قراءة في نص «حُرّاس الفراغ» لأسامة كمال أبو زيد

أسامة كمال أبوزيد

بولص آدم

يقدّم نص «حُرّاس الفراغ» للكاتب أسامة كمال أبو زيد نموذجًا لكتابة رمزية مكثّفة تستند إلى حكاية قصيرة ظاهريًا، غير أن بنيتها العميقة تفتح مجالًا واسعًا للتأمل في علاقة المدن بذاكرتها وفي الكيفية التي يمكن أن يتحوّل فيها الخوف إلى قوة منظمة للوعي الجماعي. يروي النص حكاية مدينة تنتشر فيها أخبار عن قدوم كائنات غامضة تسمّى «حُرّاس الفراغ»، وتتعدد الروايات حول طبيعتها وأصلها، حتى تتحول هذه الأخبار إلى فكرة مركزية تستحوذ على تفكير الناس وتعيد تشكيل علاقتهم بالزمن والمكان.
يحمل عنوان النص دلالة رمزية لافتة منذ اللحظة الأولى. لفظة الحراسة تستحضر معنى الرعاية واليقظة والحفاظ على شيء ذي قيمة، بينما تحيل كلمة الفراغ إلى الخواء أو الغياب أو المساحة التي فقدت محتواها. اجتماع الكلمتين في تركيب واحد يخلق توترًا دلاليًا يثير التساؤل حول الشيء الذي تجري حراسته. يتشكل الانطباع بأن الفراغ في هذا السياق حالة يجري إنتاجها أو رعايتها، أو مجال تتحرك داخله قوة خفية تعمل في صمت. يفتح العنوان بذلك أفق التأويل ويهيئ القارئ لفكرة مركزية مفادها أن الفراغ قد يكون نتيجة عملية اجتماعية وثقافية معقّدة.
يمكن النظر إلى مفهوم الفراغ في النص بوصفه قريبًا من فكرة الخواء، مع اختلاف في زاوية الدلالة. الخواء يحيل غالبًا إلى حالة شعورية أو وجودية تتصل بتراجع المعنى في حياة الفرد أو الجماعة. الفراغ في النص يرتبط بفقدان الذاكرة الجماعية وتآكل العلاقة بين المجتمع وتاريخه. تتقاطع الفكرتان في الإشارة إلى غياب الامتلاء بالمعنى، غير أن الفراغ هنا يتخذ شكلًا اجتماعيًا يتصل ببنية المدينة ووعي سكانها.
تبدأ القصة بانتشار أخبار حول قدوم «حُرّاس الفراغ». تتعدد التصورات بشأنهم؛ فالبعض يتخيلهم بشرًا يتحدثون لغة مجهولة، والبعض يتصورهم قوة مدمرة تشبه الجراد، في حين يتخيلهم آخرون كائنات خفية تنخر الأشياء في صمت. هذا التعدد يكشف مرحلة مبكرة من تشكّل الخوف الجماعي، حيث تتحرك المخيلة الاجتماعية في اتجاهات مختلفة قبل أن تتكاثف حول فكرة مشتركة. مع تكرار الحديث عن الحراس يتجه التفكير العام نحو احتمال واحد يتضخم تدريجيًا، حتى يصبح حضورهم المتخيَّل محور الحياة اليومية في المدينة.
في هذه المرحلة يبدأ الخوف في أداء وظيفة تنظيمية داخل المجتمع. الحديث المتكرر عنه يوجّه الانتباه الجماعي نحو المستقبل المهدَّد ويحوّل الزمن إلى زمن انتظار. تتراجع الموضوعات الأخرى التي كانت تشغل الناس في حياتهم اليومية، ويصبح النقاش العام مرتبطًا بموعد وصول الحراس المفترضين. تتضح هنا آلية نفسية معروفة في علم الاجتماع الثقافي؛ إذ يميل الخوف حين يستقر في المخيلة الجمعية إلى احتلال مركز الوعي العام، فتتقلص المساحة المتاحة لبقية الأفكار والقضايا.
يقدّم النص في الوقت نفسه صورة شاعرية للمدينة قبل انتشار فكرة الحراس. يصفها بوصفها مدينة نشأت عند التقاء بحرين وجذبت المغامرين والمسافرين والتجار، فغدت فضاءً تتلاقى فيه التجارب والثقافات. هذا الوصف يمنح المدينة طابعًا حيًا قائمًا على الحركة والتفاعل. الذاكرة في هذا السياق تتوزع في الشوارع والبيوت والحكايات، وتظل جزءًا من النسيج اليومي للحياة.
تظهر لاحقًا فكرة إنشاء متحف لحفظ تاريخ المدينة. يجتمع أهلها ويجمعون السجلات والوثائق والمقتنيات التي تعبّر عن ماضيها، ويضعونها في مكان واحد بوصفه مخزنًا للذاكرة. تبدو هذه الخطوة محاولة لحماية التاريخ من الضياع في ظل الشعور المتصاعد بالخطر. غير أن هذه العملية تحمل في داخلها تحولًا مهمًا في طبيعة الذاكرة. الذاكرة التي كانت متداولة في الحياة اليومية تنتقل إلى فضاء مؤسسي مغلق، حيث تتحول إلى مواد محفوظة داخل خزائن وأرفف. عند هذه النقطة تبدأ العلاقة بين المجتمع وتاريخه في التغيّر، لأن الذاكرة تتحول من تجربة حية إلى موضوع أرشفة.
يتضح المحور العميق للنص في الكيفية التي يبتلع بها الخوف بقية الأفكار داخل المدينة. فكرة الحراس تتوسع في المخيلة الجمعية حتى تستحوذ على الاهتمام العام، ويصبح انتظارهم النشاط الأساسي الذي يجمع السكان. يصف النص هذه الحالة بقوله إن المدينة «ظلّت تنتظر؛ ليل يعقبه نهار، ونهار يتبعه ليل». الزمن يتحول إلى دائرة انتظار، والوعي الجماعي يتركز حول احتمال واحد يهيمن على التفكير العام.
تؤدي هذه الحالة إلى تضييق أفق الإدراك الجماعي. المجتمع الذي كان فضاءً للتنوع الفكري والثقافي يتحول تدريجيًا إلى فضاء ذهني أحادي الفكرة. حين تتضخم فكرة الخطر في المخيلة الجمعية تتراجع القدرة على الانتباه إلى التحولات الأخرى التي تجري في الداخل. ينشأ نوع من الانشغال الدائم بمراقبة الخارج، في حين تتحرك التغيرات الحاسمة في البنية الداخلية للمجتمع.
تصل القصة إلى لحظة مفصلية عندما يتبيّن أن «حُرّاس الفراغ» كانوا موجودين داخل المدينة منذ البداية، وأن حُرّاس المتحف هم الذين أفرغوا الذاكرة في صمت. المكان الذي جُمعت فيه سجلات المدينة وتاريخها يتحول إلى نقطة اختفاء تلك الذاكرة. تكشف هذه المفارقة طبيعة الفراغ الذي يتشكل في النص؛ إذ يظهر بوصفه نتيجة عملية هادئة تحدث داخل المؤسسات التي أُنشئت من أجل حفظ التاريخ.
تكتسب النهاية قوة رمزية خاصة عندما يختتم النص بالعبارة:
«بينما ظلَّ أهلُها واقفين عند المداخل، ينتظرون )حُرّاس الفراغ( الذين لم يأتوا أبدًا».
هذه الصورة الختامية ترسم مشهدًا شديد الدلالة. سكان المدينة يقفون عند الحدود يراقبون الطرق البعيدة، بينما الفراغ الذي كانوا يخشونه قد تشكل بالفعل في داخل مدينتهم. الوعي الجماعي يظل موجّهًا نحو الخارج، في حين أن التحول الحقيقي وقع في الداخل عبر فقدان الذاكرة.
يظهر الفراغ هنا بوصفه حالة حضارية تتعلق بانقطاع العلاقة بين المجتمع وتاريخه. المدينة تبقى قائمة في شكلها المادي، والشوارع والبيوت تظل حاضرة في المكان، غير أن الرابط الذي كان يصل الحاضر بالماضي يتلاشى. تتحول المدينة إلى فضاء بلا سردية مشتركة، ويغدو التاريخ الذي جرى جمعه في المتحف جزءًا من عملية اختفاء صامتة.
تمنح هذه القراءة النص بعدًا تأمليًا يتجاوز الحكاية الظاهرية. الخوف الذي يستحوذ على الوعي الجمعي يمكن أن يتحول إلى فكرة مركزية تبتلع بقية الأفكار، فينشغل المجتمع بانتظار الخطر القادم من الخارج، بينما تتغير بنيته الداخلية في صمت. عند هذه النقطة يتكوّن الفراغ بوصفه نتيجة فقدان الذاكرة وتراجع القدرة على إدراك ما يجري في الداخل.
بهذا المعنى يقدّم نص «حُرّاس الفراغ» صورة دقيقة لمدينة تستمر في الوجود من حيث الشكل، في حين يتسلل إليها فراغ عميق ينشأ من سيطرة فكرة الخوف على الوعي الجماعي ومن تحوّل الذاكرة الحية إلى مواد محفوظة في فضاء مغلق. وتظل الصورة الأخيرة لسكان المدينة الواقفين عند المداخل رمزًا لحالة إنسانية تتكرر في تاريخ المجتمعات، حيث يستمر الانتظار الطويل لخطر متخيَّل في الأفق، بينما يكون الفراغ قد استقر بالفعل في القلب.

 

اقرأ أيضاً: حراس الفراغ لـ أسامة كمال أبوزيد

بولص آدم

61 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع