقترب من تدوينهم… ويختلف عنهم في نقطة تتمثل في أن الثقافة الهندية لديه هي مصدر معرفة ونظرة أخرى غنية للعالم وأكثر إنسانيّة. فقد تعامل كما يقول أحد نقاده مع الأساطير من مقترب مادّي فيزيقي، تعلم من جماعات الأمبيراس الهندية كل علائق الإنسان بمحيطه الطبيعي التي نسيتها الحضارة الحديثة… الأمبيراس غيروا كل حياته… يقول عنهم: ” كل شيء يختلف لديهم: تصوّرهم للزمن، تصوّرهم للنفس، تصوّرهم للهدف من الوجود… إن العلاقات التي تربط بين أفراد العشيرة أو الجماعة لهي أهم لديهم من التطوّر التكنولوجي……” وهولا يقول هذا بوصفه باحثا اثنولوجيا، فقد عرف الهنود من الداخل وكل ما يهمه هو الناس اذ يتحركون في حياتهم النهارية الواقعية، لأنّ التنظير هو أيضا عنف يمارس على الآخر.

ويقول أيضا: ” الهندي لا يخاف من الموت ولا يخاف من المرض، ولديه غياب لذاك الارتباط الهوسي بالوجود الذي يتحكم فينا نحن الغربيين “… ولكنه يقدّم كل هذا من خلال نص مفتوح يقول عن كتابته: ” ليس من المهم تعريف ماهي الرواية، أو

ماهي القصّة القصيرة. أعتقد أن المسألة في الكتابة هي مسألة إيقاع… “

وهذا الكتاب الذي نقدم ترجمته اليوم للقارئ العربي أنجزه بعد إقامة في مدينتي يوكاتان وكينتانا روو أيام بدأ يتعلم لغة المايا، وهو نموذج للنص المفتوح، وللتعرّف على الناس في حياتهم اليومية ومن الداخل على هذه الثقافات الغنية والرائعة والتي ران عليها صمت كبير وانتبذت بالنسيان، فهو يحييها، يسترجعها يعيد اكتشافها اكتشاف قيمها الأكثر إنسانية من قيم الغرب الذي ابتعد فيه الانسان عن الطبيعة عن ينابيع الحياة السعيدة تخلى عن تلك الصلة الشاعرية بالشمس والهواء وضوء القمر وبالمياه والحشرات….

في هذا النص أيضا نلمح كل خصائص كتابة لوكليزيو: غياب أنا الكاتب، الحديث الآني عن الأشياء المادية اليومية من ناس وأحداث، وبالتالي ابتعاد عن التنظير والتجريد والعالم يتمظهر في النصّ بريئا، وحياديا، وبلا أيّ تدخل من الرّاوي.

 

صيحة أنطونان المختبل التي لم تضع في البريّة

 

 جون ماري لوكليزيو جدول مفرد، متفرّد داخل الكتابة الحديثة في فرنسا. فقد جاء بعد تيار الرواية الجديدة الذي مثله في حينه أواخر الخمسينات وبداية الستينات الثلاثي آلان روب غرييه وميشال بيتور، ونتالي ساروت. وسبق من ناحية أخرى النّصّ الحديث المفتوح، الرواية الحديثة التي مضت في كل الاتجاهات وكسرت إلى الأبد المعمار البلزاكي الذي ظل مهيمنا على الرواية الفرنسية إلى ما بين الحربين ولعل رواية عائلة تيبو لروجي مارتان دي غار آخر نموذج لهذه الرواية.

ولوكليزيو متفرد في كل شيء: متفرد في الانتماء: لا جيل له ولا مدرسة ينتمي إليها. ومتفرّد في الصياغة فصياغته بسيطة تضع العالم قبل اللغة، قبل الأفكار حتى أن رواياته تبدو وكأنها بلا كاتب، فالمؤلف كما ذكرت غائب، لا يتدخل في النص، كما لوكان يملى عليه؛ لأن النص لديه هو الحياة متجلية في اللغة ولهذا السبب فهو متسع اتساع الحياة نفسها.

لدى لوكليزيو كما يقول عنه صديقه الشاعر الفرنسي الكبير جون غروجان اطلاع واسع على العلوم الانسانية من تحليل نفسي إلى علم اجتماع إلى انثربولوجيا ولكنه لا يستخدم معارفه العلمية في نصوصه الأدبية، لا يقحمها أو يفرضها على القارئ، وإنما يعرض الفكرة إذا ما صادف ورآها متجسّدة في الوجود اليومي للبشر. الوجود اليومي الذي هو حقيقتهم الأولى والأخيرة. ولوكليزيو متفرّد في اختيار مواضيعه. موضوعه هو حياة البشر الذين انتبذوا بالنسيان، أقوام الثقافات النّائية، والشعوب المنسية التي لا يذكرها أحد… قد يكون كتابه عن شعب صغير يعيش في واد ناء من أميركا الجنوبية أو افريقيا أو آسيا أو أستراليا، وهو ما منح أعماله نكهة اثنوغرافية. فنصّه يقع في جغرافيا ملتبسة بين تقارير الرحالة المكتشفين، والتحقيق الصحفي والتسجيل الاثنوجرافي وهذا أيضا منحه تفردا آخر، اذ نادرا ما تعرّض الأدب للأقوام الأخرى إلاّ في شكل أدب رحلات، أو معالجة ذهنية بحتة كما فعل أندري مالروـ فيما دعاه بالمتحف التخييلي لدى حديثه عن الهند ومصر واليمن ومقارنتها بالغرب، واستعراضه لتكرر التجارب، وتشابه الرموز عبر الحضارات المختلفة والمتنائية في المكان وفي الزمان. حضارات لم تتواصل ابدا ورغم ذلك يراها متشابهة ـ أ واعتماده رؤية مسبقة، كما هو شأن بيرل باك، وجوزيف كونراد، وهنري ميلر في كتابه عملاق ماروسي رغم تباعد أساليبهم.

 لا، لوكليزيو شيء مختلف كلّ الاختلاف عن هذا التعاطي مع الشعوب الأخرى لأن مقتربه ابداعي؛ وكما هو شأنه دائما في التقاط الشخصيات المتحررة من الثقافة الغربية حتى وإن كانوا من داخل المدن الغربية فإنه يختار الأطفال لأنهم الأقرب إلى البدائيين مثل الطفل موندو في مجموعته القصصية التي بهذا العنوان أو الطفلة لولابي التي يقول الكاتب على لسانها:

إنّني أقوم ببعض الحماقات فلا تؤاخذني. كنت أشعر فعلا أنني في سجن لا يمكنك أن تعلم…. ربما تعرف كل هذا ولكنك تمتلك الشجاعة للبقاء أما أنا فلا أملك تلك الشجاعة. تخيل كل تلك الجدران في كل مكان عدد كبير من الجدران إلى حد أنك لا تستطيع عدها، حواجز بأسلاك شائكة وأسيجة وقضبان حديدية….

وكل هذه الجدران والقضبان التي يذكرها على لسان لولابي ليست سوى رموز لما يكبل الانسان الحديث في المدن الغربية

وهو يحاول ومن خلال كتابته الروائية تقديم عالم سعيد عالم يتمتع فيه الانسان بوجوده الأصلي وسط الطبيعة. رؤية تحولات ضوء النهار منذ البزوغ، وخفق النجوم ليلا وارتعاش مياه البحر وخيوط المطر وتقلبات الضوء في زجاج النوافذ

باختصار استعادة شعرية العالم التي افتقدها الانسان المعاصر في المدن الكبرى من لحظة فك ارتباطه بالطبيعة…. كتابة لا تتأسس على قاعدة ذهنيّه ولا تعتمد معمارا روائيا محددا، أو أي تدخل خارجي وحبكة. هو يسافر أيضا عبر الكلمات اذ يتشكل النص لديه

في ثلاث مدن مقدسة نرى لوكليزيو يكتب بكل بساطة عن الحياة اليومية التي خاضها وسط هؤلاء البشر، تلك الحياة السعيدة دون تدخل، لا تقييم ولا إرسال أحكام على عالم بشري ثقافي مختلف عن عالمه الغربي. لقد عاش بينهم كواحد منهم، لأنّ لديه تلك القدرة الفائقة كما يقول جون غروجان على التقاط أشياء العالم المباشرة: عندما نلتقي أنا ولوكليزيو يكلمني عن الشيء الذي رآه في حينه. قد تكون غيمة رائعة او شجرة بدأت اوراقها بالتساقط. هو يتكلم مباشرة عن شيء مجسد، عن تجربته المباشرة مع الاشياء المحيطة بنا… وفي نفس السياق يقول جون غروجان: عندما يكون لوكليزيو يعمل على موضوع ما فانه يترك نفسه تتشرب الموضوع وبعد ذلك يقدم لنا العالم الذي استسلم له، العالم الذي تشربه…. ومن هنا فان للكاتب دور ثانوي في نصه، بيد أن هذا لا يمنعه من استعمال ضمير المتكلم من حين لآخر.

  ولكن ماذا يريد أن يبلغنا لوكليزيو من خلال هذا النمط من الكتابة؟

  في الأوّل تبدوا أعماله وكأنّها تحقق كتابي لصيحة أنتونان آرتو في تولهه بطرائق التفكير المكسيكية. أنطونان أرتو الذي مارس تأثيرا واضحا على رؤية لوكليزيو إلى الثقافات الاثنية فقد سبقه التي تمجيد حضارة الانسان الذي يطلق عليه بدائي والذي يراه أرتو أكثر تحضرا من الانسان الغربي….

  ورغم أن لوكليزيو يعتبر كتابه هذا: ثلاث مدن مقدّسة شبه تحقيق فإنّه لا يبدو في هذا الكتاب موثقا اثنولوجيا، أودارسا تقنيا للهنود الحمر حسب المناهج المتبعة في العلوم الانسانية. وإنّما الثقافة الهندية بالنسبة له هي مصدر معرفة، وعلى الرجل الغربي أن يتعلم من الهندي الأحمر أشياء كثيرة: يتعلم محافظة الهندي على تلك العلائق الروحية التي تربط الانسان بوسطه الطبيعي. والتي افتقدها الإنسان في مدن الغرب الحديثة، فهذه الثقافات التي نقول عنها بدائيّة هي ثقافات أكثر طبيعية وبالتّالي أكثر إنسانية. ولوكليزيو أحد الرواة النادرين الذي تعامل مع الأساطير من مقترب مادّي، فيزيقي. ومن يوم ذهب إلى قبائل الأمبيراس وهو يبحث عن التناغم بين الذهني والفيزيقي، عن توازن فلسفي…. تعلم أن يصغي إلى أصوات الصّمت التي لا نسمعها لأننا محكومين بطرق تفكير مغلقة. يقول: لوكليزيو وهو يتحدث عن ذهنية جماعة الأمبيراس الهندية:” كل شيء مختلف لديهم، تصورهم للزمن، تصورهم للنفس البشرية تصورهم للهدف من الوجود، إن العلاقات التي تربط بين أفراد العشيرة أو الجماعة لهي أهم عندهم من التطوّر التقني….

 ولكن من هوجون ماري لوكليزيو؟

 ولد جون ماري لوكليزيو في مدينة نيس الفرنسية سنة 1940 من اب انكليزي وام فرنسية. عاش طفولته أيام الحرب العالمية الثانية بمنطقة جبال الالب البحرية حيث التجأت عائلته… طفولة مليئة بالقراءات حول الجغرافيات البعيدة والاصقاع العجائبية والشعوب الغريبة. قرأ في طفولته عن بركان باريكوتين المكسيكي وبعد ثلاثين سنة ذهب ليعيش في منحدر هذا البركان… من سن الحادية عشرة بدأت أسفاره مع العائلة إلى غابات افريقيا حيث عمل ابوه طبيبا ريفيا… بدأ الكتابة مبكرا كتب في افريقيا كتابين: الرحلة الطويلة، والأورادي الأسود. ومن ذلك الوقت لم ينقطع عن الكتابة التي تحولت لديه الى اسلوب حياة إلى وجود. فجر الستينات جرب التمثيل السينمائي وفي 1963 نال أول جائزة عن روايته التحقيق. في 1964 وضع دراسة أكاديمية بعنوان العزلة في أعمال الشاعر الفرنسي هنري ميشو… من كتبه العديدة الحمّى، التحقيق، الطوفان، الغبطة الماديّة، كتاب الهروب، الحرب، العماليق، سفر من الناحية الأخرى، نبوءات شالام بالام، مجهول فوق الأرض، صحراء، رحلة إلى رودريغيز، السّمكة الذهبية أناس السحب (عن عوالم صحراء الساقية الحمراء ووادي الذهب)، دييغو وفريدا….

 يعيش لوكليزيو الآن في نيس ببيت العائلة ذي العمارة الإيطالية أمام ميناء نيس القديم مع زوجته الثانية جاميّة المغربية التي جاءت من الصحراء والتي شاركته كتابه أناس السحب، ويواصل أسفاره، ورحلاته وكتاباته عن الثقافات والشعوب المنسية بشكل تخييلي – انساني ليقول للغرب أنه عليه أن يستعيد من الثقافات التي يسميها بدائية الثراء والعنفوان وتأصّل الانسان في الطبيعة وفي الكون؛ ذاك التأصّل الذي افتقده الانسان الغربي…

 وفي الأخير يعد لوكليزيو مع جون جيني من أهم الكتاب الفرنسيين المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني مع الوجع الفلسطيني الأمر الذي استجلب له ريبة بل عداء الكتاب الفرنسيين الموالين للصهيونية أمثال فيلكلكراوت وبرنار هنري ليفي وغيرهما، وخاصّة بعد ظهور نصه العتيد عن الفلسطينيين في مجلة دراسات فلسطينية التي تصدر باللغة الفرنسية في باريس.

 ***

**

*

 

ثلاث مدن مقدّسة

الفصل الأوّل

شانكاه

 

 الأشجار المتراصّة تشكّل على جانبي الطّريق التي نوغل فيها جدارا غير قابل للاختراق، إنها أشجار صامتة جامدة في الهواء الجامد في الهواء الخاوي الذي بلا طيور وبلا حشرات، في الهواء الصّلب والكثيف الذي نخترقه الهواء الحادّ مثل شفرة مرهفة ومحمّاة داخل هذا الهواء نتقدّم في مسالك متعرجة وسط الغابة، متسلّقين المرتفعات أو مشاطئين الأخاديد، والأشجار من حولنا تشكل أسيجـة قاحلة تخفي الأفق، وتمسك الرّيح بمخالبها، نحن لا نسمع شيئا. فالأشجار تمتصّ ضجيج المحرّكات، تمتصّ جلبة وهزيم وتمزّقات محرّكات الشّاحنات وعربات الشيكلوروس، تلك الشّاحنات التي تبدو وكأنّها تريد أن تقتلع نفسها اقتلاعا من سّطح الأرض الأسفلتي الحارق، وهناك أيضا كل جلبة الطّائرات المقصوصة الأجنحة.

 ليس الزّمان هو الذي يفصل بين الأشياء، ولا المكان. بل هي الأشجـار.

 الأشجار المتراصّة النحيلة والجافة، شبيهة بالمومياوات، غبار داكن يغطّي أوراقها. والصّمت يرين على كلّ شيء. وهناك في قلب السّماء الزّرقاء الكثير من الصمت ومن الاقفرار ومن الخواء ممّا يوحي كما لو أنّ الكلمات لم توجد أبدا. ربّما من عمق الفضاء يأتي الغبار وكل حبّة عجاج بلون الرَماد تسقط من السماء وتقع على أيَ ورقة تسدّ مسامّها وتمتصّ الضّجيج كما يفعل الثّلج. لا توجد حجارة هنا، ليس ثمّة هواء، وقطعا لا يوجد ماء، ليس ثمّة هنا سوى هذا هذا الهباء اللاّماديّ الـذي يجعل كل شيء بطيء الحركة، نتقدم عبر الغابة التي تشتعل بلا لهب، والتي يسقط غبارها الرّمادي ثانية فوق الأرض المنبسطة، نتقـدّم على امتداد الطّريق البيضاء بلا هدى، وبجهد جهيد كما لو أنّنا ننيء بعبء. والغابة جدار، جدار واحد ثخين لدرجة أن لابدّ لنا من قضاء أشهـــر حتّى نعبره، والهواء الجامد سقف. وفي باطن الأرض ذات الصخور الحارقة تنتشر الشّبكة اللاّمرئيّة للجذور، والفضاء الكامد، المجهول، المتكاثف، والذي لا يسكنه أحد، يضغط عليك ويشدّك، ونحن نتقدّم كما لو أنّنا نسير القهقرى، دون أن نرى إلى أين نمضي، ودون أن ندري أيّ الأشياء نغادر. كنّا كما لو أنّنا نولـد من جديد، هنا، في هذه الفرجة مختنقين بين الأشجار وممدّديــن مباشرة على سرير من الأغصان مغبرّ، يقرضنا النمل الاسود. إنّما لأجل هذا نسير نحن فوق هذه الطّريق، وربّما لنظفر بمكان الولادة.

 هل توجد الحريّة، عندما يكون كل هذا الكمّ الهائل من الأشجار المتراصّة؟ عندما يكون كل هذا الفضاء، وهذه السماء الشاسعة، والأرض المنبسطة، والغبار؟ لا توجــد الحريّة. إنّها مختنقة بالصّمت، بالرّماد، جامدة في الهواء الذي بلا نأمة ريح، منسيّة مع الكلمات الأخرى المنسيّة. والآلهة التي تعرف كيف تتكلّم كفّت عن الكلام.

 نتقدّم عبر الأشجار كالنمل عبر الأعشاب. رجال صامتون يرتدون الأبيض يمضون نحو السرّ. الرجال شبيهون بالأشجار يمضون من جذع إلى جذع بلا حركة منفلتين في هبّة واحدة لا مرئيّة.

 أين هي مدينة شان سانتاكروز، أين هي؟ الأرض أقفرت، والمدن، المدن الحقيقية المقدّسة أين اختفت؟ لقد كانت نيرانا تبهر بعض البشر فينجذبون إليها مثل الحشرات. إنّها عواصم سريّة هائلة يغطيها الذّهب واليشب، حيث لم يكن يتوقف صخب الملاحم: واليوم، ماذا بقي اليوم؟ سوى أنّه الزمن الحاضر.

 الأشجار النحيلة أغلقت دائرتها، لقد تراصّت الواحدة تلو الأخرى، لقد سدّت المداخل، والعوسجان سدّ الطرقات. والجذور تطول تحت الأرض، إنها تبحث بلا أمل عن الماء، وهي التي تصدّع في الآن نفسه أساسات المدن القديمة.

 وشان سانتاكروز، التي توهجت، وتشظّت، والتي دفعت الرجال الذين أوجدوها، دفعتهم على الطّرقات المحرقة. لم تعد اليوم حتّى مجرّد ذكرى، إنّها نقطة بيضاء في الزمن، لطخة، أثر جرح لدمل استؤصل، موضع دمامة وضجيج. والآن يوجد هذا المركز غير النابض ملتقى الطرق الأربعة التي تعبر الصحراء الرّماديّة. إنّه مركز انعدام الذاكرة، حيث تتوقّف الباصات ذات المحرّكات السّاخنة للحظة. وحيث ينتظر المسافرون، أمام مجمع البناء القديم المعرّى والذي يعلوه صليب من النّيون. كيف نصل ذات يوم إلى شان سانتاكروز؟

 نتقدّم على امتداد طريق الغبار، على غير هدى، متجنبين حزوز الأسفلت الأسود حيث تطلع علينا، الباصات والشاحنات، والدراجات الناريّة. الضوء الشّاحب والسّاخن ينطوي على حلم تموج فيه أشباح غريبة. وهي منتصبة أمام شان كويك، الجنود والنوهوخ تاتيش، والأب اسبيون، وسادة الموسيقى. وقوافل البغال تعود من بيليز، والمحاربون يسيرون نهارا وليلا عبر الفيافي حتى خليج السييريتوسانتو وحتى أدغال مستنقع باكالار. رجال يغطيهم العرق وتخدشهم الأشواك يتسللون بصمت عبر الغابة، وبعد عبورهم احترق تيكوك، كوروزال، تيهو سيكو، تيماكس.

 مخطئة هي كلمته، مخطئ فمه، مخطئ نظره، الكاتون katun مخطئ مدّة حكم آه بولون كين، سيّد الشموس التّسعة، وبولون آم سيّد العناكب التسعة…. عندئذ يدلى الحبل. خبز شجرة السايبا أسود وهو خبز الإله كاتون 9 آهاو، عندما تظهر علامة النهارين. وصفحة وجه الإله ساكو اكنال، بيضاء ساطعة طيلة تحكّمه. وقتئذ يرفع الماء، ويرفع خبز كاتون ويسود الخوف. فالحرب طعامه، والحرب شرابه، الحرب مسعاه، والحرب قلبه، والحرب عقله، ولكن الإله 9 آهاو يطلب الشيء القليل من سدنة معبد هالاش وينيك. وتكون للشعب منازعات كثيرة. ولكن ذاك هو خبزه، وذاك ماؤه، وذاك بساطه، وذاك مجده. ويقع سفاح كثير.

 هذه هي كلمة عهد كاتون، وهي من تكليف الإله 9آهاو، كما أنبأ بذلك كاهن الشمس الأكبر شيلام بالام.

 بيد أنّها أضغاث أحلام، أليس كذلك، فلم يحدث شيء، إنّها الأحلام التي تنكشف للشّيوخ الكبار ساعة الاحتضار.

  كانت التّعاليم تنتشر في الغابة بشكل سريع، تخرج لامرئيّة من فم البالام نا. لقد كانت تعاليم موت. والغابة هي التي تذيعها حتى تخوم الأرض، تلقائيّا مع حركة أغصانها الجافّة وأوراقها وجذورها الباطنية. والأشواك السّامّة لم تكن تنبت اتفاقا، بل كانت تنبت بهدف القتل، إنّها سهام ثابتة تنتظر أقدام الأعداء. والآبار المحرّمة. ولم تكن أيضا الثّعابين، والبعوض. والعقارب حرّة الحركة. لقد كانت مرسلة بدءًا من الحجرة السّرية. وهي مطيعة لصوت الصّليب الحقيقيّ. كانت الكلمات تصوّت كما لو كانت ترسل من حلق عملاق، صوت حادّ ومحشرج يتلو وصاياه، ينبثق من قلب الغبش. وأولئك الذين يسمعونه كانت تأخذهم الرعدة. الأرض الكبيرة الرماديّة الخضراء كانت ترتعش، والريح الحارقة التي تغمر الأشجار تشيع هي أيضا كلمات النقمة والموت. كانت كلّ الأشجار رعايا للصليب. وكان الرجال يسكنون داخل الأشجار. لقد كانوا هم جنود الغابة. في الأماكن المقدّسة، وفي فوه الهاويات، أمام الصّدوع التي في الحجر والتي تفضيي إلى المياه الجوفيّة، هناك كانت الصلبان الخشبية تقف حارسة. تشير لأركان السماء الأربعة وفي وسطها كان الانفجار البطيء الذي يمزّق الأرض كلها.

 نتقدم ببطء بين جدران من الأشجار، نقفو الآثار، كنا نتعرّف على المسار الذي اتخذه الحلم. في ميدان فيليب كاريّو بويرتو، في مركز تقاطع الطرق الكنيسة خاوية مثل طبل لا ترجيع له. وكنيس البالام نا خاو. لا أحد يتكلم. والصّليب، الصليب الحقيقي اختفى. وحلت محلّه صلبان أخرى، ولكنها صلبان من خشب موات مثل خشب المشانق. دارة الحاكم، وبيوت الحراس، والمدرسة، ومخيمات العبيد هي الأخرى خاوية. والضجيج يعمّ المكان: أجهزة الراديو وصناديق الغناء في الدكاكين الصغيرة، وهدير المحرّكات، ومضخّمات الصوت التي تبث بيانات المنتصرين. والصليب الجديد هو مادّة القار الأحمر الذي تسير فوقه الشاحنات.

  نتقدّم ربما متقهقرين، لنمرق داخل عالم آخر، عالم بلا ذكريات ربما لنلمح ذات يوم قباب مدينة شان سانتا كروز البيضاء الشبيهة بالسّراب. طريق الغبار تمضي اتفاقا، تتبع درب أولئك الهاربين. وهي طريق رجراجة، عريضة حينا وضيقة حينا أخرى. إنها طريق العطش والجوع واليأس. والمدن المغزوة تظل منهزمة إلى الأبد. خاوية معابدها وأسوارها لاتحميها. والآلهة المهانة أشاحت أنظارها وتخلت عن البشر. هناك صمت كبير الآن، هناك خواء شاسع جدّا كما لوأن انفجار العنف قد استنفد مرّة واحدة كل قوى الأرض. الغبار يغطي ورق الشجر وآثار الأقدام. والشاحنات القويّة تنهب مسافات كبيرة من الأراضي الجافة والقاحلة فوق طرقات شيتومال، وتولوم، وتيهوسيكو. تعبر لامبالية، وخلف دواليبها يرتفع الغبار ثم يعود فيهوي من جديد. وضجيج محرّكاتها يكنس رؤوس الأشجار ثم يتلاشى. الأشجار المتراصة خرساء، والضجيج والكلمات لم تعد قادرة على الانتشار.

  ثمة عنف كبير هنا. جفاف كثير، ورغم ذلك يخيّم هدوء شديد. الأشجار لا تهتزّ. الهواء مقفّر، سوى غيوم من الذباب الدقيق تجئ أحيانا لا ندري من أين. ونحن لا نرى الأرض. نشاهد فقط طريق الغبار. وكتلة الأشجار والعلّيق والعوسجان. وفي السماء الزرقاء لا توجد غيوم. والشمس حارقة.

 نتقدّم كما لو أنّنا نحفر أخدودا في الأرض الجّافة. الأشجار والدغل وحتى الهواء المغبّر كانت محتمى وعطشى. لم تمطر منذ زمن بعيد، السماء خاوية، فيما مضى كانت الأمطار تحمل كلام الصليب الحقيقي، كانت تنزلق بهدوء من السحب. كانت تسيل في الأخاديد، مياها متدفقة حيّة تحت الصحراء تجري في الأوردة. واليوم لم تعد الآلهة تتكلم والصلبان جافّة. الشياطين الجديدة واللعينة، ترسل شاحناتها المصفحة فوق الطرقات السّوداء، وعندما تمرّ نلمح أسماءها المفعمة بالحقد وبالكراهيّة: بيبسي، كريستال، فانتا، ميزون كارتا بلانك، فينك، أورنح كروش، أسماؤها تطفو دوائر فوق الأرض المقفرة.

  لأجل هذا نهرب فوق طريق الغبار، وبهذا الشكل حسب ما تمليه علينا الصدفة، ربّما نظفر في أحد الأيام بالمياه، بالمياه القديمة، وبالكلام.

  وا حسرتاه، آه أيّها الإله اتزاس ! ها هي ديانتك الحقيقيّة لم تعد تساوي شيئا أمام الاله الحقيقي الذي ينزل علينا! كلامه هو الخطيئة، وتعليمه هو الخطيئة. وا حسرتاه! جاء هذا ليثقل على اخوتنا الصّغار، وقد تم هذا مدّة الكاتون 7 آ هاو: وهكذا حل الشقاء وحلّت الآلام من جرّاء الضرائب التي فرضت على الناس لأوّل مرّة، من جراء الضرائب التي عليكم تحملها غدا وبعد غد، والتي سوف تثقل كذلك على أطفالكم. هيّئوا أنفسكم لتحمل ثقل البؤس الذي سوف يرين على قراكم. لأنّ هذا الكاتون الذي يداول اليوم هو كاتون الشقاء، وهو كاتون الفتن التي من عمل الشيطان. استقبلوا ضيوفكم، الرجال الملتحين، رسل علامة الاله. إخوتكم الكبار يجيئون أخيرا، إنهم رجال التانتون. وسوف يطلبون منكم أن تشاركوهم قربانهم للإله. كاهن الشمس يسمى عندهم آه ميزنيلاكب. والباوما ّالمسيح الدّجّال حقيقة الزمن القادم، الزمن الذي سوف يحمل لكم وا حسرتاه أيها الأبناء كثيرا من النّحس وهذه كلمة الربّ إلهنا: “ستحترق الأرض، وسوف تظهر في السماء دائرة بيضاء كبيرة، زمن هذا الكاتون القادم”. إنّها الكلمة الحق التي تخرج من فم الرب الآب. وا حسرتاه! ثقيلة جدّا هي رسالة الكاتون الذي سيشهد إقامة المسيحيّة. وعندما تأتي، سوف تكون الكلمة هي العبوديّة، ويصير الناس عبيدا

 إلى أين، وإلى متى؟ شان سانتاكروز انطفأت. لقد كانت عاصمة للأشجار، وحلما للجذور والأرواق، والرجال الذين سكنوها لم يكونوا سوى خدم الغابة، كانويعيشون في بساتين السايبا، وأشجار الرند والأرز المرّ وكانت أسماؤهم السحريّة هي أسماء الأشجار، المصطفة والمتراصّة، التي تمدّ أغصانها في الهواء.

 

       فيغا

        جاسنتوباط     ناواط

        ماي

   غريسنسيوبووت      تون

      ألبرنزيوكاويش

       ياه

   اتزول      آي

 كوبول            كاكوم

   تيننت صولوب

     سه

  إك           شان

       خوان دولاكروز

وأسماء الأماكن، وأسماء المياه التي تنزلق تحت الأرض، والتي تمضي من شجرة إلى شجرة، وهي اليوم جروح ملتئمة، أسماء صموته، متوحدّة. أسماء قصيّة مثل فوهات براكين القمر، التي تنتظر جامدة أن يعود الصوت الحادّ الذي يجعل الأرض والأشجار والسماء تهتزّ من جديد.

 إكسنوريا

   إكسانشاكان

    هواه

          كوزوخ

  اسكوزان

توهبكو        تيكسهوالهتون

     تيكساكلكوبول

اسكوكاي            كانسوكس

  كسانلاه    ساهكابا

 موشوكوكسكاه         كسوسن

   كسوكاب   نوهييا    اتزابتوم

 شيكندزونوط    نابالام      خازيل

     توب   تيبيش    كسكاييل

 إكبادز         آكام بالام

اكسالاك تزونوت        دزيتوش

       تيوزوكو      شان شان

توزيك

   اكمابـن

أسماء كانت متحدة فيما مضى بسلطة الكلمة، وهي الآن، متروكة ة مثل جزر، خرساء، خرساء ونحن نوغل، مستمرين في التقدّم، على طول الممشى بين الأشجار المتيبّسة كأنها أوتاد سياج. نبحث بتلهف عن العلامات: عن الحريّة، عن رائحة الماء، عن هسيس الأصوات السريّة. كنا صامتين في أعماقنا بشكل لا يصدق. مضت أيام وأسابيع وأشهر لم ننبس فيها بكلمة واحدة، ومنذ أوقات، وأيام لم نشرب! أين الصليب الأنثويّ، المرتدي رداءه المخرّم والذي يعرف كيف يغمغم بكلماته الجديدة؟ الصلبان متخفية في الغابة الضيّقة، خشب صموت نائم، ثابت في حياته البطيئة. انسحب الرجال، لقد اختفوا داخل الخشب، وهم يعيشون الآن بلا حراك حياة هدوء غريبة، في شيخوختهم، كامنين في الأوراق وغارقين في الغبار، ملتصقين بالأرض الصلبة وعيونهم تبدو فواكه جافة في تشابك الأغصان. وهم يترصدون، وينتظرون يوما بعد يوم أن يؤوب الماء من السماء، وأن يستأنف الماء طريقه، ذاك النهر الجوفيّ الذي يسيل في الأروقة، والذي يحمل عبر الأرض الماء الذي يحرّك الحقد، والذي يسكّن العطش والجوع، الماء الذي يمنح يوما بعد يوم الحريّة بعد معاناة كثير من العبوديّة والحمّى.

  في زمن آهاو5، في زمن مولاك 5، سيتوفر الخبز حتى خارج الإقليم. سيكون هناك الماء مدّة تحكّمه الفريد، لأنه سيبايع حكمه. وسيكون حكمه ماجنا وفريدا من نوعه. ها هم منتصبون أمام البركة الطينيّة، منتصبون أمام خزان الماء، المسماة زهرة ماي شرابهم نهارا وليلا أمام الأخدود المفعم بالمياه. وملك هذا الإله سيمتد إلى كلّ الأرض وسيكون فريدا. في هذا الزمن سيغادرون آبارهم وكهوفهم، لأنّه هكذا كان مصير الإتيزاس الكبار. اذ يغادرون بسبب نحسهم. يغادرون آبارهم وكهوفهم للذهاب إلى بلاد الغابات، إلى بلاد الحجارة.

إنما إلى هنا سنصل، بعد هروب طويل عبر الأشجار نصل مهانين ومهزومين. وسنفتح مساحة وستتسع حلقتها كما تتسع حلقة الرقص فتدفع بجدار الأشجار. وتبين الأرض. إنها أرض جافة وصلبة. بلون الصديد والرماد، حجارة غبارية تغطّي سطح الأرض الكلسيّ. وفي قلب الدائرة، هناك صخور كبيرة بيضاء ثابتة. ليس ثمة حشائش ولا زهور، لا شيء من شأنه إرواء غليل الذاكرة. هناك فقط ذاك الوكر العاري، الذي جعلته حرارة الشمس صلبا، وبحر الأشجار الداكن الممتد حتى الأفق، إنها آثار محرقة جديدة.

  اختفت شأن سانتاكروز غمرتها الرواسب. اجتاحها الإسفلت، وأكواخ الجنود الخشبية والدكاكين وسحب الغبار التي تثيرها إطارات، دينا وشيفي وفورد وبلوبيردBlue Bird Ford Chevy Dince إنه حلول مملكة الأشباح، بينما يترجع الضجيج مرّة أو مرتين في الرأس. وأمام مجمع البيوت الأخرس. وفوق سطح مبنى الجوقة الأحمر تنتصب قارورة بيبسي كولا عملاقة.

  الأسماء التي كانت تجوب الغابة، في الماضي والتي كانت ترتعش في العساليج وتنزلق في الريح من قمة إلى أخرى، والتي كانت تسيل في الأروقة المظلمة تحت الأرض. والأسماء التي كانت تتكلم من خلال فوّهة كلّ بئر. لم نعد نسمعها. الرجال الصموتون، ثقبوا قلوبهم. وهكذا توقف القلب عن الخفقان والنوم الطويل تملّك الأرض. نام الرّجال، أغلقوا جفونهم. وغادروا ولكن، وبدخولهم مجتمعين في النوم ولجوا داخل حلم لاينتي.

  في قلب فرجة الغابة، وفوق الصخور البيضاء توجد بيوت الحلم الثلاث، تحيط بها في شكل دائري البيوت الأخرى، مثل حزام من الجدران الحجرية الجافّة. لقد مشينا كثيرا، وهربنا بعيدا في طريق الغبار، بين الأشجار الصموتة فكان كما لو أننا وصلنا إلى عاصمة خاوية هي قلب الصحراء. لا رجال في فرجة الغابة هذه لا نساء ولا أطفال، هناك فقط بعض الحيوانات الهائمة، خنزير، كلاب، ديكة هنديّة. الصلبان تحرس مدخل المدينة، مرتدية قمصانها المخرّمة إنها حارسة الحلم الطويل الذي يحلمه الجنود القدامى.

  وما تبقى من هذا العالم خاو، لا شك، أنه خاو بشكل بائس، وأنه أخرس، أعمى. وهي أرض صلبة، مغطاة بأشجار بلا حس تشقها الطرق السوداء التي تمضي من مخزن قوارير إلى مخزن قوارير آخر. الشاحنات، والدراجات الناّريّة وحتى الطائرات لا تعرف الضجيج الحقيقي ولا الأماكن الحقيقيّة. محرّكاتها مندفعة تجرها سريعا عبر الفراغ. أين هم الرجال والنساء؟ إنهم متروكون ومتوحدون ولا مرئيين، هم الجنود القدامى ينتظرون في مركز الغابة أمام بيوت الحلم، بيد أنهم لم يعودوا يعرفون ما الذي ينتظرون. وخادما الغابة لاس كروساس ودورمان يتربصان بأيّة إشارة، ينتظران أيّ هسيس أية غمغمة، وأيّ رعشة قد تأتي في نفس الوقت من مركز الأرض ومن قلب السماء مما يعني أن اللحظة قد أزفت. والحلم ينوس في الناحية الأخرى. ليس بعيداً، إنّه يرتعش على حدود الغابة، وما ننتظره يأتي في النهاية.

  في أماكن أخرى، في الجوار، العالم لا ينهار، لا يتعفّن، لأنّه وبكل بساطة غير موجود، إنه في حالة تحول وهو عبارة عن حركات، وأعمال، ومال يدور لأجل لا شيء. أما هنا، في قلب المجال المقدّس، أمام ديار الصلبان، فثمة طاقة هادئة، وقوّة صّامتة، وإرادة، وأمل، وحريّة، وحياة حقيقية لا بد من أن تعود في النهاية. يجب الانتظار، بإصرار، وكلّ يوم لا يمكن أن يكون إلا انتظارا. للبشر قوّة تفوق قوة آلهتهم. وهم ليسوا سوى جنود عاديين، يدركون الضرورة. الأبديّة أمام الصّلبان، الأبديّة العقيمة، أما البشر فيعرفون كيف ينتظرون، لأن لديهم ذاكرة. نوبرتوياه وآرنز نوغويش، وجهان منغلقان لا تعبير لهما، يشبهان الأرض، بلون الأرض الصابرة العنيدة. لا طمع في ثراء. سوى الماء، الذي يجب أن يسقط، الماء يجب أن يفصح من جديد.

  الجفاف في كلّ صقع. والأرض صلبة، محترقة، ترنّ تحت وقع الأقدام. للأشجار أوراق نحيلة ذات شكل مخلبي، والغابة ملتفّة على نفسها، سوداء. ويوم اثر يوم والشمس تتلظّى في السماء، لم نعد نشهد الآلهة مطلقا لأن الحرارة قزمتها، صارت مجرد نقاط دقيقة في اتساع الفضاء. والحلوق الناشفة لم تعد قادرة على الكلام. وحتى الذاكرة نفسها انكمشت، لم تحتفظ سوى ببعض الآثار، ببعض التجاعيد.

بين الرب في مركز مدينة شانكاه دي لافيرا كروز ينتظر تحت سقف الأوراق البارد الظلال كما في مدخل كهف. في قلب كنيس البالام نا والصلبان لا تكاد ترى في الظلال، منتصبة بلا حركة. إنّها من خشب السدر شبيهة بالأشجار التي تغطّي الأرض، وشبيهة أيضا بالبشر. طويلة وأيديها مرتخية، ومرتدية غلائلها. أكبرها صليب عملاق أسود ارتفاعه ثلاثة أمتار. يرتدي قميصا طويلا بخطوط عموديّة. إن الصلبان والمياه لهي نساء. وهي نفسها ما تجود به المياه من ذرة وفاصولية وحياة.

 إنها هي التي قد تدل على الدروب الأربع التي تتقاطع اليوم فوق أنقاض مدينة شان سانتا كروز:

تولوم

مونا          فيجيا شيكو

شيتومال

  في الدار المظلمة. وتحت قبة الأوراق، صف الصلبان يقوم بالحراسة. ووراءها تقبع

 أنصاف الالهة مقعية على ركبها داخل كواها. تحت قوس من السعف المضفور، التماثيل مهدّدة. والموت غير بعيد، وربما الانتقام. والأشباح الضائعة في الغابة الشاسعة المظلمة، تتقدم في صفوف هندية على طول الطريق الذي ينغلق عليها في كل مرّة. وهم يتنقلون من نقطة ماء إلى أخرى، بوجوه أحرقتها الشمس، وبملابس وسخها الغبار، وبأقدام مزّقتها الأشواك. إنهم مسلحون بالسواطير وبالبنادق القديمة.. وفي الريح السّوداء لكنيس البالام نا في سان شانتا كروز يتردّد الصوت الناحب للصليب الحقيقي. صوت نواط الصاعد من بطنه، وتجيبه اصوات أخرى، صوت صندوق زيناكانتان، وصوت عرافّة معبد طولوم

هكذا تخترق الأصوات الهواء وتمضي من صليب إلى آخر، ومن شجرة إلى أخرى. والغرباء يرتعدون في قصورهم المرمرية. أمام الصلبان هناك الناس الجوعى والهاذين من شدّة العطش والحمّى والصليب يملي تعاليمه ويبعث بالرسائل إلى بيليز وواشنطن، وإلى بابا رومة. الصلبان ثائرة تبغي ارسال العقاب، والموت والكاهن الذي يقوم بالتأويل يصغي إلى الصوت ثم يبلّغ الوصايا. والرئيس ينظم المعارك. والأب إسبيون يرسل أعوانه عبر الإمبراطورية ويأمر بتصفية الخونة.

 أما اليوم فإن الأشجار صامتة من جديد، جامدة، وضاغطة بجذورها على الأرض الجافّة. تلزّ بجذوعها بعضها إلى بعض، إنّها حارسات الحلم، وقد سجلت الكلم على ألياف خشبها.

 الرجال يقضون حياتهم وهم متربصين بالأشجار. ينتظرون عودة الاضطراب الذي يهزّ الأغصان، ويبعث الحياة في الأوراق. الهفيف الناعم الذي يجئ من كامل الأرض، ومن السماء كلها والذي يملأ وبسرعة الفضاء بجبال رمادية وسوداء ملتفة على بعضها مثل الأمواج، ثم تأتي الريح، يأتي الهبوب الأوّل البارد فتبدأ الأشجار بالتّموّج مثل صفوف جيش متحرّك ووراء الريح، من ناحية الأفق تقبل وبأقصى سرعة سحابة ضبابية كبيرة فاتحة أجنحتها، فنسمع الخرير،الخرير الوحيد للماء المنهمر.

  آه لتأتي، لتأتي ومعها الثأر، وربما العدالة والحياة. في الصحراء الحارقة ووسط الجذوع المحترقة، في الغبار الأبيض وفي الآبار المنقورة في الصّخر كل الناس ينتظرون. دارة النبيّ جاغوار في مركز فرجة الغابة تحتشد بالظلال الباردة. وعلى الأرض الرجال ركّع يصلون بصوت منخفض مستقبلين الصلبان الملتفة بأرديتها. والتماثيل الصغيرة لا تكاد ترى من وراء الصلبان.                                                                                                                                          

  هاهنا أحد الأمكنة الأكثر خطورة في العالم، إنّها تبدو كنقطة. نقطة وحيدة وسط الصحراء، نقطة تغطيها الأشجار، نقطة قصية، قصيّة جدّا، مجهولة وضائعة، مكان بسيط فوق أرض شديدة الاستواء، كثيرة السكون، محترقة بالشمس وبالجفاف، منضغطة، هادئة، ملمومة على بعضها مثل فم مزموم الشفاه، مكان لا نستطيع إدراكه بالكامل، ولا نستطيع أن نحبّه بالكامل، إنه خارج متناول الكفار، وتحميه أسيجة ضيقة من جذوع الشّجر، تحميه من الرّجس ومن الكلمات، ومن النظرات، إنّه مركز الأرض التي بلا ماء، وهو يقع فوق الدياميس الباردة والمنقورة في الحجر،، والمياه اللاّمرئيّة تصعد من جديد على امتداد جذور الشجر، راسمة دوائر متحدة المركز حول المساكن ووسط الباحة، وفي دارة النبيّ، تسيل المياه اللاّ مرئيّة في مسام خشب الصلبان، ناشرة على أكتافها شعورا كوكبية، ومالئة الكنيسة بضبابها وبظلالها مثل كلام، كلام ألفاظه هفهافة بلا مادّة، إنّها مياه ذائبة مختلطة وهي الآن تغطي أرضية المكان وتنزلق في أقدام الحاضرين العارية، المياه التي هي الكلمة الوحيدة تلك التي ظللنا نترجاها منذ قرون طويلة، الصوت القديم الذي يترجع داخل بناء البلام نا مرّة هادئا باعثا على السكينة ومرّة أخرى مرسلا صريرا ثاقبا، صوت الآلهة المختفية في كبد السماوات التي بلا سحب، آلهة غائبة، قوى رهيبة مختفية في قيعان الآبار، وفي تيّارات الأنهار الجوفيّة الباردة، قد تطلب الانتقام، والغضب الطبيعي الذي ينفجر فجأة فوق السهل المقفر. ويجعل قطرات المياه والشرارات تطقطق، شآك، هادزوغ، شــآك، الصلبان السوداء المكسية بأرديتها ذات التخريمات تبدو مثل هياكل عظمية لآلهة أنحلها العطش، إلاّ أنّه تجري في أعضائها قوّة الحياة التي لا تقهر، ومن جذور شجر السيبا المتكلسة تصعد ريح واهنة رخيّة تنطلق من الأرض وترتفع نحو السماء، والكلمات تنتظر، والخلايا تنتظر، نخاع العظام وغبار الأرض ينتظران، الأرض المتشقّقة تنتظر، الأعشاب والذّرة تنتظر. وسينجو فقط أولئك الذين يعرفون كيف ينتظرون، وفي الفضاء اللاّنهائي الذي يتراجع أمام البصر الفضاء الأزرق الذي ظل يسبر غوره منذ قرون، هناك مخابئ الآلهة الأربعة المقنعة بوجه حيوان الطابير في تكشيرة ساخرة، ولأجلها كان لابد من صلوات كثيرة تتلى، ودماء كثيرة تراق، واليوم ها هي صمّاء، خرساء، والصلبان الثابتة تمدّ أعضاءها الأربعة نحو الشمال، ونحو الشرق، ونحو الجنوب، ونحو الغرب بينما في مركز جسدها، في الرحم تماما ثمّة عين واحدة تبصر وتتشرب النظرات الأخرى، أجل هنا يقع أحد أماكن الأرض الأكثر قداسة، إنّه يهتزّ، ولا يرى في مركز الامتداد الرّمادي والأخضر، وإذ تطوف بعض الحرائق، هذا المكان نقطة تلاقي دروب كثيرة متوتّرة، لا تتغير بينما كل الإقليم في الجوار يرتعد، ينتفض يصمّ آذانه عن هدير المحركات التي لا طائل من ورائها، يشيح ببصره عن الحركات والإشارات وبهرج الألوان التي لا طائل من ورائها. فم مزموم الشفاه لا يطلق أيّ صرخة، ولا يسمح لأيّ شكاة أن تنطلق منه، بيد أنّه داخل الأدمغة ووراء أقنعة البرونز ذوات الأنوف المعقوفة، ووراء الجفون الثقيلة ثمّة ذاك الصّليب الأسود الذي يشطر العالم الذي بلون الملح نصفين ووراء العيون هناك امتداد الأرض الغارقة في السكون التي تتفتح مزيحة حاجزين عريضين جدا عن الإقليم الذي صار في النهاية حرّا، وحيّا، ومن الجهة الأخرى للشفاه داخل الفم هناك الأناشيد المكرّرة والصّلوات، الرجال راكعون فوق بلاطات كنيس بالام نا مثبتين أنظارهم على جيش من الصّلبان مرتدية جبابا وعلى مجموعة من التماثيل الراكعة في الظلال، ونظرها مرتدّ إلى ناحية الزمن الأخرى، إلى بداياته، عندما كانت السحب تتكدس مصطفة على خط الأفق، وتتقدّم ببطئ وهي ترسل بروقا، والأرض ترتفع لاقترابها كما يرتفع الصّدر الذي يستنشق الهواء، وفي كل مكان: في الشجر، وفي الأجساد، وفي الأجواء كان الكلام الوحيد يتردّد راجفا، الكلام الذي لم يكن ليقول شيئا آخر سوى الحقيقة، والماء، والحرية، الحريّة، الحريّة، الحريّة.

  في القاعة الداكنة لكنيس البلام نا، يبدأ تناول الغداء. يسير الرجال حفات حتى يصلوا إلى الرّهبان الذين يوزعون عليهم غذاء التورتيلاس، والبوزولن وحساء اللوبياء. الشوربة الساخنة تكوي الحلق، والفلفل يحرق الشفاه، وخبز الذرة يملأ المعدة. الطعام والشراب هي اللغة الوحيدة للآلهة، والاستجابة الوحيدة للصّلوات. الأطفال يركضون داخل الكنيس والنساء جالسات على الدّكاك يأكلن ويشربن بصمت. ليس هناك نصب، ولا كتب ولا كلمات. هناك فقط الغذاء، الغذاء اليومي الوحيد الذي يمنح القوّة، والذي يبعث الأفكار والتّأمّلات والذي يندفع نحو قلب الجسد ثمّ يتفشى مشعّا، إنه موجات قادمة من أركان الأرض الأربعة حتّى تصل إلى البطون حاملة رسالة المياه، رسالة الأرض، والرّياح، وتترجّع ذبذبات هذه الموجات سرّا داخل البناء المظلم، محدثة ضربات عميقة مثل قلب يخفق، وربّما في الأعالي، حول الشمس البيضاء ترى هذه الموجات وهي تتباعد باستمرار وتجري على صفحة السماء مثل القشعريرة.

 هنا، ندعو بلا توقف. وننتظر المياه، والانتقام، والحياة.

 في بقاع أخرى، في المدائن المقفرة، يموج البشر، يصرخون، يرتفعون، وينخفضون، ومحرّكات السيّارات تهدر، تمزق السكون. إنّهم يبغون الهدم، يريدون المحق والإدماء، ولكن وجوه سكان مدينة شانكاه لا تعبّر عن أيّ مشاعر، إنها أقنعة من الطين المحروق، تخفي، وتمارس الحماية.. الصلبان السّوداء ذوو الأذرع المتباعدة في أرديتها الهويبليس البيضاء، منتصبة فوق مركز الأرض، ثابتة، قويّة بينما بحر الأشجار النحيلة، المحترقة، والعطشى، ينتظر بلا نهاية. والماء الشحيح يسيل في سيقان النبات. وفي الأخاديد العميقة ثمّة المياه الميّتة. وإنّما من السماء تجئ ذات يوم المياه الحقيقيّة.

**

الفصل الثاني

تيكسكال

   مرّة أخرى يصعد برد الليل فوق الأرض، قادما من الأعماق، فيزيد من صلابة الهضاب الكلسيّة، ويضغط على جذور الأشجار. الرّيح تهبّ، ريح صحراء، ريح الشّرق المصحوبة بالخطر ويغلق البشر على أنفسهم داخل بيوتهم، محتمين بالسقوف التي من ورق الأشجار، يتدثرون بفرشهم المتأرجحة التي من سعف السيزال. لا ينتظرون. بيد أنهم لا ينامون. هنا مكان التربّص الدائم، كما لو أنّنا نرصد اللّيل من فوق هضبة مصغيين إلى الهمهمات التي تحملها الرياح. البرد يصعد من فتحات الآبار، إنّه تنفّس ثالج قادم من باطن الأرض. والخفافيش تطير في الظّلمة، تجنّح صائحة في تيّارات الهواء. إنها بداية الليل. وما تكاد الشّمس تنطفئ في غرب الإقليم المنبسط، حتى تخيّم الظلال فجأة فوق الأرض. وفي الليل، هل تخمد الحروب؟ زمن طويل مضى على نشوب المعارك الأولى. كلّ ليلة، تتناء القرى مثل طوّافات، تائهة عن مركز الإمبراطورية، عن مدينة شان سانتاكروز الطيفيّة. والغابة هي قياس الزمن، فهي التي تفصل هكذا بصمت بفعل تنامي أغصانها وجذورها، وتتطاول دروب الغبار. وياتي الليل، ليلة أخرى تصعد من قبّة كنيس البالام نا الرماديّة وكنيس البالام نا بناء خاو، وهو الآن متروك مثل جزيرة، ضائعا في الليل. عندما ينسحب الضوء، ضوء السماء الحارق، لا يبقى سوى هذا الحقل المقفر، حيث تومض نيران بعض القرى. وبعد مسير طويل وعناء كبير، نظلّ نرتعد، فجمود هذا العالم مرعب، والطرقات مقطوعة.

   الآن تتجلّى السماء، شاسعة سوداء حيث تومض النّجوم الباردة. وبين الأشجار ترتفع بهدوء اسطوانة القمر البيضاء. الريح تجعل الحجارة تطق وتتفتّت على سطح الأرض الكلسيّة. لا يوجد ماء. هناك فقط برد حادّ، إنه برد الفضاء.

   على هذا النّحو يمرّ الليل، في قلب البلاد المسطّحة، وبعيدا عن البحر، بعيدا عن الجبال، بعيدا عن المدن. وعندما يأتي صقيع الليل يعزف الناس بتاتا عن الكلام. حتى الكلاب تكفّ عن النباح. والأطفال الصغار يلتصقون بأجساد أمهاتهم ملفوفين في أردية معقودة، والشيوخ يتأرجحون في فرشهم المعلقة وأنظارهم شاخصة لليل. ليس هناك ما يقال الآن. ليس هناك ما يقال. الأسرار مغلقة داخل الأفواه بتأثير البرد. وبتأثير الظلمة وكل ما نترجّاه لا يجئ في الليل. الأحلام تعّطلت، وليس ثمّة ذكريات. وما نفع الذكريات؟ فهنا الحاضر هو المهيمن، وهذا الموضع هو المكان الأكثر يقظة فوق البسيطة.

   البرد يصعد إلى سطح الأرض، قادما من الكهوف، وينتشر فوق ساحة القرية، ويغطّي الغابة. يتملك الأشياء واحدا إثر الآخر. ويلج كلّ بيت مع الريح ومع الضوء القمري. ويتسرّب البرد في أجساد البشر المتمدّدين في الفرش المتأرجحة، يوتّر العضلات، يفقد الشفاه حساسيّتها، ويشدّ على النّخاع. انسحبت الشمس والليل قاس. علينا أن نظل بلا حراك مدّة ساعات، لساعات نظل جامدين: العيون مفتّحة على اتساعها، ناظرة من بين شقوق خشبات الجدران إلى المشهد الذي يضيءه القمر.

  هنا لا نستطيع أن ننام ولا أن نغيب عن الوعي، هذا هو مركز اليقظة، في هذا الجزء من العالم الذي أشاحت عنه الآلهة وجوهها وتركته للبشر. في أماكن أخرى بعيدة عن هذا المكان، هناك الجرائم، والتجديف، والتكالب على المال، وسيطرة الأجانب في القصور البيضاء، هناك الشعوب المجوّعة والمهانة، في المدن الاسمنتيّة، هناك الهرج والانحطاط، هناك ذاك الذي يكذب، وذاك الذي يسرق،وذاك الذي يقتل، في مدن فالادوليد،  وتيزيمين، وفي فيليب كاريوبويرتو، وفي شيتومال، وفي مدينة بويرتو خواريث، هناك الحياة الحيوانيّة الدميمة التي تتطاول على كرامة الصّلبان. هناك

الحنث والتجديف، وكلّ هذا يتكرّر كلّ يوم، بيد أنّ العقاب لا يحلّ أبدًا، الجفاف، الذي هو غياب كلمة الماء. ولكنّ الماء يتدفّق في البلاد الأخرى سائبا بلا جدوى، في الخزانات وفي أحواض السباحة. في حين أنّ الصلبان هنا صمّ أمام الآبار، والكتب منسيّة. وكل الأحداث التي وقعت: انتصار الجنرال برافو، الاستيلاء على مدينة شان سانتاكروز، وخيانة انكليز منطقة بيليز، وخيانة الجنرال ماي، كلّ هذا غير مدوّن في الذاكرة ولكنّه يتجلى فوق الأرض، وفي ساحات المدن.

  في وسط البلد الأفقي، في مركز المدينة المقدسة، وداخل كنيس نيت نوهوخ تاتيش، يوجد الوجه الذي بلا انفعال، الوجه الشامخ للجندي العجوز المسمى مرسالينوبوت. وجه بلون الأرض، له خطوط عميقة ووجنات عريضة مع الفم ذي الأشداق المرتخية، والأنف المقوّس الكبير. والعينان برموشهما الثقيلة ترسل نظرات بلا حقد ولكن بثقة هادئة ومتعالية يخفيها إلى حد ّما وهن الشيخوخة والوجه لا يقول شيئا. إنّه يهيمن وسط البيت. في ضوء النهار الغارب، ونظرته البعيدة تتابع تحرّكات الرجال من حول دار الحرّاس، فهو الذي يقود خطاهم.

  أيام وليال كثيرة تتباعد ببطئ عن قلب الامبراطورية، عن الحرم المهجور الـكنيس بالام نا، تتباعد عن ساحات القتال، وعن المقابر. وصراع الناس وتقاتلهم هنا ليس من أجل الحصول على بعض فدادين من الأرض، ولكن لإنقاذ الكلمة الحقيقيّة. الكلمة التي كنا قد سمعناها من قبل عندما كان الكاهن نوحوخ تاتيش يلقي أوامره لجنود كريزوب، وعندما كان الكاهن التاتابولان مفسّر الصليب، يملي رسالاته الأخيرة. كان وقتها ياوم بول إيتزا يدوّن ما يوحي به إليه خوان دولاكروز من كلمات، وكان كلامه كلام الأرض كلها، والغابة بأكملها، وكان كلامه هو كلام الماء البارد الذي يتدفّق في الدياميس تحت الأرض. وكان كلامه هو كلام الحياة التي لا تنسى أبدا.

هكذا، أيها الأخوة المسيحيون، أوصيكم كلكم كبارا وصغارا، اذ يجب أن تعلموا أن هذا اليوم هو اليوم والسنة الذي سيهب فيه هنودي مرّة أخرى لمقاتلة البيض، كما قاتلوهم في الماضي، أوصيكم كلكم كبارًا وصغارا حتى تعلم كلّ المفارز التي تحت امرتي… فأنا أوصيهم بأن يحفظوا ما سأقول في قلوبهم وفي أنفسهم، حتّى إذا ما سمعوا وشاهدوا طلقات بنادق البيض موجهة لهم لا يرهبونها، إذ سوف لن يلحقهم أيّ اذى. إذ ها هو قد حلّ الآن اليوم، وجاءت الساعة التي على هنودي أن يقاتلوا فيها من جديد الجنس الأبيض…

  الوجه القاسي واللطيف، والذي بلون الطين ـ لون الأرض المحروقة بفعل تسعين سنة من الشموس والحرائق، الوجه الذي براه المطر، وطهّره الجوع والعناء، الوجه الحقيقي الأكثر جمالا والأكثر هدوء، إنّه يهيمن على مركز القرية. لم يعد يحرّض أبدا على الحرب. ولم تعد نظرته تشّع بالانتقام. والآن ها قد صار منسيا، تفصله الغابة، بينما ينمو ظلّ الليل القريب الذي قد يمحو صورته إلى الأبد، بعيدًا عن عنف وعن أطماع غزاة المدن. ويمتدّ سلطان الظلّ على بلد الأشجار، وعلى حقول الذّرة واللّوبياء، وعلى بيوت الورق، وعلى الآبار. إنّه حاكم القرى الحقيقي، حاكم بيوت إيكسمابن الطينيّة وبيوت سينار، وتوزيك، وإيكسكيشي المبنيّة بصفائح القصدير وبالآجر. الظلّ يهيمن على قصور تيهوسيكو، وعلى آكام بالام، وزاسي الخربة. والرجال المسلّحون لم يعودوا يجوبون السهوب. وفوق الطريق المسفلتة التي تنحدر من الشمال إلى الجنوب، تمرّ الشاحنات سريعا وهي ترسل هدير بمحركاتها. وعلى الدّروب المغبرّة تزحف الحيّات تاركة آثارها الشبيهة بآثار الدرّاجات فوق الرّمال. إنها تمضي لصيد الجرذان والضفادع في ضوء القمر.

  بيد أنّه هنا، في مركز البلد المسطّح، لا توجد حركة. وجه الرجل العجوز يهيمن باستمرار، بلا حراك وبلا كلام. ومن قبله، من عينيه ومن كلّ ملمح من ملامحه ينبثق الوعي، وتنبثق القوّة التي تنظّم هذه الأرض.

  أجل، هنا يقع المكان الأكثر يقظة في الأرض، مكان الوعي الشامل. الوعي لا ينتظر. لا يتأمل نفسه. ولا يتطلّب شيئا. لا يتذكّر الأيام ولا يحسب الليالي، ولا يحفظ الساعات، ولا يسجّل المناقب، ولايرسل أحكاما. وكلّ ما يبتغيه يطلبه هكذا بصمت، وبكبرياء. وما يطلبه ليس سوى الانتقام، لا المال. فالوعي متوافق مع إرادة الآلهة، ولا يطلب سوى ذاك الخبز والماء.  

   العطش شديد، فوق الأرض، نهارًا وليلاً، عطش ييبّس الشفاه، ويجفّف الحلوق، ويدمي أطراف الأصابع، الحقول أيضا عطشى، الأرض متشقّقة، متصدّعة. تخترقها أثلام خاوية. وحول المدينة الأشجار ذات الجذوع النّحيلة صامدة، وداكنة في الهواء الثلجيّ. واللّيل شبيه بالزّجاج الحجري يلتمع ضوؤه الأسود، رحيبا وبلا ماء. والريح تزفر ولكنّها لا تحمل غيوما ولا ضبابا. لا تحمل سوى برد السّهول الحجريّة اللاّسـع. الهواء. والأرض، والسماء كلها عارية. في أماكن أخرى ربما هناك أنهار وبحيرات، ومواسير مفعمة بالمياه وبفقاقيع المياه. في أماكن أخرى هناك أحواض السّباحة الشّديدة الزّرقة، والمغاطس الدّافئة، والأحواض الشفّافة التي تفور في قصور أصحاب المصارف، وتجّار ورق السيزال. هناك المروج الناعمة لقطعان الثيران، وهناك الينابيع، وعيون الماء. في أماكن أخرى، وعلى طاولة ما هناك كأس ماء، نستطيع شربه بيسر وملأه باستمرار.

   بيد أن الوجه القاسي والنّاعم للرّجل العجوز يهيمن هنا من وسط الغابة. إنما هنا يقع مكان ولادة دورة المياه. هنا، بفضل صلاة الرجل العجوز في مركز الغابة.

   في هذا المكان، لا يعرف الماء الولادة اليسيرة. إنّه ينبثق بعد عذاب، مثل الحياة التي نصلّي لها مدّة أشهر طويلة، نترجّاها، نرغبها، ونتأمّلها، ونناجيها بأرواحنا وبأجسادنا ليلا نهارا.

  داخل الليل الوجه العجوز جامد. ولكن وبلا توقّف تنبثق منه الكلمة. الكلمة القديمة التي تقود أعمال البشر، وتقود حياة الأرض. ربمّا لم يعد لنظرته الآن ذاك الحقد، بل رأفة كبيرة لأنّه صار يرى التاريخ من بدئه حتى نهايته. وبصره يرى عبر سجف الليل ما يحدث في الناحية الأخرى من الغابة، يرى القرى التي تلتهب، والمزارع المخرّبة، والأطفال الميتين، والأفق الذي تغطّيه الأدخنة الحمراء. بصره يخترق الليل البارد، ويرى كلّ شيء يذوي. صدى كلمة المدحورين يترجّع أعلى من كلمة الغزاة. فهو يمرق فوق أوراق الأشجار مثل الرّيح. يتحرّك في شقوق الأرض، ويكدّر صمت الآبار العميقة.

   الصوت الشاكي ما يزال يتكلم في الظّلمة. يتكلم عن الحرب التي لا يمكن أن تتوقّف، بما أن الماء غير متاح للبشر، ولكنه ينهمر من السماء في الوقت الذي يتدفق فيه الدم من القلب ويغوص في الأرض. ولكنّ الأرض باردة اليوم، ضاغطة من حول قرية الحرس. وجه مارسيلينوبوت صلب كالحجارة، وتجعّداته غائرة، وبشرته ساخنة بالنهار وباردة بالليل. مرسيلينوبوت، إنّه آخر سدنة الصليب، والجنديّ الأخير لمعركة لم تنته بعد. وهولا ينام، إنه الرجل الأكثر تنبها في العالم، إنه حارس أرض السّهوب. وهو المطّلع على الغيب. والسّاهر على الذّرة، وعلى الآبار، والأشجار، وهوالذي يرصد الغيم اللا مرئيّ الذي لابد أن يأتي، وهو الذي يصغي إلى كلمة الصليب بيدرو باسكوال باريرا الأخيرة، وهو الذي يرى من وسط بيته، الطرقات التي تقود إلى جهات الكون الأربعة.

   إنما هنا، داخل الليل. يعطي الوجه أوامره في الفضاء ليس بالقوّة، ولا بالعلم، وإنما وببساطة بالنظرة. ونحن لا نستطيع أن ننسى، لأن التاريخ متواصل لم ينقطع. وفي القرية، للنساء وللرّجال تنفّس متناغم، والأشجار والنّباتات تنمو بإيقاع واحد. الأيدي تقوم بنفس الحركات، والشفاه تتلفظ بالكلمات نفسها. أجل لم يتوقف أيّ شيء. والماضي شيء لا وجود له، فقط تجد البشر يشيخون ثم يموتون، والكلمة المهموسة تنزلق من جسد إلى آخر.

   الوجه منغلق وهادئ. وسلطانه قويّ لدرجة أن الكلمات الأجنبية لا تقدر على المجيء. تظل حيث هي صخب، تعجّب، نداءات ناشزة وبلا جدوى. والأجانب تعدادهم بالملايين. تراهم يشعلون أضواءهم، ومحركاتهم الميكانيكية تهدر، وهم يشربون الماء بيسر، ويأكلون خبزهم بلا اشتهاء. سفالتهم تنمو بسرعة، وأموالهم تتحرك: تشتري وتبيع وتشتري بلا توقف. في بلدانهم المليئة بالعنف لم يعد للآلهة وجود، وهي لا تظهر أبدا. كيف تريدها أن تأتي، والسماء مفصولة عن الأرض بالسقوف وبالجدران.

  في هذا المكان السماء شاسعة إلى درجة تبدو كما لو لم تعد هناك أرض. فوق البلد المسطح السماء منتصبة، سوداء، عميقة. النجمات الباردة تلتمع بوميض جامد، والقمر مكتمل. وفوق الغابة ضوء الليل جميل وقصيّ، وفي ساحة القرية ظلال البيوت شديدة الدّكنة. قد تكون هناك بعض الحيّات تعبر المسارب، والخفافيش اللاّ مرئيّة تصيح وهي تطير حول الآبار. الليل كثيف وبارد، كما لوكنا على قمة جبل عالي.

  الجنود لا ينامون، لا ينامون أبدا. عندما يطلع النهار يذهبون للعمل في مزارع الذّرة. وعندما يجنّ الليل يذهبون إلى الدار الكبيرة، ويتأملون نيران الشموع التي تشتعل أمام الصليب. أو يتطلعون إلى الليل وهم ممدّدين في فرشهم المتأرجحة وأنفاسهم تتردد بيسر. والآن ها الأطفال ملتصقين بصدور النساء. والنيران مطفأة. وفي وقت متأخر من الليل، عندما يبدأ القمر بالنزول نحو خطّ الأشجار، ربّما في ذلك الحين يغلق الناس جفونهم. ولكن الرجل العجوز يظل وحيدًا. نظره لا يكفّ عن الانبثاق من وجهه، ساهرًا على المدينة.

   أمام بوّابة دار الصلبان، يقف الحارسان متكئين على عصيهما. لا ينبسان بكلمة. لقد جاءا من القرى الأخرى للقيام بالحراسة. العناء، والبرد والجفاف موجع. ولكن نظرة الرجل العجوز المتوحّد متمازجة باللّيل، وبالبرد وبضوء الكواكب الجامد.

   ليس ثمة بشر حول بيت الصلبان. وهنا، فوق هذا القفر تولد النظرة التي تراقب الأرض، والآبار، والأشجار. والحرب لا يمكن أن تنتهي لأنّ الأجانب غزوا الامبراطورية. لو أخفض الرّجل العجوز نظرته، وأنزل الحارسان عصيهما أمام باب الكنيس، ولو يستسلم الرجال والنساء للنعاس، ربما وقتها تقفر السماء وإلى الابد من الغيوم، وتحترق الذّرة فوق الأرض الجافة، وقد لا تعود وإلى الأبد الشمس التي انطفأت في المغرب للطلوع مرّة أخرى من المشرق. فهذا هو المكان الأكثر يقظة على وجه البسيطة، إنه المركز الذي يقوم على الحراسة، حتى يتسنّى للمياه أن تأتي: تولد في السماء فوق البحر، وتجئ وسط الريح، فوق دربها وتتدفق في الخزانات، وتتسرّب إلى أعماق الأرض عبر التشققات، إنها المياه، إنّها الحريّة. وصوت الكاهن خوان دولاكروز ما يزال يتلو:

  إذن اعلموا يا أبنائي، هذه تعاليمي على الأرض، اذ يجب أن تعلموا، يا شعب القرى المصطفى إنه اليوم هو اليوم الذي حدّده الرب لأخاطبكم فيه، يا خلائق الأرض أقول لكم، يا شعب القرى المحبوب أني ذهبت أمام الرب حتى أستسمحه الكلام إليكم من جديد، ذلك أنه محّرم علي مخاطبتكم، ولكن ها انا أفعل ذلك لأني أشفق عليكم. يا أبنائي، ولأني خلقتكم، وأنقذتكم، واهدرت دمي الثمين لأجلكم….

  ألا ترون كيف أني مسمّر على الصّليب المقدّس جدّا، تحملني ملائكة وسيرافيمات لا عدّلها؟ وأيضا ها أنا أغفر لكم يا أبنائي مخالفتكم لتعاليمي. لأنه أنا الذي خلق مسيحيي القرى، ولأني أذهب في كلّ آونة حتّى أصل إلى الربّ، إلهي في مملكة السماء، تحيطني آلاف الملائكة والسيرافيمات لأطلب منه أن يمنحكم رضاه ونعمه، ذلك أن الرب إلهي قال لي أيـّها الأبناء إنّ الغلبة لن تكون أبدا للأعداء، وأن الصلبان وحدها هي المنتصرة، ولأجل هذا يا رفقائي الأعزّاء، لن أترككم مطلقا للأعداء.

  الجفاف متطاول فوق الأرض المنبسطة وفوق الأحجار الصّلبة، وفوق الكاهن مرسلينوبوت وفوق آلاف الأشجار المحترقة. ولكن الماء يجب أن يأتي، الحريّة يجب أن تأتي، الماء دم الآلهة، حتى يرتوي الأطفال والنساء، حتى ترتوي جذور شجرة السايبا وحتى يرتوي شعب الحيوانات والبشر. في مياه السماء نلفى المرأة والرّجل متحدين، في الماء تلتقي السماء مع الأرض. وفوق الحصيرة الكاهن آه بو مقعيّ على ركبتيه يخصّب العذراء إيكسكي.

  ولكن الكلمات تأتي بعد وقت يطول. وصمت الليل يهيمن على البلد المسطح، والسماء السوداء ممالك خاوية. لابدّ من أن تتلى كلمات كثيرة، وصلوات كثيرة، لتحفظ الحياة على الأرض. وعلى النّظرة ألاّ تهن وألا ّتتوقّف عن الانبثاق من الرّجل العجوز، المنعزل في وسط بيته. يجب ألا يتوقّفّ صمغ الكوبال عن الاحتراق في الكنيس في مواجهة الصليب العملاق الملتف برداء أبيض.

  إنها ليست دروب الغبار هي التي تقود إلى الصّليب، بل هي طريق النظرة، وذاكرة الكلمات التي كان قد ترجّع صداها ذات يوم فوق الإمبراطورية، الكلمات الملتهبة التي جعلت الرجال يهبّون في القرى في مواجهةّ جيش ومدافع الأجانب. والكاهن ياوم بول إيتزا المفسر مـا يزال يدوّن كلم الكاهن خوان سانتا كروز في مدينة شان سانتاكروز:

  وهكذا إذن أيها المسيحيون الأعزّاء، يا أبناء القرى، احفظوا في قلوبكم وصاياي، لأني أنا نفسي يا أطفالي، لا أستطيع أن أتوقّف، فأنا دائما ماض على الدّرب. حلقي وبطني ناشفان بفعل عطش لا يروى، ذلك أني دائما على مسير عبر أرض اليوكاتان للدفاع عنكم.

  لم تخب الكلمات، إنها تطنّ في القفر بلا توقّف، تطنّ فوق الغابة الداكنة وفوق حقول الذّرة، وفوق فوّهات الآبار. وفي الليل تومض بلا ضجيج في قلب السماء السوداء، إنها تضيء الأرض ببصيصها الشاحب الغريب والآتي من الأقاصي. الكلمات هي أيضا بشر يهربون عبر السباسب، يغلقون على أنفسهم أبوابا من عوسج، يقسّمون الدروب البريّة، يشعلون النيران في بقايا حصادهم. وعندما لا يبقى هناك شيء، سوى تلك الخرائب وتلك القبور، حينئذ تدلف الكلمات داخل الوجوه، وتنغلق عليها الشفاه. الكلمات تلج داخل جذوع الشجر، واللحى الصلب ينغلق فوق جروحها. الكلمات تؤوب إلى الآبار التي كانت قد صدرت منها، تؤوب إلى آخر ملاجئ الماء. في قلب الأجواء، بعيدا وراء الأفق تختبئ الكلمات ولا أحد يستطيع أن يسمعها. ولكن النظرات وحدها ما تزال تتكلم، النظرات ثابتة قويّة وهي لا تغادر الأماكن التي ولد فيها البشر. النظرات لم تعد تعرف الحقد، ولا الانتقام. إنها ملتفته نحو ينبوع الماء، نحو المستقبل.

  ونفر المعتزلة في حالة صلاة، المعتزلة متوحّدون، ولكن ليس من أجل التخفّي ولا للدفاع عن أنفسهم، ولكن للوصول إلى حالة الصّفاء. هناك بعيداً؛ في مدن التجّار، الناس وهنون، شرسون، عيونهم تلتمع من شدة الطّمع. ولكن ليس لأجلهم تشرق الشمس كلّ يوم، فالضوء والظلّ، الماء والرياح لا تجئ لأجلهم.

   لم يكن المعتزلة هم الذين هربوا. لقد ظلّوا في أماكنهم، مثل الأشجار المشدودة من جذورها إلى الأرض الصّلبة، بينما ظل الأجانب من حواليهم مشتتين ومدفوعين مع التيار.

   لم يغلق المعتزلة أعينهم. لقد حافظوا على نظرتهم حيّة، بينما نام الأجانب من حواليهم. والآن وقد انتهت الحرب. أين هم المنهزمون؟ أولئك الرجال الذين يشبهون الأرض، الرجال الذين هم كالأشجار، الرّجال ذوي البشرة التي بلون الأرض، والنساء ذوات البشرة التي بلون الذّرة، أولئك الذين يعيشون فقطّ على الخبز والماء. لا، لم يهزموا أبدا.وهم لا يطمحون في الإثراء ولا في الاستيلاء على الأراضي الأجنبية. وهم لا يبغون شيئا آخر غير استتباب نظام العالم الذي يسكنون، هكذا هم بصلابة يبحثون عبر القوّة الوحيدة للنّظرة وللكلمة. لقد رأى المعتزلة الفراغ وهويوغل في بلدهم، وشاهدوا الليل يأتي، وتعرّفوا على الصمت. قوّة نظرتهم مسكتهم في هذا المكان بينما العالم من حولهم ضعيف وقاتل. وليس الزمان هو الذي يفصل بين الاشياء، بل الأشجار، والبحر.

  هنا مكان الانتصار، انتصار الحقيقة الهادئ والدائم. لم تعد هناك كلمات ولا أفكار، لم تعد هناك آلهة ولا شرائع. هناك كلّ تلك الحركات التي للأيدي، حركات الجسد، وتلك النظرة. كلّ نهار يضئ نور الشمس حقول الذّرة، سقوف الأوراق ودروب الغبار. وكلّ ليلة يصعد البرد من فوّهات الآبار ويجعل الأحجار تطقّ. لا صلاة أخرى. إذن من الممكن أن تظهر الغيوم في الناحية الأخرى من الأفق، وتنزلق ببطيء، منتفخة بالماء، نحو كل الوجوه التي تترجاها.

  نفر المعتزلة ما تزالون يصغون إلى الكلمات، إنّها تتجاوب في السّراديب المحفورة تحت الأرض، لم تعد الآن كلمات الحقد بل هناك فقط كلمات الحريّة لأولئك الذين لم يهزموا أبدا:

  ثمّة أمر آخر، يجب أن أبوح به إليكم يا أعزاءي المسيحيين، يا أهل القرى بإمكانكم رؤيتي كما أنا، لست سوىّ ظل شجرة، بيد أنكم تستطيعون كلكم أن تروني، جميعكم صغارا، وكبارا، وكلّ أولئك الذين يدّعون أنّهم كبار، ذلك أن الربّ لم يضعني في صفّ الأغنياء، ولأن الرب لم يضعني إلى جانب الكرماء، ولا إلى جانب القوّاد. ولأن الربّ لم يضعني في صفّ الذين يعتبرون أن لهم مالا كثيرا، ولا في صفّ الذين يعتبرون أنفسم أصحاب كرامة وأقوياء ولكنّه وضعني في صفّ الفقراء، والبائسين، لأني فقير، ولأني ذاك الذي يشفق عليه الربّ، وهو  يحبّني ذلك أنّ إرادة الله تنصّ على أن من يمنحني شيئا سوف يرى أملاكه تنموا…. هل هناك ربّ آخر، قولوا، ذلك أنني سيّد السماء والأرض، وكلّ الناس أبنائي….

 حينئذ قد ينجلي الظلام، ويولد النّور ثانية بهدوء. برد الليل يؤوب داخل الأرض، والظّلال تمتدّ فوق الأرض المغبّرة. النظرة الثابتة التي تخترق الفضاء، وتخترق الزّمن، النظرة الشبيهة بإشراق الكواكب، تتّحد بالنّور الجميل. وقدّام بيت الصلبان يلقي الحارسان المتعبان عصيّهما ويبحثان عن ملاذ للنوم. لم يحدث شيء، لا شيء. لا غيوم في السماء الصّافية والشمس ترتفع فوق الأشجار التي بلا حراك. ترتفع بلا صخب إلى عنان السّماء. وفي الساحة التي ما تزال باردة، تخط النساء نحو البئر.

**

الفصل الثالث

شون بــــوم

   طريق الأزهار تمضي مستقيمة فوق الأرض المستوية. للأشجار جذوع نحيلة رشيقة، ترتفع منتصبة في الغبار الأبيض. الشّمس نائية في كبد السماء. وهي تشتعل على الدوام في مركز الضوء. نسير تحتها نجرّ ظلالنا القصيرة. بين حيطان الأشجار. الغبار يَؤُزّ تحت أقدامنا مشكلاً سحابات صغيرة تحيط بالأقدام. أحيانا، تهبّ الرّيح حارّة ولافحة، معمية وكأنّها قادمة من السماء، إنها عجاجة الشمس. الأرض عطشى بشكل رهيب، الأشجار والأدغال عطشى. العطش شديد الآن، والحمّى لاهبة. والأفواه متيبّسة كالحجارة. منذ أيام وشهور ونحن نترقّب الماء. لم نعد نكثر من الحديث، ذلك لأن الكلمات صارت تسلخ الحناجر، وتدمى الشفاه. لم نعد نتنفس كثيراً، لأن الرّيح ملتهبة. والعيون موجعة من جرّاء كلّ هذا البياض، وكلّ هذا الجفاف. في كلّ النواحي لا شيء غير القساوة. دوائر متناهية، بيضاء تحيط بالشمس، أسراب من نسور، ودوّامات ذباب دقيق. ورغم ذلك نتقدّم على عجل في الطريق، كما لو أن فرحا كبيرا سيفاجئنا أعني خلاصا ما.

   باصات الدرجة الأولى توغل على الطريق المسفلتة وحيدة وسط الغابة متجهة إلى مدن تولوم، وشيتومال. الباصات ذات البلور الأمامي الأزرق تتقدّم، صافرة في الهواء الحارّ، تعبر غابة الشيكليروس، تعبر وبلا توقّف أرض الماشولس البلقع. وهدير محرّكاتها يضجّ ثم يتلاشى.

  بيد أنّ هذا ليس هامّا. الضوء يحرق ويجفّف… إنّه حاضر يلتمع في السماء الخاوية وفي الأرض المقفرة، لأنّه هنا مكان الخلاص، ولأجل هذا نحن نتقدّم فوق درب الغبار نحو قلب الغابة. الشمس تحرق القفا، تحرق اليدين، والدم عاد ثقيلا يختضّ في الشرايين، وكلّ خطوة تصطدم بالأرض المغبرّة تترجّع في الفضاء كما لوكان هناك راقصون وضاربو طبول متخفين بين الأشجار.

  وهي موسيقى غريبة خرساء، بيضاء مثل الضوء، تلك التي تتردّد داخل الرّأس بينما نحن نسير عبر الغابة. إلى أين سنمضي الآن؟ المدن المقدّسة لم تعد قائمة. المدن الشديدة البياض الطافية فوق الافق مثل السراب: قباب كنائس، مساجد، حدائق معلقة، معابد حمراء ذات مدارج شاقوليّة حيث تصعد في صفوف متعرّجة مواكب الرّجال المرتدين ريش طائر الياكسوم، هناك الهياكل،والمناضد الحجريّة حيث يضوع طيب المباخر، والجدران الجافة التي تحيط بالباحات المصقولة كالسماء، والألعاب، والأسواق، وساحات الرّقص.

  كلّ ما تبقى أسماء، أسماء شبيهة بتلك المحفورة فوق أضرحة القبور.

ادزيلام        دزيبل شلتون

إيزاميل

أوكسكينتوك

مايابان        شيشان إيتزا

جاينا    أوكسمال     يكسونا

كاباه

لابنا        كوبا

ساييل

تولوم

كويك

إكستامباك

إيتزنا

إتزيبيلنوكاك

بوسطونيش      إيشباتوم

بيكان

إتزيبانش

ريوباك

  طرقات الحجر متصدّعة، والأقواس منهارة. والجبال التي شيّدها البشر مكسوّة بالأشجار وبالعوسجان. لا أحد يحدّق في السماء من علو المصاطب، ولا أحد ينقش تاريخ اليوم فوق مسلّة من الحجر الرّمليّ،

 9 16 000 2    آهـــاو13 إتزيك

 فلآلهة ذوو الأنوف الكبيرة، الآلهة، ذوو أقنعة التنّين، والخفافيش والآلهة المرتدية جلود الأيائل؛ كلهم مختفون الآن في أعماق الفضاء. والصّمت يسود البراري ويشدّ على الأشجار، يضغط على الأرض، ويغلّق الآبار، ويجعل السماء صلبة. إنما في الصمت نسير كما نسير، متوحدين فوق الطريق البيضاء، نتقدّم بعناء، منحنين إلى الأمام، عبر اللفح الساخن، لنبلغ آخر الطريق، لنصل إلى البرزخ حيث ما يزال الكلام، والوعي، والحياة. صمت الجفاف يهيمن على المدن الصماء والبكماء. هناك ينام الناس منطوين على أنفسهم، بلا أحلام، تحيط بهم علاماتهم اللعينة، متوحدين بلا حماية على جوانب مفترقات الطرق المسفلتة، في ظلّ الشاحنات، وفي الأروقة والمخازن. واذ نصل إليهم نتابع مسيرنا، نتجاوزهم. نتقدّم متوحدين على طريق الغبار، ونقترب من المدينة الحيّة حقيقة، عاصمة البلاد الصامتة، في قلب الغابة حيث ينتفي العطش والجهد، حيث ننشد ابتهالاتنا ونصلّي، للمدينة المقدّسة.

   على جانبي الطريق البيضاء، الزهور ملتصقة بالعوسجان وبالأشجار. الزهور الحمراء تلتمع في قلب الغبار. ننظر إليها، ونسير بدون توقف غارسين أقدامنا في الغبار. الزهور الحمراء لا تتكلم. بيد أنها جميلة جدّا، بتويجياتها الواسعة المنحنية وبمدقّاتها الطويلة الصفراء، إنها نضرة جدّا ونقيّة، زهور لشعور النساء الطويلة، زهور طافية فوق دوّامات المياه، لم نر أجمل منها أبدا. إنها الزهور ذات الرائحة الناعمة، الزهور القادمة من الليل الهادئ، حادّة الرّائحة في بياض الغبار، زهور أوراق الخطميّات الداكنة صقيلة مثل أجساد النساء، الزهور الغريبة المفعمة بالروائح، والملتمعة بقطرات الندى. ونحن نسير على امتداد الطريق. ونمضي من زهرة إلى زهرة، كما لو أننا نتشرّبها.

  ووقتها نزل الماء، جاء من كبد السماء لأجل البعث الجديد…. ناعما كان فمه، وطرف لسانه. لطيفا كان مزاجه. حينئذ هبطت الأربع خفافيش السحريّة الكبيرة، لتمتصّ رحيق الزهور. ولأجلها ستتفتح الزهرة الحمراء بكمّها الواسع، والزهرة البيضاء بكمها الواسع، والزهرة السوداء بكمها الواسع، والزهرة الصفراء بكمها الواسع. الزهرة التي بحجم نصف السعفة، وتلك التي باتساع سعفة النخل، ومع هذه الزهور كبرت زهرة ماكوال كسوشيت زهرة الأزهار الخمس وزهرة الكا كاو المخرّمة، زهرة الصوّان، زهرة البنت الصغيرة، الزهرة ذات القلب الملوّن، زهرة الدفلى، الزهرة ذات الساق الحلزونيّة. وعندما تكبر، تصير هي الزهور التي يزورها السادة واهبو العطور،  هنا كانت دار الأزهار، حيث تكبُرُ باقة كاهن الشمس، باقة الرّبّ، باقة المحارب.

  تلك هي رسالة كاتون الأزهار الذي عليه أن ينزل. لا أحد غيره حسب ما يروى. لكنه لا يأتي بالخبز في تكليفه ذاك. وقتها تكبر الزهرة وتينع، خطيئة بولون تيكو الاله التاسع للجحيم.

  ثلاث سنين مرّت قبل أن يعلن خلق بولون تزاكاب إله الجحيم. في ذلك الزّمان نزل فوق قلب الزهرة الطفل الصغير آهبيز ميلتاك، نزل متنكّرًا في زيّ طائر الطنّان بصدره الأخضر، جاء يمتصّ رحيق الزهرة ذات الأكمام الخمسة. ثم إن الزهرة ذات الأكمام الخمسة اعتبرته زوجها. ثم إن قلب الزهرة تقدّم وشرع في المسير.

   فوق الدروب التي تأتي من الشمال، ومن الشرق، ومن الجنوب، ومن الغرب الأزهار تقود الخطى. ولكن إنما من الشرق الأحمر يأتي الرسول، الزوبعة الحمراء، الرجل الذي ينبئ بالنوء. الزهور الحمراء تلتمع بقوّة فوق الأشجار الداكنة ووسط الغبار، إنّها تدعو، تريد أن تسير بلا توقف نحو المدينة. منذ زمن بعيد، ويومًا بعد يوم، الحرارة شديدة في الشمس، وتحت السماء المقفرة. الآن الأرض تتموّج، والأشجار ترتعش، والهواء يرجّع الصّدى. إنها أصوات الناس التي تبتهل محتمّة. الأصوات التي تتهجّد، والنظرات التي تبحث. وفي الكهوف الحجريّة يترجع نقيق الضّفادع.

   نحن نتقدّم، هكذا، ببطء على أطراف الأصابع نسير خفافا عند خطّ الأفق. نقترب، نصل. شهورا مكثنا هناك، فوق البحر، ظللنا ننتظر أن يرد علينا النّداء، وأن ينفتح المعبر في الهواء الساخن؛ كنا نراوح مكاننا مثل ساعي بريد مستعجّل: والتمعت قرب الأفق بروق غريبة خططت السماء وجعلتها شبيهة بجلد حصان الوحش، لأن الغضب والرغبة كانا يكبران. والان، ها هي الطريق مفتوحة. ونحن نصل بسواعد ممدودة مثل جناحين من ظلّ يضمّان الأرض، وينغلقان في تؤدة. نندفع إلى الأمام، صارخين، وبحركة واحدة نغادر البحر ونطير فوق الأراضي المنخفضة. أشجار الشورى تنحني والرمل يثور، ومياه السّباخ تتجعّد. ثمة أمواج تتكسّر على الشواطئ، فوق صخور طولوم الحمراء، وصفير الريح يهتزّ في جذوع أشجار الجوز. ثمّة شهوة شديدة، وغضب وانتشاء شديدين في أجسادنا. بشرة الوجه المنحني إلى الأمام زرقاء بفعل احتقان الدّم. والعيون ترسل شرارات ضوء. ونحن نلهث.

   نقترب، نصل. اليوم، والجسد ينتفخ ويتكئ على الإقليم المتكلس، يغطّي الأرض ويحجب السماء. أولئك الذين هم الآن في صلاتهم، في المدن المقدّسة الثلاث، يعلمون أنّنا، ما نزال نسير. لأجلنا هيّأوا الزهور الحمراء المشدودة إلى الأشواك، على امتداد طريق الشرق الأحمر. والآن ها نحن نتقدم على الطريق. أمام سحابة الغبار والظل الكبيرة، نسير، ونرقص مكاننا مثل راقص الفلامنكو، أو نزحف في الغبار مثل الأفعى الجلجليّة. نصل، اليوم. ثملين بالكلمات، بالموسيقى، بالرقص، سكارى بالصلوات وبالبخور.

   رجال القرية مهّدوا الطريق، حتّى نجئ. فالآبار والخزانات تنتظر. منذ أيام وأيديهم أيديهم المدمّاة قابضة على فؤوس وقد حفروا ثقوبا في الأرض وتم انتقاء البذور السوداء والصفراء. منذ أيام وأشهر والناس في تهجّد وصوم يهيّئون الأعياد. هناك كلمات كثيرة أنشدت، اناء الليل وأطراف النهار، الرجال يدعون مثل الطيور بأصوات حادّة وسريعة، أو صامتين مثل الأرض، بكل وجوههم، وبكل أجسادهم.

   في اليوم الأوّل لإله ياكس يغسلون المعابد، إنه أوكنا وأمام كلّ إله يحرقون بخور الكوبال.

   في اليوم الأوّل لإله زاك يهدئون غضب السماء، يستغفرون من ذنب دم الحيوانات المقتولة في الصيد، الدم الذي لم يهرق لإرضاء الالهة ولكن لإطعام البشر. حينئذ تختلج السماء ويصاعد البخار الكثيف فوق البحر. والشمس تلتهب بلا هوادة ولا نسيان.

   في يوم 7 آهو يصومون ويقدمون الأضحية.

  وفي اليوم الأول وهو لإله ماك يعظّم الشيوخ الشاكات الأربعة. والاله إزامنا. إنه توب كاك، خمود النيران. والحيوانات تجمّع في صحن المعبد. كاهن الشمس، وممثلو الشاكات يقفون في كلّ زوايا صحن المعبد وفي يد كلّ منهم جرّة ماء. وفي الوسط يحترق الكانون الذي من خشب جاف مزيّن بالكوبال. الرجال يقتلعون قلوب الحيوانات ويرمونها في النار. رائحة اللحم المشويّ ورائحة البخور تصّاعد حتى كبد السماء. إنها غذاؤها. الرجال يسوّون أشكالا على صورة قلب السّبع بعجينة الكوبال ويلقونها في النيران. وعندما تكون النار قد أكلت القلوب، يقترب منها الشاكات الأربعة ويلقون ماء الجرار على الجمر. والنيران تنطفئ ونحن، نحن نرى كلّ هذا من مخبئنا في الغيوم، ونكبر. نباعد مابين سواعدنا فوق البحر، ونصغي لدقّ الطبول وضجّة الكستنات. فالأناشيد تدعونا. والأشجار النحيلة المحروقة بالضوء، جذورها موجعة.

  في اليوم الأول من باكس إنه باكوم شاك يجتمع فيه كهنة الشمس ونبلاء القرى. يصومون ويصلون مدّة خمسة أيام وخمس ليال داخل سور معبد سيت شاك كوه أمام السيد ناكوم، الإله الحيّ، والرجال يرقصون رقصة المحاربين. يذبحون كلبا صغيرا ويقدمون قلبه قربانا جرار الباكاب Bacab الأربع، تلك التي تحوي ينابيع الماء، ملقية على الأرض ومكسورة. ونحن نحس بالرغبة في أن نغمر الأرض، في أن نسيح فوق الارض.

  إذن نحن نتقدّم، اليوم، ببطيء نحو الأرض الجديدة، نحو السنة الجديدة. فوق طريق الأزهار ننزلق سريعا مثل الدخان وبطيئا مثل الزوبعة. الغبار يرتفع فوق الأشجار كما لوكنّا جيشا من الفرسان. ويختلط الغبار بالغيوم الدّاكنة. والريح تمشي أمامنا، إنها تفتح الهواء الحارق، نصل. نقتلع الزهور الحمراء من الأشواك، ونكسر أغصان الأشجار. إننا نحدث ضجيجا مستمرّا يهزّ الأرض، ضجيج بحر، موجة تعبر صمت الغابة.

   نتقدّم على الصليب، نحو المركز.

إكسامان

أبيض

 

شيكين        ليكين

أسود        أحمر

 

نوهول

أصفر

   نمضي نحو ياكس، اللون النادر، اللون الجميل والإلهيّ، لون اليشب.

   الطريق مستقيمة، بيضاء، في الشمس، شبيهة بمدرج نصعده بعناء. العرق يسيل في جداول نحيلة فوق الجبين، وعلى الخدّين، إنه يعشي الرّؤية. العرق يختلط بالغبار ويتيبّس فوق الأردية وفوق الجسد. بيد أنّنا لا نتوقّف. أين يمكننا أن نتوقف؟ ليس هناك استراحة على الدرب، لا ظلّ تحت الأشجار النحيلة.

   الشمس تلتمع في كبد السماء. لأجلها نهرب هكذا. نسير لنصل إلى الدّيار، لنصل إلى شجرة السّايبا الكبيرة المتوحّدة في مركز السّاحة.

   تحت الشجرة كان الناس جالسين. يتطلعون إلى محيط القرية من أمامهم، إلى حقول الذّرة، وإلى الغابة المظلمة. القرية شبيهة بسراب، شديدة البياض، ذات جدران دائريّة مغطاة بالأوراق. في شمال فرجة الغابة هناك منزل الحراس، والكنيسة والرجال يشربون منذ أيام خمر بلشي وبيرة العلب. موسيقى الكويمبيا تصدح من غراموفون يشتغل ببطاريات في إحدى المنازل. وليس بعيدا عنه، وفي دار مقفرة ثمّة عجوز يعزف وبلا توقف على كمانه الهوياستيكي يعزف نفس اللّحن الذي لا يسمعه أحد. أحيانا تبتعد الموسيقى، فنسمع حفيفا غريبا في الصمت، لعله صخب الضوء.

   هنا المركز، هنا المكان الهادئ، المنعزل، حيث تستطيع أصوات الرجال أن ترفع دعاءها من الدّاخل حتّى السماء، وحتّى الأفق. لا أحد يتكلّم حقيقة لا أحد يقول شيئا مهمّا. الرجال السكارى يترنّحون والشباب ينامون في الأسرة المؤرجحة. والنّساء يطبخن اللّوبياء السوداء فوق نار بين الأثافي.

   الرجال يسيرون حتى منزل سغوندينوكوه حاملين الجفان، ثم وفي صفوف يتّجهون نحو الكنيسة، يتقدّمهم الموسيقيون، بالكمان، والغيتار، والصندوق الكبير. يرتدي الرّجال أقمصة بيضاء، وأقدامهم منتعلة صنادل مصنوعة من كاوتشوك إطارات الشاحنات.

  بأقدام عارية، ها هم الرجال قد دخلوا بيت الصلبان ووضعوا جفانهم المليئة باللّحم وباللّوبياء أمام الصليب المرتدي قميصه. وعلى يسار الصليب هناك العرش المطلي والمزيّن بزهور حمراء. الظلال كثيفة داخل الكنيسة، وألسنة الشموع تتألق، ومباخر الكوبال ترسل دخانا ثقيلا والرّجال والنّساء جاثون على ركبهم، إنهم يصلّون. كلّ يتلو صلاته شاخصا إلى الصّليب. الرّاهب منتصب في مواجهة الصليب. وهو الآن يتكلم بصوت أكثر ارتفاعا من الآخرين. إنّه يخاطب الصّليب ذي السّواعد الممتدّة والذي يهيمن عليه مثل امرأة فارعة. ثم يكلّم التماثيل، وينحني أمام العرش الفارغ. ينهض الرجال واحدًا إثر الآخر، وينحنون على آذان أولئك الجاثين على ركبهم ويهمسون لهم بشيء. ثم يغادرون.وفي الخارج الضوء يعشي الأبصار، والسماء خاوية والأطفال يتراكضون، ويلقون بألعابهم النّاريّة. والغراموفون القديم مايزال يصدح بأغاني الكومبي. والعجوزفي بيته مستمر بمفرده في العزف على كمانه.

  كان للزهرة أربعة أغصان عندما استقّر في مركزها راهب الشمس يوشيل تون. حينئذ تقدّم الإله الثالث عشر، اذ أنّه لم يكن يدري عندما علّم شرعته أن الخطيئة كانت قد هبطت فوق الحصير فزهرة ماي هي حصيرته. وزهرة ماي هي مقعده وكانت الشهوة مستبدة به في متكئه وسعيه، وفي أكله وفي شربه، فالشهوة قلبه والشهوة عقله والشهوة فمه.

شهوانية كانت كلمته مدّة تحكّمه. وفي هذه المدّة يطالب وبصيحات صارخة بطعامه وبشرابه اذ يأكل ملئ شدقيه، وحينما يقضم أكله الذي يقبض عليه بمخالبه. يمسك بيده شجرة وصخرة. جنونه الشهوانيّ كبير ووجهه وجه الإله لاهون شان، الذي يدعى الأقوياء العشرة، يلزم فروضه، يأخذ الحصير التي يجلس عليها مدّة تحكمه. أبوه وأمه منسيّان، وأمه لم تعد تتعرّف على أبنائها. أحرق قلب ذلك المتوحّد، والذي بلا أب، ذاك الذي يحقد على أبيه، ذاك الذي لا أمّ له. إنه يسير على غير هدى مثل السكّران، إنه بلا عقل أمام أبيه وأمّه. لا فضيلة ولا طيبة في قلبه، بل على طرف لسانه. وهو يجهل مصيره الخاصّ. لا يعرف كيف ينهي سلطانه، عندما تنتهي مدّة تحكمه.

   هاهو لإله بولون تيكو المسمّى بالاله التاسع وبولون شان،الملقب بالقوى التسع، هو وجه إلاه البشر، سيّد حصيرة اليومين، صاحب عرش اليومين.

   ولكن عندما تنتهي كلمة هذا الكاتون يرسل اللّه طوفانا كبيرا، وتكون نهاية العالم. وعندما تنتهي هذه الكارثة، ينزل الرب عيسى المسيح بوادي جيهو شاباط قرب مدينة أورشليم العظيمة، حيث سينقذنا بدمه المقدّس. هكذا، سينزل من السماء فوق غيمة كبيرة ليشهد أنه كان لا بد أن يتألم ممدّدا فوق صليب الخشب، بعد ذلك وفي كلّ قوّته سوف ينزل هاهال كو، المسمّى الاله الحقيقي، الذي خلق السماء والأرض، هكذا سوف ينزل ليجزي الصالحين والأشرار، ليجزي المنتصرين، والأسرى.

   في مركز الغابة، لا يكفّ الصوت عن الكلام. إنه يتكلم دون أن يحرّك الشفاه، من داخل دار الصلبان. الملعونون، والكفرة، بعيدون. أما يزلون موجودين؟ إنهم أسرى حجارهم وحيطانهم، داخل صحرائهم. إنهم عميّ. أمّا هنا فإنّ البصر منيّرن، يتلألأ مثل الشمس، ينبض مثل القلب. البصر يدرك رؤية ما سيقع. وكلّ إنسان هو نبيّ يبصر بكلّ جسده، يبصر بوجهه، وبيديه، وبصدره. إنّها المكابدة هي التي تفتّح رؤيته: الجفاف الكبير، والانتظار الكبير. بيد أنّ المكابدة لا يمكن أن تستمرّ إلى ما لانهاية. والآن هاهي الأرض ترتعش كما عند شروق الشمس، فهي ثابتة وهادئة، قويّة وجديدة. والرجال جالسون تحت شجرة السّايبا الكبيرة. يتطلعون أمامهم إلى دائرة القرية، إلى حقول الذّرة، وإلى الغابة الدّاكنة.

  عند صعود إله المشرق، في زوايا السماء الأربع وفي أركان الأرض الأربعة، عندئذ تصل كلمتي إلى بيت الرّبّ.

  عند ارتفاع الغيوم في المشرق، واذ يصعد الإله الذي يتحكم في الأمطار وسط السمو الفلكي إلى طبقات السّحب الثلاث عشر، وإذ ينتظر الآلهة الزوّار، أن يعطي الربّ أوامره للبدء في تخمير نبيذ بلشي، بمباركة الحبّ المقدّس للآلهة القائمة على حرّاسة حقول الذّرة حتى ينشروا فوق الأرض نعمهم المقدّسة، بفضل المولى العظيم، الربّ الابن، الربّ الروح القدس.

   أحد ما يأتي من طريق المشرق. أحد يتقدّم بتؤدة، مثيرا سحابا من تحت خطواته. أحد ما يسير، رأسه منخفض تحت ثقل الوزر المشدود إلى جبهته، الوجه مسودّ بالدّم. وأرديته ملتصقة بجسمه من جراء الغبار والعرق، أحد ما يأتي بطيئا، وظله يغطّي الأرض ويحجب السّماء.

  عندما سأودع في الأرض الحبّة العذراء مع حبّي المقدّس، أنت سوف تتطلع إليّ في تلك اللحظة من النهار. عندئذ سأترجاك لتمنحني بركتك، لتمنحني حبّك المقدّس، لتنشر على الأرض عطاياك النامية أبدًا. ذلك أنه أمر ضروري ومقدّس أن نقدّم هباتنا ليد الاله المولى، الربّ الابن، الربّ الرّوح القدس.

  حينئذ يكبر ظلّ الزّائر، ويمتدّ على الساحة، ويخفي الشمس. ثمة صمت كبير وهدوء كبير. إنه المساء، قبل الليل بقليل عندما تسقط القطرات الأولى للماء البارد فوق أوراق الأشجار وفوق سطوح المنازل.

يوك توبا إييين ثان، سان شيلام بيلام

YOK TUBA IN THAN CEN CHILAM BALAM

انتهى

 

 

 

شاعر ومترجم ورحالة من تونس

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع