قمر آخر
رأيت أسطع قمرٍ في حياتي
يشرق من وراء الجبل
ولم أفعل شيئا.
لم أنطق.
لم أفكر.
انتابني فقط شعورٌ ما.
وجدتني زاهدا فيه.
شعرت أنني أريد أن أقاتل الشعور،
أنني لم أُرِدْ القمر لنفسي
ولا نفسي للقمر.
أردت فقط
أن أشخص إلى نورٍ آخرَ …
يكون منبعثا من الأرضِ
باتجاه السماءِ
ومرتدًّا باتجاهي أنا
بعدما يعكسه القمر.
درس بيانكو التاريخ والفلسفة واللغة الإيطالية، وحصل على درجة الدكتوراه في أحد هذه الفروع. هذه التربية الأكاديمية تركت أثرا عليه لا تخطئه عين في هذه القصيدة. ففيها نجد أنفسنا بإزاء قمر، بل أسطع قمر رأيته في حياتي كما يقول البيت الأول. قمر مشرق من وراء جبل. مشهد ملائم تماما لشاعر رومانتيكي يخرج منه بقصيدة كانت كفيلة باستدرار دموع الفتيات على مدى قرنين من الزمان ليس بينهما القرن العشرون ولا الحادي والعشرون بالطبع. ورغم محاولته الهروب من الرومانتيكية إلا أننا قادرون على الإحساس بها في عمق هذا النص.
في هذا الجو الرومانتيكي لم يغب عن الشاعر إرثه الفكري الثقيل. بل لعله ألف هذا الجو الناعم تأليفا ليناقض بينه وبين طرحه الذي يحمله القصيدة. ففي هذا الجو، ينتبه الشاعر إلى غياب الرغبات العاطفية عنه، كأن يمتلك القمر أو يمتلكه القمر. تنتابه فقط رغبة في أن يكون مصدر هذا النور الرائع هو الأرض. رغبته في أن يكون هناك قمر آخر يعكس نورا آخر غير آت من الشمس، بل منبعثا من الأرض نفسها. هذه الرغبة في سكنى كوكب مشع، وفي امتلاك قمر من نوع آخر. هي رؤية لا شك في أنها رومانتيكية. فإذا كان الزمن الذي نعيش فيه قد سلبنا حرية التعبير عن مشاعرنا البسيطة بطرائق بسيطة، فإنه لم يستطع أن يحرمنا من الحلم. الحلم الذي مهما يبدُ رقيقا إلا أنه دائما يرفض الواقع ويفضح نقائصه