في عينيه شغف هادئ.. يبتسم ابتسامة سهلة

أحمد رحيمة

أُمسك القلم وأكتب:

فتى، في الخامسة عشر تقريبًا، يجلس على مقعد خشبي على قمة هضبة تطل على البحر.

أراه وأنا واقف عند مطلع الهضبة. أصعد. أقف بجواره وأنظر إليه.

يرتدي قميصًا أبيض، أول زرين فيه مفتوحان، وبنطال قماشي مريح. في عينيه شغف هادئ، يبتسم ابتسامة سهلة.

أقول: “أنا أعرفك.”

ينظر إليَّ ببطئه العميق الواثق. يشير إلى المكان الشاغر بجانبه، على وجهه ابتسامته المميزة التي أحبها. يقول: “اجلس.”

أجلس دون أن أبعد عينيَّ عنه. ينظر إلى البحر ولا يلتفت إلى تحديقي.

أقول: “أنت محمد الفخراني!”

ينظر إليَّ وهو يضحك: “ولماذا تقولها بصوت مرتفع؟”

“إنها أول مرة أراك وأنت على هيئتك الحقيقية.”

“مع أني أخبرتك من قبل أني أشعر أني في الخامسة والعشرين على أقصى تقدير، وليس في الخامسة عشر، ولكن لا بأس. ثم إنك تراني هكذا في كل مرة نتقابل.”

“أراك هكذا بعين قلبي، وليس حرفيًا.”

“لا فرق. أنت تعرف أننا، نحن الكتَّاب، نرى دائمًا بعين القلب كل الوقت.”

لا أزال أنظر إليه مندهشًا. أقول: “لماذا استدعيتني؟”

ينظر إليّ ويضحك: “أنت الذي تمسك القلم الآن وتكتب، من فينا استدعى الآخر؟”

“أمسك القلم دون أن أقرر. هو الذي يمسكني. ويدفعني الآن إلى أن أكتب وأن أصنع هذا المشهد. بهذا نستنتج أنك أنت الذي استدعيتني.”

“هل يضايقك أنك هنا؟”

أقول بسرعة: “بالطبع لا. أنا في غاية السعادة. أتعجب فقط.”

يومئ محمد الفخراني وهو ينظر إلى البحر.

تمر سفينة. أعرفها.

أقول: “سفينة القبطان المذهول!”

يقول: “قد تظهر أشياء من رواياتي بين الحين والآخر.”

“أحب ذلك!”

ينظر إليّ بابتسامته: “وأنا أيضًا أحبه.”

ألاحظ الكتاب الموضوع بجانبه، بغلافه البنفسجي الفاتن.

أقول: “(حفلة الإنس والشياطين)، كتابك الوحيد الموجود هنا لأنه هو ما أقرؤه الآن، أليس كذلك؟”

“ربما.”

“الغلاف بنفسجي مثل لون القطة التي أخذت العدسات اللاصقة الزرقاء من الأصدقاء الإنس والشياطين الجالسين على القهوة في وسط البلد.”

“البنفسجي لون شيطاني جميل. هل انتهيتَ من قراءتها؟”

“تبقتْ قصتان.”

“أعجبتك القصص؟”

“جدًا. ربما لأجل هذا نحن هنا الآن. لم أحتمل وأردت أن أقابلك.”

يبتسم محمد الفخراني.

مع أن ابتسامته لا تزول حقًا قبل أن يبتسم من جديد، كأنها ثابتة على وجهه، يزداد إشراقها فقط، ولا يقل بعد أن يزداد، وفي الابتسامة التالية يزداد أكثر، ويستمر في الازدياد دون نهاية، فيشرق العالم بها وبفنه. ابتسامةٌ كجمال العالم وشغفه.

يضحك محمد الفخراني: “شكرًا يا أحمد. أنت تبالغ. ولكن أعلم أنك صادق. أحب حماسك وشغفك.”

“ولكني لم أقل شيئًا.. لقد قرأتَ ما أكتبه!”

يضحك: “طبعًا. نحن داخل كتابتك النابعة من حبك لي، بالطبع سأقرأ ما تكتبه ولو لم تحوله حوارًا. هل يضايقك ذلك؟”

“لا. أحبه جدًا.”

“وأنا أيضًا أحبه.”

“أنت تحب كل شيء يا محمد.”

يضحك محمد: “لأن كل الأشياء جميلة تستحق الحب.. حتى الأشياء الحزينة والقاسية.”

أقول: “هكذا يكون الفنان.”

يومئ محمد.

تمر أمامنا طائرة بداخلها شابة وشاب أعرفهما. سيمويا ودوفو. تنخفض الطائرة أثناء طيرانها، وعلى سطح المياه أسفلها يجري كانغارو ويتقافز. تمد سيمويا يدها له وهي تبتسم.

محمد الفخراني يحب حيوان الكانغارو.

أقول: “لماذا كل الأشياء التي تظهر قادمة من رواية (ألف جناح للعالم)؟”

يقول: “ربما لأنك أحببتها جدًا ولا زلت تقرؤها على مهل كما أخبرتني. كل شهر خمسون صفحة.”

“هل تجد ذلك غريبًا؟”

“أجل. لهذا أحبه. أحب طريقة تعاملك مع الروايات والكتب.”

“أنت تعرف أني أعيش لأجل الكتابة وبسببها. مثلك.”

“أعرف.”

“بسبب الكتابة أيضًا صرنا أصدقاء. أنا سعيد لأننا أصدقاء يا محمد.”

“وأنا أيضًا يا أحمد رحيمة، يا كاتب موهوب.”

أضحك: “الناس حين يقرؤون هذه القصة سيقولون أني أقول على نفسي كاتب موهوب، بل وأستغلك لأقولها على لسانك. وسيقولون إني مغرور.”

يقول محمد وهو يبتسم: “أولًا: أنت تعرف أني أراك موهوبًا، وأني أخبرتك بذلك من قبل. ثانيًا: دعهم يقولون. ثالثًا: أنا أعرف أنك ترى نفسك كاتبًا عظيمًا وأنك لا تهتم لكلام الناس مهما كان مدحًا أو ذمًا. رابعًا: انتبهتُ إلى أنك كتبتها “يا كاتب موهوب” وليس “يا كاتب يا موهوب”، بنفس الطريقة التي أكتب بها حين أكتب مثل هذا.”

أضحك، أقول: “أجل. مثل “يا رسام موهوب” في رواية (حدث في شارعي المفضل). سعيد لأنك انتبهت.”

ينظر إليّ محمد: “أنت الذي قررت أن تجعلني أنتبه يا كاتب مغرور وموهوب أنت، بما أننا داخل مشهدك.”

أضحك بصوت مرتفع وأقول بمكر: “أجل. أنا الذي أقرر. هل تمانع؟ أعلم أنك مستمتع بهذا الذي يحدث، وأنك ستكون في غاية السعادة وأنت تقرأ هذه القصة حين أرسلها لك في العالم الحقيقي. أراك من مكاني هنا وأنا أكتب هذا السطر، أراك وأنت تبتسم وتضحك الآن.”

يضحك محمد الفخراني الذي بجانبي.

أنظر إلى جبل النور البعيد، يرتفع نوره إلى الأعلى كالشلال العكسي حتى يلمس السماء. من (ألف جناح للعالم) أيضًا. يبدو أن الرواية تناديني. حان وقت جرعتي الشهرية. ولكن سأنهي (حفلة الإنس والشياطين) أولًا.

تذكرتُ شيئًا.

أقول: “شيطان في إحدى القصص كان يتساءل ويقول: (والإنس مغرمون بكلمة “نهاية العالم”، لماذا يا إنس؟ رغم أنهم أكثر من يرغب في الخلود.) أظن أني أعرف الإجابة.”

يقول محمد: “قد تكون هناك الكثير من الإجابات. أحيانًا لا أسأل الأسئلة في سبيل معرفة الإجابة.”

أقول: “في سبيل الدهشة.”

يومئ محمد الفخراني وهو يبتسم ابتسامة واسعة.

نتأمل البحر. محمد يحبه جدًا.

يقول: “أخبرني برأيك حين تنهي المجموعة.”

“أنت تعرف رأيي مسبقًا.”

“سأود لو أسمعه في جميع الأحوال.”

أسمع زوجتي تناديني من العالم الحقيقي.

يقول محمد: “اذهب. حان وقت الغداء. بالهنا.”

“هذا هو اسمها.”

يبتسم محمد.

أقول: “وددتُ لو أكتب عنك أكثر. في كل مرة أفكر أن أفعلها أحتار في تحديد أفضل طريقة، الكتابة عن الأصدقاء الأعزاء محيرة دائمًا، لا أعرف من أين أبدأ ولا ماذا أقول، وأشعر أنني لا أقول كل ما أريد قوله، وأنني لا أعبر عن مدى حبي كما ينبغي، خاصة لو كان الصديق العزيز فنانًا عظيمًا.”

يقول محمد: “أظن أنك فعلتها بمنتهى السهولة.”

“كل ما قلتُه نقطة في بحر ما أريد قوله حقًا.”

“لا بأس. أكتب ثانية كلما أردت.”

أقول: “نعم. سأكتب للأبد.”

يقول: “هكذا يكون الفنان.”

أقول: “سأنتظر رأيك في العالم الحقيقي بعد أن تقرأ هذه القصة.”

يقول محمد الفخراني: “أنت تعرف رأيي مسبقًا.”

أقول: “سأود لو أسمعه في جميع الأحوال.”

ننظر إلى بعضنا، ونضحك.

 

 

أحمد رحيمة

13 مقال
كاتب وسيناريست مصري. صدر له: السابع والصندوق، رواية.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع