قصيدتان!…

تشكيل

 حسام إبراهيم

الليلة الماضية عاد أيضا في وقت متأخر من الليل وعندما دخل الشقة لم يبذل أي جهد ليدخل بهدوء!.. كأنه يقول لي ان نومك لا يعنيني في شيء!. صدى وقع أقدامه يتردد بقوة في الشقة شبه الخاوية. لم يطفيء مصباح الصالة وانهمك في كومة أوراق ومضى يتحدث مع نفسه بصوت عال. أخيرا هاهو يكف عن الازعاج. تلمستُ طريقي للنوم مرة أخرى. لكن هيهات! هاهو المطر يهطل بغزارة والسماء تبرق وترعد ورياح الليل تصفع النوافذ والكلاب تنبح وتعوي بذعر.

اين كان وماذا يفعل في هذا الليل؟! أنا لاأعرف. ذات ليلة قررت أن أتبعه وتسحبت خلفه فعلا في عدة شوارع حتى ظهر فجأة شخص أعرفه!. كأن الأرض انشقت عن هذا الكاتب الموغل في كتاباته المبتذلة ليعترض طريقي المتسلل ويصر على امطاري بقبلاته الزائفة واحضانه الفارغة ويختفي الولد!.. الأمطار تحيل الأرض لمستنقع لزج كلزوجة من اعترض طريقي وحال دون نجاحي في اقتفاء اثر ابني. ما بال هذه المدينة تغرق الآن في شبر ماء وهي التي كانت درة المدن وتختفي الامطار بعد ان تغسلها فتزداد جمالا؟ اين البالوعات المتقنة التي كانت تشفط المياه بين غمضة عين وانتباهتها؟ اين تألق المدينة وشجنها الشفيف في الشتاء وزهوها الساهر في الصيف؟ لماذا تبدو المدينة كئيبة هكذا وأين ذهبت انوارها؟!.

ماهذا؟ انه يتجلى لي في حلمي.. أراه بكل وضوح يتمشى على شاطيء النيل ثم يجلس وعصافير ملونة تستريح على حجره برهة ثم تطير وتعود لحجره مرة أخرى وكأنها تداعبه فيبتسم لها ابتسامة مضيئة! ابتسامة تدهشني حقا.. اما أنا فينظر لي بشيء من الجدية ثم يبتسم ابتسامة واهنة.. الآن في يقظتي يأتيني الصوت الواهن لشخيره في غرفته.. لست بحاجة لشخيره لأبقى مستيقظا فأنا مهموم بما يكفي واعرف ان وقت السفر والفراق يقترب.. كلها ساعات قليلة ويحين موعد السفر فلا داعي لمزيد من العذاب.

مع انني لااراه الأن في غرفته فانني اعرف تماما وضعه في النوم.. يده اليمنى فوق قلبه وعيناه مغلقتان وفمه مفتوح.. هذا الولد اصبح شابا وملامحه لم تتغير كثيرا عن طفولته.. كأنه عصي على التغيير!.. قوامه المقوس قليلا.. رأسه الكبيرة.. تقاطيع وجهه الغليظة.. البثور التي تناوش وجنتيه وجبينه.. شعره القصير.. لم يتغير كثيرا رغم نظارته الجديدة ولحيته الخفيفة.

اعرف تماما ان أغلب من تعامل معهم لديهم شكوك في سلامة عقله بل ان شقيقاته يتعاملن معه كما لو أنه أبله او خفيف العقل. فيما يتعلق بي يمكن القول انني مستعد للتسليم بصحة هذا الرأي الشائع ولا أعتبره يشكل إساءة لشخصي. إن هي إلا مجرد مصادفة سيئة ان يكون هذا الولد ابني!.. ثم اننا لانتشابه في أي شيء ربما باستثناء تلك الحدة في طباع كل منا.. لاأريد أن أقول أنها شراسة!.. غير ذلك لا علاقة لي بكل طباعه الأخرى.. هو كائن “بين بين”.. لاتستطيع تحديد هويته او شخصيته بأي درجة من الوضوح.. أحيانا او بالأحرى في مرات قليلة نظرت في عينيه فوجدت الظلام يبرق!.. ماذا أقول أيضا؟!.

هذا الولد جاء بمحض صدفة سيئة!.. جاء وأنا كبير.. أنا وأمه كنا على أعتاب الشيخوخة.. لكنه جاء!.. هل أقول أنها غلطة او معجزة شريرة في أيام نحسات؟!.. مازلت أتذكر بكل وضوح هاتيك الأشهر والأيام التي سبقت مولده.. كنا في الربيع وكنت قد قررت التوقف نهائيا عن نظم الشعر بعد ثلاثة دواوين تحمل اسمي كشاعر.. لم يكن قراري بالتوقف عن كتابة الشعر مجرد شعور بالإحباط لكنه وليد يأس مطلق من جدوى الكتابة ككل وايامئذ شعرت أيضا بأن الشعر قد خاصمني للأبد وأنني فقدت اللغة والايقاع.. لي حق في أن أصمت فالصمت في هذه الحالة فضيلة.. وهل هناك أسوأ لشاعر من فقد اللغة والايقاع؟!.

ثلة من أصدقائي المقربين فحسب اعترضت طريقي وقراري بهجر الشعر للأبد اما غيرهم من الأصدقاء فكانوا يسخرون من ابداعي ويصفون شعري بالشعر المهجور!.. هو في نظرهم نوع من الحفريات اللغوية ولا علاقة له بالزمن الذي نعيشه او بالأحرى الزمن الذي نموت فيه بعد أن أصبحنا عالة على الزمن وهذا العصر.. الحقيقة أنني حاولت مسايرة الزمن ومجاراة العصر.. كنت أتلصص على الشعراء الشبان وشعرهم الجديد الذي يصيبني بالدوار.. سأكون أكثر صراحة وأقول أنه يصيبني أحيانا بالغثيان وفي أفضل الأحوال أقف امامه حائرا.. مع ذلك حاولت محاكاة مايسمونه بالشعر الجديد وأرغمت نفسي على ابتلاع الكثير من قصائد النثر وعندما كتبت لم يكن هناك أسوأ مما كتبته!.. لاهو بالشعر ولاهو بالنثر!.. الصمت أفضل كثيرا والمسألة أصبحت تتعلق بصون كرامتي.. الشعر لم يعد ممكنا ولامناص من وقفة مع النفس وارغامها على الصمت.. نجحت في كبح جماح نفسي الامارة بالسوء وهجرت الشعر لكن ماذا كانت النتيجة؟ خلل مريع في نظام حياتي.. نوم مضطرب وتدخين مجنون وجولات طويلة في الشوارع كأنني أهيم على وجهي!.. كنت أتجنب المقاهي التي تحلو لأصدقائي من الشعراء والكتاب وتلك الندوات الفارغة وتجمعات النميمة لأشخاص يصفون أنفسهم بالمثقفين ويلهثون من أجل الشهرة ووهم يسمونه التحقق.

أه من الزمن وتلك الأيام التي كنت أجوب فيها الشوارع وأقطعها طولا وعرضا مسكونا باليأس والمرارة وحانقا على وجودي فمثلي باطن الأرض أكرم له من ظاهرها.. مع أنني أنفر من الخمور فقد حاولت ايامئذ أن أسكر لعلي أنعم بغياب عن كل شيء في هذه الدنيا ولو لسويعات.. مشاعر عدمية تتملكني والعبث يستبد بي وعندما يعاندني القدر ويقذف في وجهي بهذا الصديق او ذاك من الشعراء أقول له انني طلقت الشعر والحقيقة ان الشعر هو الذي خلعني!.

في يوم من تلك الأيام الحالكة السواد حملت زوجتي بغتة وكان لحملها المفاجيء وقع الزلزال على نفسي المتصدعة بما يكفي!.. كأننا في فضيحة وأصبحت أنا وزوجتي نتجنب الخروج من المنزل قدر الإمكان وكنا نشعر بالخجل حتى من بناتنا الثلاث وهن ينظرن بدهشة للبطن المنتفخة لوالدتهن المسنة!.. لم نكن نعرف ماذا نقول للأقارب الذين توافدوا على بيتنا لالقاء نظرات صامتة على بطن زوجتي!.

حتى الولادة كانت في يوم عاصف وكالح وعندما غادرنا المستشفى في اليوم التالي دخلنا بيتنا صامتين.. نظرات الدهشة مازالت تسكن عيون البنات وأنا وزوجتي ننظر للمولود دون ان نتبادل كلمة!.. نريد أن نتحدث ولكن شيئا ما يرغمنا على الصمت!.. هو ذاته كان صامتا ويكاد لايتحرك!.. كأنه كان يتعاطى المخدرات في بطن أمه!.. هذا ولد غريب من يومه!.. في عامه الثالث تزايد الهمس والغمز واللمز بين اخواته البنات حول مشيته الغريبة ولسانه الثقيل ولجلجلته في الكلام ثم جهرن بأنه متخلف!.. هل جهرن بالسوء ام انها الحقيقة؟!.. على أي حال أنا لاأتذكر كل تفاصيل تلك المرحلة على وجه الدقة لأن مرض أمه حينئذ اثار قلقي واستحوذ على الجانب الأكبر من تفكيري.. كانت تذبل بسرعة حتى باتت جلدا على عظم وكنت أشعر بالذعر وهي تنسحب من الحياة مع إصرار غريب على الخروج للشارع والتجول بلا هدف!.. كل يوم يمر يترك علاماته المحزنة عليها وعندما بلغ ابننا السادسة من عمره ماتت أمه.

ابننا لم يتعلق بأي شخص في اسرته لكنه ازداد انكفاء على نفسه بعد رحيل أمه.. كان الولد ملتاعا بصمت وشاردا أغلب الوقت وعندما اقترب منه واربت على كتفه او املس على شعره يرتجف.. بيني وبين نفسي كان الحزن ينهشني كلما نظرت لهذا الطفل اليتيم.. حقا اليتم مضيعة خاصة عندما يقترن بحالة طفل لم يكن طبيعيا تماما في الأصل.. ومع ذلك فالغريب انه لم يسأل عن امه ابدا مع انه عرف أنها رحلت للأبد.. كانت كلمة “يتيم” تقف في زوري عندما أشعر بالمرارة لعدم سؤاله عن أمه التي غابت للأبد.. كم تمنيت أن يسألني عنها لكنه لم يسأل أبدا!.. لكن ماحدث بعد رحيل أمه بعدة أشهر كان شيئا غريبا في سلسلة من غرائب هذا الولد.. كل صورها الفوتوغرافية اختفت وبعد عدة أيام عندما اكتشفنا اختفاء الصور لم يخطر لنا أن نسأله وعندما سألناه في نهاية المطاف كان الوقت قد تأخر جدا!.

على ضوء شاحب قادنا لخرابة وراء بيتنا.. هناك حفر حفرة أخفى فيها كومة الصور التي مزقها ووضعها في كيس بلاستيكي أسود.. وقف امامنا لوقت طويل يتهته وعيناه الصغيرتان في دوران مضطرب.. لكننا لم نفهم أي شيء.. لم اتمالك نفسي واستبد بي الغضب فصفعته.. كانت أول مرة أضربه فيها منذ أن ولد.. ثم.. ثم انهالت البنات عليه ضربا!.. جفل وجلس على أرض الخرابة يبكي فسحبناه من قدميه للبيت.

لم أكن أعرف قبل ذلك أنه يعرف كل شيء في البيت وقادر على الوصول لما يريده حتى لو كانت البومات قديمة او أظرف عتيقة تحوي صورا لأمه.. لم أكن أعرف أنه يمتلك الخيال والجرأة لاقتحام خرابة مظلمة ودفن الصور في ركن من أركانها.. لا!.. لم أكن أعرف وعندما عرفت أصبحت أخاف من هذا الولد وأخاف عليه!.. أشعر انه يمكن ان يسبب لنا فضيحة كما أشعر بأنه يحتاج لمن يحميه من نفسه!.

في ذاك العام دخل المدرسة وفي اول أسبوع له بالمدرسة كنت أستأذن لأترك عملي مبكرا وانتظره على باب مدرسته.. كنت أخشى ان يضربه طفل ما او حتى يضايقه هذا او ذاك.. هاأنا أتذكر مسيرتنا معا تحت سماء بدايات الخريف التي تتزامن مع بدايات العام الدراسي.. هاأنا أراه وهو يمسك بيدي وحقيبته تترنح على ظهره وينظر للدنيا بلا اكتراث او بلا اهتمام!.. هل أقول انه ينظر لهذا العالم باحتقار؟!.

على طول الطريق من المدرسة للبيت يلقي الطريق في وجهي ووجهه بأشخاص اعرفهم فيمدون اياديهم بالسلام وأصافحهم بود قدر الإمكان وعندما تمتد الأيادي ليده الصغيرة وتضغط عليها مشفوعة بابتسامات متكلفة لكن نظرته الباردة تجمدهم.. لا أعرف ماذا أفعل مع هذا الأبله؟!.. سرعان ماقررت أن أتركه يذهب ويأتي من المدرسة وحده.. مخاوفي لاأساس لها من الصحة.. لاأحد من الصغار او الكبار يمكن أن يجشم نفسه عناء مضايقة ولد يضيق بالعالم والعالم يضيق به!.. البنات تزوجن في ذاك العام.. تزوجن في يوم واحد وكأنهن يتعجلن الفرار من بيتنا مع انهن صغيرات!.. لديهن رغبة جارفة في الانكشاح من وجهه كما يرددن دائما! كثيرا ماتوسلن لي بالدموع أن أخفيه عنهن!.. لايمر أسبوع دون شجار ودموع.. أنا ضعيف جدا امام دموع بناتي ومن ثم اضطر أن آخذه معي في جولات خارج المنزل.. نتمشى في شارع شبرا او على كورنيش الساحل.. لانتحدث معا ونكتفي بالفرجة على البشر وواجهات المتاجر او صفحة النيل وماتحمله من مراكب.. لكن ماذا افعل في الشتاء عندما توحل الأرض وتأخذ الأمطار راحتها؟!.. لابديل عن البيت.

في ليالي الشتاء يحلو للأصدقاء زيارتي في البيت وبعضهم يأتي بأشخاص لا أعرفهم ربما من باب العشم او الونس!.. حتى ازواج بناتي يصطحبون أصدقاء لهم لاأعرفهم!.. على أي حال انا أرحب بالجميع.. من أعرفهم ومن لاأعرفهم وسرعان مايمتليء الصالون بالدخان والضحك.. كل ذلك والولد في عالمه الآخر!.. يجلس بالبيجاما في غرفة النوم او يقبع في المطبخ ولكنه ذات مرة خرج لنا بصينية تحمل علب عصير صغيرة وقدمها للضيوف وسط دهشة الجميع وصمت مترقب فيما البعض تقبل هذا الكرم المفاجيء شاكرا والبعض الآخر اعتذر شاكرا!.

كل شيء يتحول مع الوقت والأيام لشيء عادي وهذا ماحدث معه عندما اعتاد الناس تصرفاته وطباعه وحتى اخواته البنات أصبحن أكثر تسامحا معه.. هل أقول ان وجوده أصبح ضروريا وان غيابه يثير القلق؟!.. بعد زواج اخواته البنات لم يعد في البيت إلا أنا وهو واتسع بيتنا اكثر واكثر لسهرات الأصدقاء.. اهرب من الوحدة وشعور الفقد بهذه السهرات لكن لاشيء يعوضني عن كل هذا الفقد او يعادل الحزن الذي ينهشني.. يزداد حزني عندما انظر لهذا الطفل اليتيم وأمسح رأسه بيدي فيرتبك واكاد اسمع صوت اضطرابه العنيف في مرجله الداخلي!.. آه لو اعرف سرك ياولدي!.. لماذا تجلس في اخر مقعد بفصلك الدراسي وتفصل نفسك عن كل زملائك وأساتذتك؟!.. كل المدرسين اعتبروه حالة ميؤوس منها ومع ذلك كان في سنوات مدرسته الابتدائية يصعد كل عام للصف الأعلى دون أن أعرف كيف!.. في بلادنا أشياء كثيرة لاأعرف كيف تحدث!.

عندما اضطر للمشاركة في اجتماعات مجلس الآباء في المدرسة كنت اخر من يذهب وأدلف لفناء المدرسة وهي ملفوفة بالعتمة بينما يجلس الأساتذة منهكين وقد تسمروا في مقاعدهم والفصول خاوية كساحات حرب انتهت بكارثة للجميع والاضاءة خافتة بمصابيح واهنة.. كنت ادخل الاجتماعات متسللا كشبح يسعى جاهدا الا يراه أحد لكن سرعان ماتتجه اأنظار أولياء الأمور لي مع كلمات تقطر سما من الأساتذة عن سوء نتائج ابني وضعف تحصيله الدراسي حتى ان بعضهم اقترح نقله لمدرسة أخرى وكأن ابني هو وحده الذي يهبط بمستوى المدرسة!.. كنت التزم الصمت فيتراجع منسوب غضبهم رويدا رويدا ويتطوع أحدهم بالقول بأن الولد ليس شقيا على أي حال وأخلاقه ليست سيئة انما المشكلة انه يبدو شاردا دوما وسارحا في عالم آخر غير عالمنا.. بحرقة في القلب ودموع خفية وكلمات عاجزة أقول لهم انني سأبذل قصارى جهدي لمساعدة الولد وسأجلس معه كل يوم لمتابعة دروسه وعلينا الا نفقد الأمل لأنه مازال صغيرا على أي حال.

لكنني في البيت أستسلم لليأس.. أقضي معه ساعات امام الكتاب المفتوح دون فائدة!.. هو يجلس متخشبا بجواري!.. لايتحرك أبدا.. كأن كلماتي له قطرات زيت تطفو على الماء دون ان تمتزج به.. عندما أطلق سراحه في نهاية المطاف يعود إلى غرفته ويقضي نحو ساعة في انجاز واجبه المدرسي ثم يغلق كتبه وكراساته ويضعها في حقيبته ويقفلها.

في الفاصل بين الفجر والصباح اتسلل لغرفته وهو نائم وافتح حقيبته واحدق في كراسات الواجب المدرسي فتصدمني الإجابات وأقف مبهوتا.. اجابات غريبة تتنافى مع العقل والمنطق!.. لكنني لاأقول له شيئا عندما يستيقظ ويذهب صامتا للمدرسة ليجلس في آخر الصف.. هو لايقول لي شيئا عن يومه في المدرسة.. يذهب ويأتي صامتا وأنا لاأسأله.. عندما أصبح في الصف السادس الابتدائي تعرض للتنمر من زملائه في الفصل.. كأنهم اكتشفوا وجوده الغريب فجأة فشرعوا في تعذيبه!.. يلتفون حوله في الفسحة ويقرصونه من أطرافه.. كأنهم يريدون التأكد من أن وجوده حقيقي وأنه من لحم ودم مثلهم!.. لم يقل لي شيئا لكنني عرفت بمحض الصدفة من عامل في المدرسة صادفني في الطريق ذات يوم.. بعد أسابيع قليلة عرفت انهم كفوا عن التنمر وتوقفوا عن تعذيبه وتركوه وحيدا كما كان!.

المؤسف حقا ان عامل المدرسة الذي أخبرني بوقائع التنمر مارس التنمر بدوره مع ابني!.. ذات يوم عاد الولد للبيت وهو ينهج بصورة غريبة وكان يبدو مستثارا ومسحوق الطباشير يغطي يديه وعندما سألته ان كان قد مسح سبورة الفصل اجابني بالنفي.. في مساء ذاك اليوم جاء لي واخبرني انه ساعد هذا العامل في تنظيف الفصل.. كان يبدو سعيدا!.. وبعد عدة أيام عرفت انه مستمر في مساعدة عامل النظافة بمدرسته وشعرت أنه سعيد بمايفعله ثم ان نوعا من الصداقة نسج خيوطه بينه وبين هذا العامل الذي كنت اعتبر مايفعله نوعا من التنمر.. وجاء يوم شعرت فيه بأنني لابد وأن أذهب للمدرسة لأعرف كل شيء عن هذا العامل.

كأنه يعرف أنني قادم له لامحالة!.. وجدته في انتظاري.. بقامته القصيرة ولونه القمحي استقبلني بابتسامة واسعة وعندما عاتبته على مايفعله مع ابني قال لي: “ابنك ولد طيب وهو الذي يصر دائما على مساعدتي في عملي”.. بحسم قلت له :”لاأريد له ان يفعل ذلك”.. هز العامل رأسه مرتين وفي عينيه شيء من خيبة الأمل فتركته دون أي كلمة ومضيت.. أحاول ان اهرب من التفكير في هذا الولد وانظر باهتمام مصطنع لواجهات المتاجر في شارع شبرا واحاول تفادي النظر لوجوه الناس.. اخاف ان أرى في عيونهم سخريتهم من عجزي.. حقا ماأبشع العجز.

يلاحظ أصدقائي ان صمتي يطول فيسألني بعضهم إن كنت في مخاض ولادة قصيدة جديدة تعيدني للشعر ويتساءل البعض الآخر عما إذا كنت في حالة حب.. أقول لهم باختصار:” لاهذا ولا ذاك”.. في البدء كان الشك ثم صدقوني بصمت وقبلوا صمتي في صمت.. نعم قبلوا صمتي باستثناء واحد وصف صمتي بأنه يعبر عما اعانيه من عقم في الشعر ونضوب في الابداع!.. لم اهتم ولم أكلف نفسي حتى عناء الرد على هذا المتشاعر الذي يرتكب جرائم ضد الشعر باسم الحداثة!.. لايجوز ان اكترث بهذا الهراء ثم أنني كبرت ولم أعد احتمل حرق الدم والجدل العقيم.

صحيح أنني أمشي في الأسواق والشوارع بلا مشاكل ولاأتعثر او أقع هنا او هناك لكن الصحيح أيضا أنني في المساء وبعد أن أتناول العشاء أتهاوى على مقعدي متشبثا بكتاب او صحيفة وأشعر بحالة شلل.. أشعر بأنني نصف ميت!.. أخشى ألا أستطيع النهوض فأتحامل على نفسي وأنهض وارتمي في السرير بينما البيت يتنفس الصمت.. هناك في السرير قصة بوليسية كانت قد شدت اهتمامي في البداية فقررت وضعها بجوار المخدة لأقرأ منها عدة صفحات كل ليلة حتى أنام لكنني سرعان مافقدت شغفي بهذه القصة!.. يبدو ان لاأعاني فقط من وهن في جسدي وانما الأخطر أن الوهن طال روحي.. لاتسألني عن التلفزيون فأنا في الماضي كنت اعتبره مضيعة لوقتي الثمين الذي ينبغي أن أنفقه في القراءة والابداع وفي الحاضر لاأحتمل سخافاته.. نعم ينبغي أن أقول ذلك وأن أقص عليك أيضا ماحدث في ليلة لاأنساها.

في تلك الليلة وتحديدا عند منتصف الليل سمعت وقع خطاه في الصالة.. نسيت أن أقول أنه يمشي أحيانا وهو نائم كما انه يعاني من اضطرابات في النوم.. تطارده كوابيس لايحكيها لي أبدا وقد اعتاد ان يترك مصباح غرفته مضاء طوال الليل وفي الصباح يتجه مباشرة للثلاجة ويتجرع كمية كبيرة من الماء.. أحيانا يفعل ذلك أيضا في الليل مثلما حدث في تلك الليلة.

ليلتئذ تجرع ماتجرعه من الماء وعندما كان في طريقه من المطبخ لغرفته ناديته وطلبت منه ان يطفيء نور الصالة ويغلق التلفزيون.. كان حينئذ يقترب من الثالثة عشرة وماأدهشني أنني رأيت ظله كبيرا على الحائط وأكتشفت أنه أصبح فعلا فتى يمتلك جسدا رشيقا!.. شكرته لكن الأمر تكرر في الليالي التالية.. يجوس عند منتصف الليل في بيتنا وأطلب منه في كل مرة إطفاء نور الصالة فيفعل مايؤمر به.. عندما لاحظت اننا لم نحتفل ابدا بعيد ميلاد هذا الولد أخذتني الدهشة.. كأنه لم يولد وليس له يوم نحتفل به!.

نعم انا شعرت أيضا بالشفقة حيال ابني الذي لم احتفل ابدا بيوم مولده.. هذا يوم كان يمضي كل عام في صمت.. حان الوقت لتصحيح هذا الخطأ ولن أعترض إذا وصف هذا الخطأ بالخطيئة.. المهم تصحيح ماحدث.. سأقيم له احتفال كبير بمناسبة عيد ميلاده الثالث عشر.. سأدعو زملائه في فصله بالمدرسة ومدرسيه وكل من أعرفهم من أصدقاء.. سأعوضه عما اقترفته في حقه طوال السنوات الماضية.

في اليوم الموعود لم أر سوى ثلة من زملائه دخلوا بيتنا الصامت مهللين وبعضهم يحمل هدايا صغيرة ملفوفة بأوراق ملونة.. لكن ليس من بينهم فتاة واحدة.. وللأسف لم يحضر أحد من المعلمين.. سمعت احد زملائه يهمس لزميل له وهو يحدق في شعري الأبيض: هل هذا والده أم جده؟!.. كانوا ينظرون لي بفضول حتى وهم يقدمون هداياهم المتواضعة لابني الذي تقبلها بخجل.. أغلب الهدايا أقلام رخيصة الثمن ولم يفكر أحد منهم في أن يقدم كتابا كهدية للولد.. هل يعتقدون أنه لايحب الكتب؟!.. ثم لماذا ينظرون لي هكذا كما لو أنهم يريدون التأكد من سلامة قواي العقلية؟!.. آلا يعرفون أنني أنا من اشترى تورتة عيد الميلاد ومن أعد ساندويتشات اللحم البارد وأكواب الشاي بالحليب؟!.. لا أعرف سببا لنظراتهم الغريبة للبيت!.. يجوسون بأعينهم في البيت ويتهامسون ويطلقون ضحكات مكتومة.. ابني يجلس منزويا منكفئا على ذاته وكأنه ضيف غير مرغوب فيه وليس صاحب الحفل والعيد عيد مولده!.

ربما يكون وجودي قيدا على الولد.. ينبغي أن أتركه وأتركهم جميعا وأحررهم من وجودي المزعج.. بالفعل عندما تركتهم سمعت ضحكهم ينطلق بلا توتر!.. عندما دخلت عليهم بغتة وجدتهم قد خلعوا أحذيتهم وأنهمكوا في الرقص والغناء ولكن ابني ليس معهم!.. وجدته يقف في الشرفة وحيدا شاردا.. اما الغريب حقا فكان قيامه بكنس الصالون بعد انصراف زملائه.. قال لي أنه يفعل ذلك في المدرسة!.. والأغرب أنه بدأ في تنظيف وتلميع حذائي يوميا دون أن أطلب ذلك منه أبدا!.. نعم أقول قولي هذا لأبريء نفسي من ذنب هذا الولد!.. هو الذي يفعل ذلك عن طيب خاطر تماما كما يتطوع بحمل كيس القمامة الأسود ليلقيه كل يوم في الصندوق الكبير للمهملات بالقرب من البيت.. هو الذي تطوع ليشتري لي جريدتي المفضلة والسجائر التي أدمنها.. لديه وقت ليفعل كل ذلك فهو لايقضي أكثر من نصف ساعة في أداء واجبه المدرسي ثم يجلس لساعات طويلة ساكنا في مقعده ومحدقا في الجدار او مصوبا عينيه نحوي.

أعوذ بالله من ولد لاأجد له هواية واحدة من الهوايات المتعارف عليها بين الناس!.. حتى الحيوانات لاتطيق عشرته!.. ذات يوم اشتريت له جروا لعله يسليه ويربيه حتى يصبح كلبا وفيا له لكن الجرو فر بعد أسبوع!.. ذهب دون عودة والولد لم يبد أي ضيق او ندم على ضياع الجرو.. ماذا أفعل معه؟!.. قلت لنفسي فلأعلمه ترتيب شقتنا وبدأت بالفعل في تعليمه وكان يتعلم ببطء لكنه تعلم في نهاية المطاف كيف يرتب الفراش ويضع الملابس في أماكنها بالدولاب ويلتقط الكتب والأوراق المتناثرة ليضعها على مكتبي وعندما أعود في المساء أجد كل شيء في موضعه الصحيح.. نعم لابد وأن أشهد له بذلك.. بل أن ابنتي الكبرى التي كانت تتردد على بيتنا من حين لآخر لطهي الطعام بما يكفيني ويكفيه لمدة أسبوع قد علمته فنون المطبخ فأصبح هو الذي يطبخ لنا.. صحيح أن طعامه يفتقر بعض الشيء لنكهة طعام أخته ناهيك عن طعام أمه الراحلة لكن الصحيح أيضا أنه طعام مستساغ ويؤكل على أي حال.. هل اكتفى بذلك؟!.. لا!.

أشياء قديمة ومهجورة منذ زمن بعيد يعيدها للحياة متجددة بروعة لمساته!.. صينية قديمة مثلا أنتشلها من كومة مهجورة في علية الشقة ووضعها امامي مزهوة بنقوش رائعة وفراشات وملائكة صغيرة بأجنحة مرفرفة!.. اين تعلمت كل ذلك؟!.. من قصة سمعتها في المدرسة.. اي قصة؟!.. قصة عن وليمة ملك!.. اي ملك؟!.. هو لا يتذكر اسمه.. وماذا عن الشخصيات الأخرى في القصة؟.. هو لايتذكر أي أسماء!.. هل يمكنك أن تحكي لي هذه القصة؟.. هو يبدأ لكنه يتوقف فورا!.. هذا الولد مشوش وخجول جدا.. عيناه غائمتان ووجهه بلون الدم القاني.. ولم لايكون خائفا مني؟!.. ينبغي أن أفعل شيئا لأنقذ ابني من محنته.. أريد أن أكسر خوفه وعزلته.

هاأنا أصطحبه في جولاتي المسائية.. هو معي في المقاهي التي أتردد عليها للقاء الأصدقاء من الأدباء.. هو معي أيضا في أتيليه القاهرة وسهرات الفن والشعر.. لاأعرف سر ولعه بمساعدة الآخرين.. إذا وقعت علبة سجائر مثلا من أحدهم يهرع لالتقاطها من الأرض ويعيدها لصاحبها ويبدو متشوقا لمساعدة السقاة وعمال النظافة في المقاهي او الأتيليه!.. تماما كما لاأعرف بالضبط سر خوفه مني!.. عندما يجلس بجواري يكون كمن يتوقع مصيبة قادمة لامحالة!.. هل يخاف من كهولتي أم من جنوحي للصمت؟!.. أشعر بالأسى لأنني بالفعل كان ينبغي أن أكون جده.. لكن ماالعمل في خطأ ارتكبته ليأتي هذا الولد للدنيا تعيسا!.. حتى أمه فقدها في طفولته المبكرة!.

رغم كل شيء هناك حالة سلام بيننا أقرب ماتكون للهدنة الطويلة منها لسلام حقيقي!.. كنت أتوقع أن تستمر تلك الهدنة حتى يأتي يوم نفترق فيه بالضرورة.. عندما يشدني الحنين للأجواء العائلية أذهب لزيارة بناتي فيكون الاستقبال الدافيء بالقبلات والأحضان ونتبادل النكت والطرائف ولكنني قرأ التوجس في عيون أزواج بناتي من أن تطول الزيارة او على الأقل هذا ماأستشعره فأبادر بالاستئذان للانصراف رغم الحاح بناتي بالبقاء وحتى المبيت حتى الصباح!.. “لا”!.. أقولها بحسم.. ينبغي أن أذهب من أجل الولد.. أقولها وكأنني أصدق نفسي وأصدق أن الولد ينتظر عودتي!.. هكذا أودعهم بالقبلات والأحضان مرة أخرى وأنا أستشعر الارتياح في عيون الأزواج الذين يتطوع الواحد منهم بحماس لمرافقتي حتى أقرب محطة مترو.. ربما يكون صمت ابني أفضل من كل هذا النفاق!.

أي ضير في أن أبقى في بيتي وأتفاوض مع الملل حتى أنام؟!.. لا بأس من محاولة قراءة صحف لم يعد أحد يقرأها او مشاهدة تلفزيون يتفنن في لعبة التفاهة او تصفح كتاب يتحدث عن نظام التفاهة الكوني.. لامانع من تمشية في هذا الشارع او ذاك مع أناس منكسي الرؤوس وسط جبال من الهموم.. لم أعد قلقا بشأن خيالي الذي تآكل والأفكار التي تخاصمني والوحي الذي هجرني وأخذ معه إمكانية الشعر وفن القصيد.. اين الأيام التي كنت أحمل فيها أوراقا أينما كنت لأكتب فيها ومضة او حتى كلمة أشرقت في روحي؟!.. أين الولد؟!.

منهمك في صمته كالعادة!.. لم يتجاوب كثيرا مع ببغاء أشتريته لعله يسليه ويناغيه ويلاغيه!.. حتى أصص الورد التي جلبتها له لم تستهويه.. اهتمامه الحقيقي يتركز في تنظيف وترتيب المنزل وطهي الطعام.. ماهذا؟!.. آلا توجد هواية ذكورية؟!.. هل يحمل أنثى في داخله؟!.. ومع ذلك فأنا لاأحاول التدخل وفرض هواية محددة عليه.. حتى الشعر الذي أعتبره أرقى الفنون والذي منحته أجمل سنوات عمري لم أحاول أن أفتح له بابه لعله يقع في عشقه!.. هو لم يكن يعرف أنني شاعر حتى جاء ذاك اليوم في نهاية شتاء كئيب سقطت فيه مريضا فإذا به يقضي ساعات طويلة لرعايتي في فراشي وإذا بي أحدثه لأول مرة عن حياتي مع الشعر!.

استمرت وعكتي عدة أيام وكان الولد يجلس بجواري حزينا ويسمعني مجاملا وربما كان يتجمل بالصبر!.. أبدا لم نجلس من قبل كل هذه الساعات الطويلة وجها لوجه.. لكن الحقيقة ان الولد لم يقصر في حقي.. أحيانا كان يتمشى في الشقة انما يعود بسرعة ويهرع لتلبية طلباتي.. الدواء او كوب شاي او قليل من الطعام.. أحاول أن أستدرجه للحديث فأسأله إن كان قد انجز واجبه المدرسي فيهز رأسه بلا كلمة واحدة.. لا أسمح لليأس بأن يغلبني فأسأله أسئلة أخرى فيجيب بكلمة واحدة:نعم او لا ويهز رأسه في الحالتين!.. في نهاية المطاف يبلغ تعبي مبلغه فتسقط رأسي على المخدة وأغلق عيناي.. تغرق غرفتي في الظلام.

في هاتيك الأيام التي رقدت فيها محموما لم تتوقف الكوابيس عن مداهمتي.. لكن ثلة من الأحلام الجميلة تفضلت بزيارتي.. حلمت بأنني أطير على بساط الريح وأزور بلادا ساحرة كأنها الفردوس.. حلمت بأنني ألقي قصائد أمام الملايين وسط التصفيق وصيحات الاعجاب وحورية ساحرة تهديني وردة حمراء.. لكن ماذا عن الكوابيس؟!.. في كابوس قاتل وجدت ابني ينقذني في آخر لحظة وعندما فتحت عيناي وجدته بجواري ويمسح بيده على رأسي.. يبدو انه شعر بالخجل من الموقف ككل فسألني بغتة: هل تعمل كشاعر؟!.. لا الشعر هوايتي اما عملي فموظف بدار الكتب وأنا أأتمنى اليوم الذي يحل فيه موعد تقاعدي عن العمل!.. قلتها له بهدوء وود لكن يبدو أنه لم يفهم تماما.. شرحت له الفرق بين الهواية والعمل وسألته بابتسامة:أي عمل كنت تتمناه لي؟.. ابتسم بخجل وقال: ربما طيار او بحار فضحكت من أعماق قلبي المتعب حتى هيمن الصمت من جديد على فضائنا.. صمت لايخدشه إلا قطرات واهنة من مطر شتاء في هزيعه الأخير.. لكنني قررت الا اهدر هذه الفرصة النادرة!.. نهضت متحاملا على نفسي وسحبت من مكتبتي دواوين شعري ووضعتها بحرص على طاولة صغيرة بجوار السرير وقلت له: في تلك الكتب ستجد أغلب ماكتبته من شعر.. كان يسمعني صامتا ويؤلمني بانكسار عينيه.. أحمل دواوين شعري واذهب بها لسريري وأنا أشعر بالهوان. الخذلان. الخزي.. أشعر بأن حياتي ضاعت هدرا وفقدت ولدي الوحيد المحسوب زورا ضمن الأحياء.. أتصفح هذا الديوان او ذاك ودموعي تبلل السطور والكلمات.. هل كنت أكذب على نفسي وأخدع الآخرين عندما كتبت ماكتبته وصدقت نفسي بأنني شاعر؟!.. تركت نور غرفتي مضاء حتى الفجر.

في الصباح ذهب لمدرسته كالعادة ونهضت من فراشي وأنا أشعر بأن الألم تراجع ولو قليلا.. حشرت دواوين شعري بغيظ لتقبع بين الكتب في المكتبة التي تضربها الفوضى.. بعد عدة أيام لاحظت أن المكتبة استعادت رونقها وتبدو مرتبة بعناية.. ماالذي دفعه لذلك؟!.. اي سر وراء مافعله؟!.

في حصة للغة العربية ذكرت معلمته الشابة الجديدة اسمي ضمن شعراء جمعوا بين الشعر العاطفي والشعر الوطني.. اتجهت عيون زملائه نحوه بمقعده المنزوي في آخر الصف.. لم تفهم المدرسة في البداية سر النظرات لهذا المقعد البليد وعندما أشار تلميذ نابه نحوه وقال لها انه ابنه ابتسمت ومضت في قراءة قصيدتي التي كتبتها في شبابي واخترتها ضمن مختاراتي في اول ديوان شعر يحمل اسمي.. عندما عاد للبيت وجدته يدخل غرفتي ويعانقني ثم يتلو ماتيسر له من قصيدتي ويحكي لي بفخر ماحدث في المدرسة.. كنت أستمع له بدهشة وأمسد شعره بيدي وأحاول شرح معاني القصيدة التي استغلقت عليه.. بعدها وجدت مكتبتي مرتبة.

وبعدها عاد وسألني متى كتبت هذه القصيدة فأجبته ثم أوضحت له ان التاريخ الدقيق لكل قصيدة كتبتها مثبت في دواوين شعري.. هز رأسه بايماءة الفاهم وعاد ليسألني عما إذا كانت هناك قصائد أخرى لي غير تلك القصائد التي تضمها دواويني فابتسمت وفتحت درج مكتبي ومددت له باقة من أوراق تحمل أشعاري التي لم أنشرها وقلت له: هناك المزيد في الدرج وأماكن أخرى.. لدي كراسات كثيرة كتبت فيها الكثير من القصائد وعندي اجندات تحمل مشاريع قصائد لم أكملهاأبدا.. بنظرة كلها اعجاب سألني: هل كتبت قصيدة جديدة اليوم؟.. بشيء من الأسف قلت له أنني توقفت عن كتابة الشعر منذ وقت طويل فنظر لي نظرة تراوح بين العتاب واللوم ثم استحالت إلى جزع ويأس.. جلس بجواري على السرير كأنه يجلس في عزائي فضحكت من جديد ومضيت أمرر يدي على شعره المقصوص.. هاأنا أشعر بالامتنان لهذا الولد النبيل ومن أجله أتمنى عودتي لكتابة الشعر.. يبدو ان كل شيء سيكون على مايرام.

أبدا!.. أيام قليلة وكل احلامي الجميلة تحولت إلى كابوس جديد من كوابيس هذا الولد!.. فتحت درج المكتب فلم أجد أي أوراق او كراسات.. الدرج الخاوي ينعي شعري الذي اختفى بفعل فاعل.. سألته اين أخذ الأوراق والكراسات فأجاب ببرود: رميتها من النافذة لأنظف مكتبك وأضاف بوقاحة: الم تقل أنك توقفت عن كتابة الشعر؟!.. بكل قوتي او ماتبقى من قوتي صفعته على وجهه فترنح ثم استعاد توازنه بسرعة ولوح بقبضته والغضب في عينيه نار ثم تركني ومضى لغرفته.. من جانبي حاولت أن أطفيء نار غضبي.. هذه أوراق قديمة وأغلبها قصائد لم تكتمل ثم انني هجرت الشعر او هجرني الشعر فلماذا كل هذا الغضب؟!.. الأفضل تناسي كل ماحدث ويكفي صفعتي على وجهه.. صفعة تكفي حتى لايكرر حماقاته.. هكذا أقنعت نفسي وكبحت جماح غضبي فهل يكف بالفعل عن حماقاته؟!.

ها قد جاء أخر يوم له في المدرسة وحان الوقت لحضور احتفال نهاية العام.. هاهو قد تجاوز عمره السبعة عشر عاما ويتأنق في قميصه الأبيض وبنطلونه الأسود رغم انه لم يكن أبدا من المتفوقين الذين يرفعون رؤوس ابائهم.. بالكاد مجموعه يؤهله لدخول الجامعة والغريب انه اختار قسم الأدب العربي.. طبيعي أن أتوارى بنظارتي السوداء في الصفوف الخلفية مثلما كان هو يتوارى في آخر الصف بفصوله الدراسية على مر أعوامه الكالحة بتلك المدرسة التي لم أبخل عليه بمصاريفها التي قد لايقبلها أصحاب الدخول المحدودة مثلي.. جميل هذا الحفل على كل حال بكلمات الأساتذة والطلاب المتفوقين وأغاني طالبات موهوبات ومقطوعات موسيقية لشباب واعد وطريف جدا هذا الفتى الملظلظ الذي أطلق وابلا من النكات وأشاع المرح بين الحضور ليستحق بجدارة عاصفة من التصفيق.. أنا أجلس بعيدا عن المحروس ابني وفي حالة اقرب لحالة المتنكر ومع ذلك لمحني العامل الذي كان المحروس يساعده في نظافة المدرسة وأقبل متهللا ليصافحني.. ليست مشكلة على أي حال لكن المشكلة كل المشكلة في المحروس!.

فجأة نهض من مقعده واخترق الصفوف وهو ينادي :”بابا بابا”.. أنا ذبت من الخجل وتحصنت بخبيئتي في المقاعد الخلفية وسط استهجان الحضور من هذا الولد الذي يشوش بصوته وحركاته المضطربة على مقطوعة موسيقية لطلاب موهوبين على مسرح المدرسة!.. بعض زملائه يمسكون به ليعود إلى مقعده وهو يقاومهم.. إنه يبحث عني بعينين زائغتين وينادي علي بلا جدوى…. لي أن أتحين اي فرصة مواتية للفرار من هذا المعتوه ومايسببه لي من حرج.

انتهى الحفل وعدت إلى البيت محبطا محطما اما هو فقد عاد بعد ساعات عدة.. تين لي انه كان يساعد عامل النظافة في تنظيف المسرح بعد انتهاء الحفل!.. إلى متى يارب تستمر مآساتي مع هذا الولد؟!.. إنه يقضي الآن ساعات طويلة في البيت وللانصاف هو يعتني بي اما المدهش ففعلا فتلك الهواية الجديدة التي تملكته.. الشعر.. نعم الشعر!.. أصبح محبا لقراءة الشعر بل أن يده لم تتورع عن محاولة كتابة الشعر!.. كيف ومتى؟!.. لاأعرف ولكن هذا ماحدث!.. اكتشفت انه لم يلق بقصائدي القديمة في صندوق القمامة كما ادعى وانما احتفظ بها في خبيئة آمنة بغرفته!.. مضى في محاولات لتطوير الشعر الذي كتبته منذ سنوات طويلة.. أنا وجدت قصاصات من أشعاري القديمة في جيب بنطلونه مع قصاصات أخرى بخط يده وعندما استجوبته اعترف لي بأنه كذب علي ولم يلق بشعري القديم في صندوق القمامة.. اكتشفت أيضا انه يحتفظ بكراسة ليكتب فيها مايعن له من افكار او خواطر او مشاريع قصائد تماما مثلما كنت أفعل!.. عندما عرض علي إعادة كل قصائدي القديمة لمكانها القديم في درج مكتبي قلت له بنفس راضية :”احتفظ بها” فأخذها ومضى راضيا.

دهشتي تتبدد مع الأيام واعتادت عيناي قراءة مايكتبه بل أنه كان يضع بعض قصائدي القديمة وبجانبها قصائد جديدة له على سطح مكتبي الذي وضع عليه فازة جميلة وورودا أجمل.. إنه يعارض قصائدي بقصائده وكأنه يغريني لأعارضه بدوري بقصائد جديدة!.. هل يسعى لغوايتي لأعود للشعر؟!.. آه من هذا الولد وأفكاره!.. لكن لا مناص من الاعتراف بأنني شعرت بالسرور والامتنان لما يدور في ذهنه المطلسم والذي لايمكن توقع مفاجآته!.. حتى عندما زادت قصاصات أوراقه وتطايرت في اركان الشقة لم أغضب كثيرا وتذرعت بالصبر ومضيت أذكر نفسي بنواياه الطيبة على أي حال!.

للأسف المسألة تزيد عن الحد الذي يمكن التسامح معه والتذرع بالنوايا الطيبة!.. نعم للصبر حدود وصبري نفد ولابد من وقفة مع هذا الشاب الذي لايكف عن نثر قصاصات من أشعاري القديمة في كل أرجاء الشقة!.. اقتحمت غرفته وانتزعت ماتبقى من اوراقي وكراساتي وقلت له كفى.. لمحت في عينيه دموع غضب ثم خرج من البيت ولم يعد إلا بعد ثلاثة أيام اكتظ فيها حوض المطبخ بالأطباق المطلوب غسلها وغطى الغبار كل الغرف.. عندما عاد كظمت غيظي وكتمت غضبي وسألته بهدوء وبرود/”اين كنت؟.. هل ذهبت لاحدى شقيقاتك؟”.. هز رأسه بالنفي وقال بهدوء وبرود:”كنت في مسجد الحسين”.. عندما سألته عن سبب هجره البيت قال لي ماأدهشني حقا.. “أردت أن تكون وحدك في البيت لأنني عرفت أن كتابة الشعر تتطلب الوحدة والعزلة”!.. لاأعرف من الذي قال له ذلك!.. هل يكون أحد أساتذته قد قالها ليشطح ابني هذه الشطحة؟!.. لاأعرف!.. هو يعرف انني حزين ويعتقد ان حزني سببه غيابي عن الشعر او غياب الشعر عني!.. أحيانا أقول لنفسي هذا الولد يبدو كلحن لم يكتمل فتحول إلى نشاز او تمثال ينقصه شيء جوهري!.. يغمرني الأسى فتتسلط علي فكرة مجنونة مع اقتراب موعد تقاعدي للفرار إلى مكان بعيد لاأعرف فيه أحدا ولا يعرفني أحد.. لكن هل أترك هذا الولد وحيدا؟!.. هل يمكن أن يعيش مع إحدى شقيقاته؟.

في الأونة الأخيرة عندما اتحدث عنه أثناء زياراتي لشقيقاته يهز الأزواج رؤوسهم وينظرون لي كما لو أنني شخص مجنون!.. هل يقبل أحد منهم أن يعيش هذا الولد في بيته حتى لو تكفلت أنا بكل نفقاته؟!.. لم اسمع ابدا واحدة من شقيقاته تتجدث عن شوقها له ناهيك عن استضافته في بيتها ولو لأيام قليلة!.. لا أحد يساعد أحدا في هذا الزمن الصعب.. على أي حال جيد أنني لم أزهد تماما في لقاء الأصدقاء على الأقل في أمسيات الخميس عندما تضج الشوارع بأصوات بشر يبحثون بلا جدوى عن السعادة وتكتظ المقاهي بأصدقاء قدامى يجترون ذكريات زمن أم كلثوم.. نعم مازالت أم كلثوم تشكل القاسم المشترك بين الجميع.. قد يختلف البعض مع البعض حول جمال عبد الناصر او أنور السادات اما أم كلثوم فتبقى زعيمة الطرب التي جمعت القلوب ويلتف حولها الجميع.

طبيعي أن أجلس مع ثلة من الأصدقاء مساء الخميس وصوت أم كلثوم يحنو علينا في المقهى الذي اكتسب صيته من مثقفين وفنانين اتخذوه محلا مختارا لجلساتهم الحميمة اما غير الطبيعي أن تقع عيناي على ابني وهو يجلس مع ثلة من الشباب وأحدهم يقرأ ماتيسر من الشعر!.. تقريبا أغلب الشباب لاينصتون كما ينبغي لهذا الشاعر الشاب باستثناء شاب واحد هو ابني!.. مفاجأة أربكتني بالفعل!.. لاأظن أنه انتبه لوجودي بالمقهى حتى عندما نهضت مودعا أصدقائي وأنا أتمنى لهم ليلة سعيدة.. في طريق عودتي للبيت استمر شعوري بالارتباك تحت وطأة المفاجأة.. آخر ماكنت اتوقعه أن أرى ابني في مقهى يرتاده المثقفون وأجده ينصت لشاعر شاب.. هل اشعر بالسعادة ام أؤجلها تحسبا من مفاجأت أخرى تجعلني اشعر بالندم لافراطي في التفاؤل وتفريطي في الحذر من السلوك المتقلب لابني؟!.

حاولت أن أشغل نفسي عن نفسي بقراءة صفحة الأدب في جريدة لم يعد يقرأها سوى الكهول الذين يتركز جل اهتمامهم على صفحة الوفيات.. تشاغلت عن تأخره في العودة للبيت بالتفكير في عودة جديدة وجادة لساحة الشعر لكن صريخ سيارة توقفت فجأة قبالة منزلي قطع حبل تفكيري!.. عندما تعالت أصوات من داخل السيارة نهضت لأنظر من خلف الشيش لما يحدث في هذا الوقت المتأخر من الليل.. من فتحات الشيش رأيت سيارة متهالكة وقد انحشر بداخلها شباب يضحك ويسب ويلعن ويتصايح.. انفتح باب السيارة فرأيت ابني ينزل للشارع فيما شاب آخر يسنده.. نعم أراه بوضوح وقد وقف تحت عامود النور الذي تحول لعلامة على موقع بيتنا في شارعنا الشبراوي العتيد.. السيارة تمضي بالصخب المجنون لركابها وابني الآن يقف وحيدا تحت عامود النور.. أه!.. الولد يتقيأ!.. لابد وانه شرب مالايعرفه من الخمور او على الأقل عدة زجاجات من البيرة.. أنا أراه بوضوح وهو يتقيأ لكنني لن أنزل الشارع.. سأتركه حتى يفرغ حمولته المسمومة ويصعد للشقة دون أن أظهر له انني عرفت او اعرف أي شيء عما فعله في تلك الليلة.. هاهو يدخل الشقة وانا في فراشي بغرفتي المظلمة أراه يسير مترنحا ليدخل غرفته ويغلق بابها ثم تغرق الشقة في الصمت والظلام.. لاشيء سوى قطرات مطر خفيف تستأذن بلطف في مجيء الشتاء.

أعشق التجول بل والتسكع في شوارع القاهرة عندما يأتي الشتاء.. مهما كنت متعبا أتحايل على التعب وأتوكأ أحيانا على عصا لعلها تحميني من السقوط في شوارع مليئة بالمرتفعات والمنخفضات رغم انها دائما مكتظة بماكينات ثقيلة يقال انها تستخدم لدك الأرض وتسويتها!.. في شارع من تلك الشوارع القاهرية وجدت يدا تربت على كتفي وعندما التفت وجدت صديقا من الشعراء القدامى.. الحقيقة أنه نصف أعمى لكنه وفي للشعر وفاعل نشط في الندوات والمؤتمرات الأدبية وحريص على التواصل مع الشباب.. مشى معي تحت السماء الرمادية والمطر اللطيف وقبل أن يودعني أومأ لي بابتسامة أنه التقى ابني ضمن مجموعة من الأدباء الشبان.. “انه شاب لطيف.. هل يكتب؟”.

الآن لم يعد الأمر مجرد شائعات كنت أسمعها.. الولد انخرط بالفعل في جماعات الأدباء الشبان.. البعض قال لي أنهم يتسلون به ويسخرون منه والبعض الآخر أكد أنهم سعداء بوجوده بينهم.. الآن هو يوصف بأنه شاعر شاب ثم أنه يتطوع بكثير من وقته لمجلة يصدرها بعض الأدباء الشبان لنشر ابداعات الشباب وكعادته فهو مستعد دائما لتنظيف الشقة التي تصدر منها هذه المجلة!.. أنا وبخته وصفعته بكلمات قاسية لكنه لم يسمعني أبدا!.. عيناه سارحتان في عالم لاأراه.. لاأظن أنه يراني أمامه.. يبدو أقرب لمتصوف سابح في الملكوت.. هل أقول أن مظهره الآن يوحي بأنه من أهل الطريق والروحانيات؟!.. صحيح أنه لم يعد يضع يده في تنظيف بيتنا ويتناول طعامه في الخارج لكن الصحيح أيضا أنني لابد وأن أتوخى الحذر وأتجنب المزيد من الكلمات القاسية حتى لايخرج من البيت ولا يعود إليه أبدا!.

عندما يكون في البيت يغلق باب غرفته وينهمك في الكتابة.. لا أرى شيئا من كتاباته لكنني على يقين بأنه غارق في الكتابة!.. ذات مرة تحينت فرصة خروجه لصالة الشقة فأمسكته من كم قميصه وسألته ساخرا:”الأفندي يكتب… اليس كذلك؟!”.. جفل من سخريتي ونظر لي نظرة من فقد الأمل في!.. هل يقول لنفسه أنه محق في النأي بنفسه عني؟!.. مشكلتي أنني لا أجد إجابات واضحة لكثير من الأسئلة وليته يسألني في معاني كلمات مهجورة في اللغة العربية وهو يقرض أظافره كما يفعل في الآونة الأخيرة فأجيبه بكل ثقة وأريحية!.. هذا ميداني وتلك ساحتي اما أحواله فتلك معضلتي التي لاأجد لها حلا!.. أضيق بنفسي وأفكر جديا في ترتيبات مابعد التقاعد عن عملي وعرض بيتي للبيع بأعلى سعر.. الحقيقة أنه في الأصل بيت زوجتي الراحلة وأم أبنائي فهي التي أشترته بمال من ميراثها وهاأنا أقرر الآن بيعه والبحث عن شقة صغيرة استأجرها وأقضي فيها ماتبقى من ايامي الذابلة.

أناس لاأعرفهم يدخلون البيت بغرض معاينته ويتجولون في الغرف وأردد لهم بصوت خفيض مزايا هذا البيت الذي عشت فيه على مدى 30عاما وببرود أحدد لهم الثمن المطلوب فيتلقون الرقم برباطة جأش وألاحظ أنا أن أيا منهم لايعرف أنني شاعر لي دواوين منشورة وقصائد في صحف ومجلات وحتى في كتب مدرسية.. الا يقرأ أحد منهم الشعر؟!.. آه من هذا الزمن المعادي للشعر والشعراء!.

هذا زمن لم يترك لي خيارات سوى العزلة والمرارة رغم حفل التكريم الذي أصر زملائي في دار الكتب على اقامته لي وكلفوا أنفسهم شراء الحلوى والمرطبات ناهيك عن الكعكة الكبيرة التي توسطت مائدة مفروشة بمفرش أبيض وقد تباروا في كلمات الوداع وتعداد مناقبي ورأيت الدموع بالفعل في عيون بعضهم.. لكن هل هؤلاء أيضا لايعرفون أنني شاعر؟!.. لاأحد منهم تطرق بكلمة او حتى إشارة لي كشاعر!.. بالفعل ينبغي أن أذهب بعيدا حتى لاأصاب بالجنون الكامل.. سأذهب لمدينة المحلة الكبرى حيث تقيم أختي الوحيدة التي تكبرني في السن ولم تتزوج أبدا.. لن أقيم معها وانما سأستأجر شقة بالقرب منها.

أنا بدأت بالفعل في حزم حقائبي وأمضي بكل حزم وحسم في ترتيبات الرحيل.. شيء واحد توقفت أمامه مترددا وفاقدا للحزم والحسم!.. مكتبتي!.. اي كتب ينبغي أن آخذها معي واي كتب لي أن أستغني عنها؟!.. اما ابني الوحيد فمصيره يتقرر عبر مفاوضات مكثفة أجريها مع شقيقاته وأزواجهن.. لا أحد يلوح بإمكانية قبوله.. لاشيء سوى كلمات مائعة وابتسامات صفراء.. اأنا قد توصلت لاتفاق نهائي لبيع بيتي واعتقد ان المشتري اشترى الأرض لأنه يعتزم هدم البيت وبناء عمارة جديدة.. في خضم استعدادات الرحيل القى بعض العمال أوراقا تخص ابني على الأرض فكاد ان يفتك بهم!.. لم أره أبدا من قبل بكل هذا الغضب!.. لولا أنني بادرت بتهدئته وابعاده عنهم لحدث مالايحمد عقباه.

رغم نذر الرحيل التي تتوالى لم يكف الولد عن الكتابة.. إنه يكتب بجنون.. بل الأصح يكتب وكأنه يصلي في محرابه ولايكترث بحطام الدنيا ولا يعنيه في شيء بقائي او رحيلي.. أصبح شابا عفيا لكنه كما اظن لم يعرف الحب ولا تستهويه النساء!.. اين يذهب وأين يعيش بعد رحيلي من هذه المدينة التي لابد وأن يبقى بها من اجل دراسته؟!.. احد أصدقائي اقترح أن يقيم في المدينة الجامعية لكن فرصة اقامته هناك ضاعت في هذا العام.. الصديق اقترح أن يقيم في شقة للطلبة القادمين من الأقاليم وحدثني عن شقة من تلك الشقق يعرف صاحبها فأخذت ابني لنقابله بتوصية من صديقي.. الرجل استقبلنا استقبالا حسنا وزوجته قدمت لنا الشاي بابتسامة طيبة.. الرجل وزوجته ينظران لابني وكأنه يخضع لمعاينة دقيقة!.. المفاجأة أن الرجل قال لي انه يعرفني من كتاباتي لكنه تحدث وكأنني أكتب النثر لا الشعر!.. على أي حال هذا أفضل من الجهل المطلق بكينونتي!.

الرجل أخذ راحته في الحديث عن نفسه والعمارة التي خصص أغلب شققها للطلاب مقابل ايجارات معقولة خدمة للعلم ورحمة بأهاليهم وركز على موقعها في حي بين السرايات القريب للغاية من جامعة القاهرة ومن ثم فلا حاجة لتكبد نفقات المترو اومشقة ركوب الميكروباص.. كل ذلك وابني يجلس بجواري صامتا ولم يمس كوب الشاي ولا المقرمشات التي قدمت لنا على سبيل الكرم والحفاوة.. عيناه سارحتان في السماء التي تراقبنا من النافذة المفتوحة ولايبدو انه يسمع كلمة من سيل الكلام المتدفق حوله!.. فجأة يخرج ورقة ويكتب شيئا لا أراه فيبتسم الرجل وزوجته باعجاب وأقول أنا بنصف ابتسامة “إنه يكتب”.. يبدو أنهما لم يفهما فأقول “إنه شاعر”.. “شاعر!… ” الرجل وزوجته يتهامسان ويتوحدان في نظرة واحدة تنم عن عدم التصديق!

هو ينظر لنا نظرة متأملة والقلم بين يديه.. أنا قلت للرجل وزوجته عندما يصدر اول دواوينه كشاعر ولابد وأن يهدي لكما نسخة.. الرجل ينظر لي كما لو أنني أسخر منه ونظرة الشك مستمرة على وجه زوجته!.. أتكلف ابتسامة وأقول لهما لابد وأن تضعا في اعتباركما أن شاعرا سيسكن في هذه الشقة.. عندما نهضت مع ابني لنغادر سحبني الرجل من يدي وهمس لي بأنه يأمل في أن يراعي ابني خصوصيات الجيران في العمارات المقابلة لعمارته فأومأت موافقا ومطمئنا له بأكثر من هزة من هزات رأسي.

هبطت مع ابني درجات السلم في عمارة بلا مصعد وقررت أن نستقل المترو من محطة جامعة القاهرة عائدين إلى شبرا.. إنه يجر قدميه جرا ويمشي كالمخدر ذاهلا عما حوله.. ونحن على رصيف محطة المترو قلت له:”لا بأس بهذا الرجل وزوجته لكن عليك الا تفعل مايثير غضبهما”.. لم يرد بكلمة لكنني لم أصمت وقلت له :”رأيتك تكتب شيئا عندما كنا في تلك الشقة.. أظن أنها قصيدة.. هل يمكن أن أراها؟”.. “لا!”.. لماذا؟!”.. “لأنك ستمزقها!”.. “لا.. لا.. لايمكن أن أمزقها”.. حاولت أن أداعبه وأضع يدي في جيبه لأنتزع الورقة لكنه تصدى لي بقوة وفي تلك اللحظة وصل قطار المترو ليفض اشتباكا محتملا بيننا!.

أضع اللمسات الأخيرة على حقائب الرحيل وأطمئن على ذخيرتي من أوراق البنكنوت.. المالك الجديد لبيتي يأتي يوميا بحجج وذرائع مختلفة وكأنه لايصدق أنني سأرحل وأترك له البيت!.. صبره ينفد كلما تأخرت في الرحيل والآن يتحدث بوقاحة عن ضرورة رحيلي عن البيت الذي اشتراه بشقاء وتعب العمر.. معه حق فلابد وأن أرحل واترك له بيتي الذي أصبح بيته وأشحن ابني لمثواه الجديد في الشقة المستأجرة بحي بين السرايات.. ينبغي أن أكون منصفا وأن احترم حقوق كل انسان وأحلامه.. ينبغي أن أفعل ذلك مع ابني تماما كما أريد أن أفعل مع الرجل الذي اشترى بيتي. بالأمس انتظرته حتى منتصف الليل لكنه لم يعد إلا قبيل مطلع الفجر.. وقع خطاه أيقظني.. غادرت فراشي وفتحت شرفة غرفتي لأستقبل أول ضوء للنهار تحت سماء باردة عابسة.. قلت لنفسي ساخرا:”أنت الآن موظف متقاعد فهل يجوز وصفك أيضا بأنك شاعر متقاعد؟!”.. أمطرت السماء فجأة ولاأعرف إن كانت ترد على سؤالي أم تسخر بي!.. غادرت الشرفة ومضيت لأرى ظلالي على الأبواب المغلقة.

ألقيت نظرة عليه فوجدته نائما على مرتبة في بيت لم يعد بيتنا!.. سهر الليل على وجهه المتألم ونور الفجر يتسلل من خصاص نافذته ليداعب وجهه.. أتأمله برهة وعندما تزداد اشراقة الفجر وتصبح الرؤية أكثر وضوحا أهم بالخروج من غرفته فألاحظ جريدة مطوية على الأرض فألتقطها واقترب بها من النافذة وأرى أن تاريخ إصدارها هو اليوم الذي بدأ فجره.. الجريدة مفتوحة على صفحة بها قصيدتان. قصيدة بعنوان أعرفه جيدا.. إنها واحدة من قصائدي غير المنشورة التي كنت أحتفظ بها في درج مكتبي.. أرى اسمي وصورتي مع القصيدة وفي النصف المقابل بالصفحة قصيدة أخرى مع صورة ابني واسمه.. قصيدتان لشاعر وابنه!.. أرى ابني يفتح عينيه ووجهه يشرق بابتسامة تصافحني في وقفتي مع قصيدتي عند النافذة.. يسألني:”هل سترحل؟”.. أمضي إليه وأقول له بحسم وحزم:”لن أرحل ولن ترحل.. سنبقى معا.. سنبقى هنا في بيتنا”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع