كتاب الرمل                       

سعيد الشجاعي

 سعيد الشجاعي

فجرًا…

 نائم بين دفتي كتاب؛

 أقرأ بعينين مغمضتين،

 وأنظر إلى قدمين حافيتين

 تمشيان فوق الصفحات،

 تعبران طرقًا من الإسفلت والحبر،

 وتتجاوزان طوابير من الكلمات

 الواقفة على قارعة السطور،

 تنتظر من يسدي إليها معنى،

 أو يسوقها سواءَ السياق.

أنا، عادةً،

 أتجنب المنعرجات وتعقيد المعاني.

 فكيف أستخدم التأويل في تفسير الأحلام؟

كلا،

 أنا لا أقرأ

 إلا خطوط الكف

 وأحاجي الزمان القديم.

يقول أهل زماني:

 سفاسف أسفار!

ويقولون لي:

 واصل المشي،

 واقرأ، يا فريد العصر والأوان!

ليت الحق أقول لكم:

 وكيف يكون سعيدًا من لا يحلم؟

أنا المتعب،

 لم أكن لأعلم أن القدمين لي،

 لولا تضاريس أرهقتني مشيًا.

 وكيف أعلم،

 والعالم كتاب

 لا تقرأه إلا أقدام تمشي؟

ليت الحق أقول لكم:

 الكتاب عالم غريب،

 وإمام لا يفهمه الواقفون

 أمام أنفسهم،

 ثم ينتظرون من يدعوهم إلى السير.

سعيًا يقرأ الحيُّ الكتاب؛

 ظاهر الورق غابة والباطن صحراء،

 والساعي العالم يقرأ.

أنا واقف،

 أنظر إلى قدميَّ

 تمشيان فوق الماء أمامي.

البحر هائج،

 يدفع أمواجه إلى الشاطئ،

 وأنا؟

أنا لا بد أن أخرج

 من نفسي قليلًا.

اقرأ!

 قلت لنفسي:

 ما تعلّم من لم يسافر !

وسافرت سيرًا على الأقدام.

في الصفحة السابعة،

 حاول رجل طويل

 أن يفهمني أن بين السطور ألغامًا،

 وربما تكون صفحة في طريقي

 غير الصفحات.

قال وعيناه تلمعان:

 ـ لا سفر بلا أخطار…

في الصفحة العاشرة حرف؛

 إن أنت قرأته

 استيقظت  في الصباح بساق واحدة.

وهناك في الأفق

كان الأمير الصغير وحيدا،

سعيدا يغني أغنية حزينة

 وكوكبه القزم بيضاويٌّ

 يدور حول نفسه.

الأسفار كلها فوق ظهري،

 وتتجاذبني أهواء؛

 يخاف الأمير الصغير من بزاق

 قد يلتهم وردتيه،

 وأخاف عليه من الزلزال.

كلانا خائف.

ولم تكن في الدار الكبيرة

 مرآة،

 ولا صفحة ماء ساكنة

 لأرى أيُّ وجهٍ هو وجهي.

بحلقتُ في وجه بربرية

 فارعة الطول،

 عيناها واسعتان كعيون البقر الوحشي.

أخذت يدها بيدي،

 حتى صارت كفُّ يمناها

 صفحة من الكتاب.

فقلت لنفسي:

 ربما أحكي

 تلك القصة الطويلة،

 الموغلة في الغرابة،

 وفي الحكمة،

 وفي شكل الحروف.

وحين أنتهي

 من الحكي ومن حياتي،

 سوف تبتسم البربرية،

 وتنطق بكلام كأنه الوحي.

سوف توحي إلى الليل أن يسلخ نفسه من النهار…

لأحكي أنا في ضوء الشمس

 كيف نمت،

 وكيف مت،

 وكيف أُبعث حيًّا

 من عدمٍ وفوضى سرير.

وتتثاءب الدنيا،

 كما تفعل كل يوم،

 فجرًا.

الله يمسح الطلَّ عن وجه العالم،

 و فجرًا.

يصرخ الديك في أركان الوجود،

 ويمدح الغبش في عيون الفجر.

أخرس، أيها الشاعر!

ومَنِ الكلام، لا تستكثر؛

 فالكلمات نافذات،

 وتصيب الروح كأنها سهام القدر…

أشرقت الشمس،

 والصفحة غير مرقمة.

ربماهي مدينة

من مدن الملح في الصحراء

كل النوافذ مغلقة،

 أو تكاد…

الرؤى سراب بيداء،

 وتمر النظرات مرَّ السحاب،

 وربما تمطر بعض الأحلام

 هناك، في البعيد.

العيون هنا نوافذ الروح.

فهل أريد أن أطلَّ إلى الداخل،

 أم أسرع بدس رأسي في الرمال؟

وكيف أفعل،

 والصحراء ليست في أول طريقي؟

لا حظَّ لمستعجل

 يستعير بذلته من بائع كلام،

 كأن الصحراء أعدمت الأنبياء.

المحظوظ لا وقت لديه للاستعجال.

يولد عاريًا،

 يعيش عاريًا،

 يموت عاريًا.

وقد يرى، قيد حياته،

 كلمة تستند إلى جدار،

 وربما يشهد نزاع كلمتين على معنى غير واضح.

لكنه، في كل مرة،

 يحدث نفسه:

أنا لم أفهم أي شيء!

كانت الرصاصة تقف على ساق واحدة،

 والساق الأخرى… يعلم الله.

وصوت الرصاص يلعلع في الأفق:

حيّ على القنص والخطابة!

وحتى بعد أن مات الرجل العاري،

 مضجَّرًا في كلامه،

 لم يصدّق أحد روايته.

سقط،

 وبقيت كل النوافذ مغلقة،

 ولم تفتح العيون.

يدي ترتعد،

 وترسم على الورق

 وجهًا لا أعرفه

 يطل من نافذة.

وجهًا يشبه وجه إنسان ميت.

فؤادي هواء،

 جروحه مفتوحة،

 تنزف…

 لا تنزف…

 لا أدري.

لمَ سألته، باهتمام:

 كم خطوة تفصلني عن نفسي؟

قلت أطمئنه:

 ربما ستصل أنت أيضًا

 إلى حيث تريد،

 إن أمطرت يومًا

 سماء العيون.

نحن، ربما…

لولا وقع الأحذية الثقال

 في فراغ المكان،

 ولولا جثتك،

 ما كنا لنبكي.

أنت…

ذهبت كأنك حزت معنى الكلام.

أما نحن،

 فما زلنا نمارس رياضة الأمل.

ماذا لو صار البعيد غدًا غير بعيد؟

منزلًا بعد منزل.

ليتنا نعود حيث كنا،

 يوم كان العرجون القديم

 في سمائنا بدرًا منيرًا.

أليست العين ما تراه؟

وكيف تقرأ العين الكتاب

إلى نهايته؟

أنا والعين نقرأ كتابًا

 من نهايته…

كل النوافذ مغلقة.

وراء الزجاج وجه لا أعرفه.

أنادي بأعلى صوتي،

 ولا أحد يجيب.

لا بد من طرق باب التأويل.

و إذ تأملت الظل الممدود،

 ارتدَّ إليَّ طرفي وبدأ الأفق يتسع.

فؤادي هواء و وجهك ماء النبع،

 وجه أقرب إلى صورة الأنثى في عين الله.

وأنا، إلى حد الآن،

 لزمت الصمت معظم الوقت.

 أتأمل وجهي على صفحة الماء.

وحتى حين تكلمت،

 قلت:

إن الكلام حمّال أوجه.

وجهك أو وجهي ؟

 وربما قلت أنت

 إن وجهك هو وجهي.

لكنني أنا لم أقل شيئًا يثير الارتياب.

لم أقل، مثلًا،

 إني سأكتب باسمك قصيدة،

 لكي تأوي أنت إلى جبل

 يعصمك من سيول الغواية.

صدقيني…

لم أقل إني سأبني دولة.

فأنت تعرفين يقينًا

 أني لا أحب الجدل ولا الاجتماع،

 وأنا أعرف

 أنك لا تحبين أن أُعتقل مرتين.

أنا بالكاد أخدع عقلي لأستطيع أن أنام دقيقتين.

الدماغ في وعاء فوق نار هادئة.

و لم أقل إني سأكتب قصيدة،

 لكنني سوف أحاول.

فأنا لن أحتمل أن تموت الكلمات في آخر السطر.

وهل يرتاح من لا يستطيع مواصلة السير ؟

الخيال، في اللا-مكان،

 مثل قلبي

لا ينبض إلا في صدور الآخرين.

أقول له:

هذا مكانك.

وبين أضلعي

 قلب آخر.

أقول له:

أجنحتك تحلّق بي

 بعيدًا عن نفسي.

دعني اليوم آخذ نفسًا.

وكل ما تبقى مني لغد

 سوف يأخذه الصمت.

وإن دخل المعنى

 في معناه،

 ستموت الكلمات.

ونحن، حين نموت،

 سوف تفتح كل النوافذ،

 سوف نفتح العيون،

 وسوف نستيقظ.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع