في روايته الجديدة “لا مفاتيح هناك”: الصباغ يواجه فساد المدينة بقناع السخرية ومفاتيح العبث

ashraf al sabbagh

سمير محمود

من منطقة صعبة يكتب عن تناقضات النفس البشرية ويتخذ منها مادته في السرد، بصلابة لا تخلو من حدة وبتعرية لا تخلو من شماتة واستهزاء، يبدو في منتهى القوة، وإن كان يعاني كل هشاشات الكون وضعفه،  وبقناع السخرية من واقع ملتبس ومتوحش يشتبك مع المصير الإنساني، في معركة الحياة والوجود والفرار من الموت، سخرية فيها نقد للواقع ورغبة حقيقية لتغييره، حين يشتبك بعوالم الشوارع والبيوت والحوانيت والمدن العتيقة التي التهمتها كل أشكال الفوضى والاهمال والعشوائية والفساد فأظهرت أقبح وجوهها ووحشيتها التي تشعر معها بمرارة الديستوبيا، وبرفق وخيط من حرير ينسج الكاتب الروائي المترجم المصري أشرف الصباغ أحلامه الممكنة دون أن يغرقك في نشوة اليوتوبيا وأحلامها المستحيلة، وهكذا تشعر في كتاباته بالتمرد ملاذًا لتقبل الحياة ومحاولة حبها ومواجهة الموت.

بهذا النهج الذي سيطر على مفاصل الفلسفة أحدث رواياته “لا مفاتيح هناك” عن دار “روافد” للنشر، يقف الصباغ في مربع ألبير كامو اقترابًا من أدب العبث والتمرد وحب الحياة في آن واحد. فالمتتبع لأعمال الصباع الأدبية الإبداعية يدرك دون عناء، تفرده في الكتابة الساخرة التي يحول كل شيء بها، من الأسماء للأشخاص والأماكن والحكايات، إلى مسرح سيرك أو مسرح عبثي لا يمكن أخذهما على محمل الجد. ينتهج الراوي هذا النهج عبر قناع السخرية في روايته الأخيرة ومعظم أعماله الأدبية، وفيها تسيطر عليه فكرة واحدة عظيمة أشبه بمشروع متكامل، يفرغ فيه جُل طاقته الإبداعية، لا يكرر نفسه ولا يستنسخ حروفه ومفرداته وأدواته، بل يرسخ ويحفر بصمته الإبداعية المتفردة على مهل. هذا هو عالم الصباغ الروائي، وهذه قضيته المركزية التي تلح عليه ويعالجها بتنويعات، وينتصر فيها دومًا للإنسان ووحدة المصير الإنساني، ولواقع ينتمي له، يحبه ويخلص له ويرفضه بشراسة في الوقت نفسه.

من داخل عالم روائي مشحون بالتناقضات والمفارقات، يمكن اعتبار هذه القراءة محاولة للاقتراب من نص يضع المدينة تحت مجهر السخرية، لا بوصفها خلفية للأحداث فحسب، بل باعتبارها كائنًا حيًا مأزومًا تتكثف فيه هشاشة الإنسان واختلال القيم وتنازع الأقنعة. ففي هذا الفضاء الذي يتجاور فيه العبث مع الألم، والضحك الأسود مع الشعور العميق باللا جدوى، تتكشف بنية سردية تجعل من الكوميديا السوداء أداة جمالية لكشف طبقات الواقع وتعريته. ومن هذا المنطلق تسعى هذه القراءة إلى إبراز كيف تتحول السخرية إلى شكل من أشكال الوعي والمقاومة، وكيف يغدو النص محاولة لإعادة التفكير في معنى المدينة والإنسان معًا داخل عالم فقد توازنه لكنه لم يفقد قدرته على الحلم والأمل حتى وإن كان “لا مفاتيح هناك”.

الوجه والظهر، الجانب الصائب والجانب الخاطئ، أو الوجه والقفا” بالفرنسية (L’Envers et l’Endroit)  هي ترجمة واحدة لأول عمل نشره الفيلسوف والأديب الفرنسي ألبير كامو عام 1937. وفي خمس مقالات عَبَّر عن نظرته للعالم، وفلسفته حول العبث، والتمرد، وحب الحياة رغم فقرها متأثرًا بتجاربه الذاتية في الجزائر. ومع رواية “الغريب” ومسرحية “سوء تفاهم”، اكتملت ملامح فلسفة العبث عند كامو، وبالمثل فعلها أشرف الصباغ في روايته “لا مفاتيح هناك”، ليكمل ما بدأه في رواياته “مراكب الغياب”، ومجموعة “أول فيصل”، و”كائنات الليل والنهار”.

مفاتيح

عنوان الرواية يحمل دلالات وتأويلات لا نهائية، فهذه المدينة أعيت العابثين بها عن إيجاد حل أو حلول لألغازها ومشكلاتها، ولا مفاتيح هناك للوصول والمرور والصعود والترقي والسعادة والخلاص ومواجهة الفساد والتوحش، لا وصفة واحدة، وكأننا بصدق أمام “بلد دون كتالوج” و”مجتمع بلا عقل”، فيهما كل المفارقات غير العقلانية والتناقضات والمتناقضات غير المنطقة، في الأعمال والعلاقات وحتى الأفكار والمبادئ. كما أن هذه المدينة تبدو بعيدة، فهي “هناك” بحسب العنوان، وهي تلك المدينة بحسب الإهداء، ينظر لها الراوي من خارج النص وكأنه لا ينتمي لعوالمها وأسرارها، يتعالى عليها ويرفضها ويوجه سيلًا من السباب والشتائم الاستنكارية لما جرى لها وما فعلها بها العابثون ومن يتصدرون المشهد ويدَّعون امتلاك الحلول. وهكذا ندرك أن الراوي يحفظ تفاصيل هذه المدينة ويعرف جغرافيتها وروحها وناسها، بل ويحفظ الوجوه والأقنعة التي تتستر خلفها، ويمتلك كل مفاتيحها.

قضية مركزية

المدينة المثقلة بالهموم والفساد والعشوائية هي الحكاية الأم، هي مصر التي أخفاها الراوي بأقنعة نصية لحكايات أخرى بدت رئيسية أو حتى ثانوية، مثل حكاية حب البطلة الأرستقراطية نورهان هانم أباظة بالصحفي الفقير سعد. في هذه الحكاية التي يكرر فيها الراوي اسم البطلة بتنويعات وحذف وإضافة وتجريب عشرات المرات، نقف على عوالم كل من الطرفين، عالم أنثى ارستقراطية جميلة، تقع في حب صحفي شاب صعلوك، فنتعرف بعمق لا يخلو من مرارة على المسافات الطبقية بين الاثنين، وما يتخلل هذه المسافات من تعالي واحتقار وسخرية من واقع الطبقة المخملية في جانب، وواقع حياة الصعلكة والعيش على الهامش في قاع المدينة وشوارعها الخلفية وباراتها الرخيصة وأحيائها الشعبية: السيدة زينب ووسط البلد وعين شمس ودير الملاك، وبالسخرية والتعالي نفسه، يتمكن الراوي من تبديل المواقع والأدوار حين يصطحب سعد نورهان هانم أباظة إلى أحد البارات الرخيصة في حي شعبي، ويحدث أن تخرج عن أرستقراطيتها وتطلق السباب والشتائم بأفظع الألفاظ في الشارع أمام البار وأمام المارة في وسط الشارع، في وقت ينعم الصحفي الفقير المهمش الذي كاد أن ينسى اسمه بفعل تجاهل المجتمع له، وهو يفتح عينيه على الموائد والعزائم الفاخرة التي أغدقت بها نورهان أباظة عليه، أو الدكتورة نجفة “الناقدة الأدبية والفنية والمسرحية والناشطة السياسية التي تقوم بالتدريس في جامعتي حلوان وبنها، وتحمل عضوية اتحاد الكتاب الذي يطلقون عليه اتحاد “خضرة المحشي” لأسباب تتعلق بوجوده إلى جانب أشهر بائعة خضروات تأتي ببضاعتها من الغيطان الواقعة على أطراف محافظة الجيزة لتبيعها إلى أهل الزمالك. كما تتمتع أيضًا بعضوية بعض لجان المجلس الأعلى للثقافة، وعضو لجنة تحكيم جوائز الدولة، والعضوية الشرفية لبعض النوادي الليلية”.

هذا الوصف الساخر المقترن بأوصاف تلحق باسم الأستاذة الجامعية والناقدة الأدبية نجفة، وكذلك الدكتور فرحات عبد المتجلي سلامة التلاميسي، أستاذ الفيزياء الجامعي، الذي لا يتسع صدره لمقالة كتبها “عيد” ابن خالة بطل الرواية عن المادة والطاقة في مجلة الكلية: نماذج دالة من قمة المدينة وقاعها، يحتقرها الراوي ويسخر منها، ولا يكتفي عند ذكر اسمها بالاسم الأول فقط بل يمتد بالسخرية إلى سابع جد وعاشر وصف، في وقت يختلف فيه الحال عند تسمية بطلة العمل «طبيبة العيون السريالية نورهان هانم أباظة»، كما يسميها البطل، التي تحتمل تأويلات عدة منها الاحترام الشديد والتبجيل، وإبراز المسافات الطبقية بينها وبين رعاع المدينة، إضافة للمفارقة الكاشفة لعمق فلسفة المؤلف في العبث وتوظيف سلاح السخرية، في توجيه نقد حاد وتعرية جارحة وسباب صامتة ومكتومة لرموز مجتمع المدينة المسكونة بكل ألوان الوجع والجنون والمعاناة.. وفي الوقت نفسه يُبرز العبث تفاهة هذا الوجود وفقدان المعنى، ليصبح “الضحك الأسود والكوميديا السوداء” عبر السخرية، وسيلة للمقاومة: التعرية، والتصحيح الأخلاقي والجمالي لواقع بالغ التمزق.

في رواية “لا مفاتيح هناك”، نحن أمام حكاية مدينة عجيبة تئن ملامحها من فساد وإهمال وعشوائية، سيطرت على الشوارع والبيوت والحارات والبارات ودور العبادة والكباري التي تعلو النيل الذي يبتلع دون سبب واضح ميكروباصات تحمل أرواحًا بريئة إلى الآخرة فتموت لأي سبب لا علاقة له بالموت، كما في حادثة ميكروباص الساحل. في هذه المدينة، علاقة تحدٍ وعناد، يتحداها العابثون ويطمسون معالمها، وتضن هي عليهم بمفاتيح أسرارها وطرقها ودروبها، وتخرج لسانها للجميع رافضة أن تكون شماعة لفشل السياسات والخطط والمشكلات والأزمات. هكذا هي القاهرة، مدينة النور والظلام، الفقر والقهر والغنى والثراء الفاحش، الدفء والود والكثير من جغرافيا الروح المصرية، وداخل بيوتاتها القديمة في عين شمس ووسط البلد ومقهى ريش وبارات ومطاعم ومقاهي الزمالك، حيث تدور أحداث الرواية.، وحيث كل ألوان الفساد والإفساد التي عششت عبر الزمن بفعل فاعل، حتى سكنت هذه المدينة، وحولتها لمسرح عبثي للأحداث، من فساد فاضح في المؤسسات الأكاديمية، التي تجامل طبيبة العيون السريالية نورهان هانم أباظة بطلة الرواية فتُعيِّنها بإحدى جامعاتها، ولا يتورع المسؤولون في هذه الجامعة عن التحرش بالبطلة، إلى الفساد الذي ينخر المؤسسة الصحفية التي يعمل فيها سعد أو “سوسو” بطل الرواية، مرورًا بأوجه فساد أخرى تتجلى ملامحها في الشارع وفي معاملات الناس وفي لحظات البوح بالمقاهي والمطاعم والبارات الحقيرة.

أقنعة

يُحوِّل الصباغ مدينته إلى حفلة تنكرية تسيطر عليها الأقنعة المستعارة لوجوه زائفة يحتقرها الراوي جميعًا، ولأنه لا يجيد التمثيل، وإنما يجيد السخرية والتمرد: “اخترتُ قناعي الذي يناسب الولد الذي كانت أمه تناديه بـ “الواد”، ويناديه زملاؤه بالأُسطى أو الأستاذ، حتى كاد أن ينسى اسمه. فهل هناك قناع أفضل من قناع الضحك: قناع السخرية؟ “.

بجرأة وحدة يعري الراوي مجتمع، أو مجتمعات، المدينة بكشاف مبهر الضوء، فلا مجال هناك للتشوش، إذ أن كل مظاهر العطن والعفن والفساد واضحة مهما سعوا لإخفائها، أو حاول الناس أنفسهم التخفي وراء الأقنعة: “لم أحك أبدًا لحبيبتي طبيبة العيون السريالية نورهان هانم أباظة عن صراعات الكتاب الصحفيين وغير الصحفيين، والصحفيين الشعراء، والروائيين الصحفيين، والمثقفين الأيقونات والمفكرين العميقين النبهاء. ولم أحدثها أبدًا عن الأحداث التي أوقفت تساؤلاتي، وخنقت الطفل بداخلي مرة واحدة إلى الأبد. تلك الحوادث المضحكة التي جعلتني أدخل عالم الأقنعة الواسع الجميل.

لم تهبني الطبيعة كل هذه القدرة لارتداء كل هذه الأقنعة. لم أرفضها أبدًا، ولم أتراجع عنها ترفًا أو ترفعًا. كل ما هنالك أنني لم أكن أتقن التمثيل، ولم أكن أمتلك قوة احتمال زميلي الذي ظل يعمل لمدة خمس سنوات في صمت ورضاء وابتسام تحت إدارة زميل آخر. وعندما حان الوقت، قصفه بصاروخ أرض جو أطاح به إلى سلة القمامة، وجلس هو في مكانه لينتقم من الجميع، ويعمل على تجديد المهنة وترسيخ أخلاقياتها برفدها بوجوه وطاقات جديدة.

لكن لا توجد أيّ ضمانة في ألا ينقلب إلى وحش في أي لحظة، ويذهب إلى سوق الأقنعة ليختار منها الأجمل والأرقى والأكثر حساسيَّة وثقافة وأخلاقًا، ليخرج إلى العالم إما صحفيًّا مهنيًا عظيمًا يُربي الأجيال وبالذات البنات ويحررهن من استبداد المجتمع، أو كاتبًا مرموقًا بدرجة مخبر يعشق العادات والتقاليد ويعلم الفتيات كيف يكتبن، أو شاعرًا يدمن على الانتقام وينتظر دوره في طابور العظماء والخالدين أو على الأقل في مذكرات إحداهن العاطفية، أو عضو لجنة تحكيم في جائزة محددة سلفًا، أو مثقفًا عضويًا يعشق الوطن والبرلمان والرئيس، أو مفكرًا وطنيًا يحب الاستقرار والانتظام في طابور واحد بزي واحد زي لون واحد من أجل تقدم الوطن وأمنه واستقراره. لا ضمانة لأي شيء، ولا في أي شيء”.

كائنات وسط البلد

نحن أمام مزواجة خطيرة بين السخرية والعبث، أجاد الصباغ توظيفهما ببراعة بشأن واقع مختل لا عقلاني، يلح الكاتب على ضرورة ألا نأخذه على محمل الجد، حيث يوظف السخرية لأبعد مدى في توصيل هذه الرسالة المتكررة تكرار اسم بطلة العمل بتنويعات مختلفة ذات دلالات متباينة، وقد اتاحت اللغة الساخرة فضاءات للمناورة في التعامل مع وحشية العالم وسطوة فوارقه الطبقية، وخلقت الشعور بالتعالي على الفاسدين والمفسدين والتقليل من قيمتهم وتحويلهم إلى عدم. هذه نظرة الراوي للمثقفين والصحفيين، كما نقرأ من أجواء الرواية على لسان البطل سعد: “ذات مرة كنتُ في مقهى ريش الشهير في وسط القاهرة، ذلك المقهى التاريخي الذي يرتاده خواجات وخِرْتية ومثقفون غريبو الأطوار، وكائنات غريبة وعجيبة تشبه كائنات عمر الفيومي في لوحاته التي تعرض لنا جانبًا لا بأس به من حياة كائنات وسط البلد ومقاهيها وسط مساحات ودرجات من الألوان التي تعكس حالات العزلة والوحدة والاغتراب. إضافة إلى بعض المثقفين العاطلين الحنجوريين من أصحاب المبادئ القديمة الفخمة الذين يحيطون أنفسهم بهالات غريبة من الأكاذيب والضلالات ويعيشون على أطلال الماضي السحيق مثل السلفيين الذين لم يتحركوا من القرن السادس الميلادي. يتميز هؤلاء المثقفون بأطوار غريبة وعجيبة ويسندون لأنفسهم أدوارا تكاد تصل إلى دور المحرك الأساسي للثورة البلشفيَّة أو لنشوب الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو تحريك الجماهير في الاحتجاجات والثورات الإقليمية والعالمية، وربما في الثورتين الفرنسية والأمريكية، وانتصار سبارتاكوس على روما، والنجاح الأسطوري لكمونة باريس قبل أن تنال هزيمة مروعة وتتحول إلى مجرد درس في التاريخ. وأحيانا تصل خيالاتهم إلى مستوى النبوة أو الألوهية”.

بطل مهمش

نحن أمام بطل ممزق ساهمت القسوة المفرطة للواقع في تهميشه وشحنه بكل مشاعر وأحاسيس الاغتراب، فبدا كما لو كان يعيش داخل جدار ذاته، في وقت برزت فيه المسافة الطبقية بينه وبين محبوبته ذات الاسم العلم المحمل بصفات من الجمال والدلال واللمعان وأوصاف تقربها من حوريات الجنة وملكات جمال الحضارات القديمة، ولهذا يسخر البطل من نفسه أيضًا كما سخر من الآخرين، “كنتُ قد اقتربتُ من نسيان اسمي تمامًا. فمنذ زمن طويل لم ينادني أحد به. في البداية، كانوا ينظرون إلىَّ بدون اهتمامٍ. وبعد أن تعودوا على وجودي، صاروا يومئون لي برؤوسهم أو يشوِّحون بأيديهم. وعندما صرتُ محررًا بدأوا يقولون: “تعالى.. هات.. انزل.. اطلع.. شيل”، ثم بدأ البعض يناديني بكلمة “أستاذ” أو “ياسطى” أو “يا عم”، ومع الأيام والسنين بدأتُ أنسى اسمي”.

ولأن المدينة ليست مجرد مكان بل بشر وروح يمتلك البطل مفاتيحها بدقة الراوي العليم المستبد، لا يخجل البطل في السخرية من نفسه ومن صعلكته سواء على محبوبته نورهان هانم أباظة طبيبة العيون السريالية، أو الدكتورة نجفة التي تلقفته حين اختفت نورهان أباظة لفترة تعددت فيها زيجاتها وعلاقاتها التي لم يفصح عنها النص: ” عشتُ أيامًا أسود من قرن الخروب بعد طردها إياي من نعيمها حتى اعتدتُ مرة أخرى حياة الضنك. وتأقلمت مع مرتبي من الجريدة، وكتابة بعض الموضوعات الفنيَّة في المواقع الإلكترونية التافهة. ومع الوقت فهمت لعبة المواقع والصحف الإلكترونية، وبدأتُ أعيدُ كتابة سير الفنانين، وأرش بعض التوابل والبهارات والمبالغات من أجل التشويق. وعندما بدأوا يلقبونني بالباحث والمؤرخ والمفكر، رحت أطرح سير حياة الكتاب والفنانين والشعراء، وأتتبع ماذا كانوا يقولون في جلساتهم الخاصة وعلى المقاهي وفي البارات، وأكتب سير جديدة مشوقة عن العلاقات الغرامية السَّرية للمشاهير من كتاب وفنانين تلقى إقبالًا واسعًا حتى من ماسحي الأحذية ورواد المقاهي والبوابين وتجار المانيفاتورة والسماسرة وعمال الدليفري وموظفي البنوك وشركات الاتصالات”.

وفي موضع آخر يقول: “تضاعف حبي ومحبتي للدكتورة نجفة وابنها الدكتور وجدي عندما زادت الدعوات على الغداء والعشاء، وأصبحا لا يُفوِّتا مناسبة أو عيدًا دينيًا أو غير ديني من دون أن يقدما لي هدية ثمينة وفخمة. لكن الدكتورة نجفة لم تتركني أعيش الوحدة فملأت علىَّ حياتي. وكانت في غاية المحبة والعطف والحضور الدائم، واعتبرتني أحد أفراد أسرتها. فكانت تدعوني دوما إلى الغداء أو العشاء، وتجعل المائدة عامرة بكل ما لذ وطاب. وكانت تسألني على استحياءٍ عن عدم مجيء نورهان هانم أباظة معي. فكنتُ أتحجج بأي حجةٍ. وصارت حياتي مرتبطة بالدكتورة نجفة التي وفرت لي كل أسباب الراحة وما لذ وطاب من الطعام والشراب والسهر والنزهات”.

فيزياء إصلاح الولاعات والتكاتك

تناقضات القاهرة وتردي أوضاعها، كما سبق وقلت هي البطل الذي يصرخ بحثًا عن مفاتيح للخلاص من واقع مرير، أجاد الكاتب وصفه بلغة ساخرة حادة حولت الراوية على صغر حجمها إلى نوع من الديستوبيا والكوميديا السوداء، التي لم يخفف من حدتها سوى ظهور عيد ابن خالة سعد الراوي، في نهاية الرواية، ومن الرواية نقرأ: ” بعد عامين، أنهى عيد ابن خالتي الكلية بتقدير جيد جدًّا، واشتغل مدرسًا للحساب والعلوم بعض الوقت وسرعان ما هجر التدريس وصداع التلاميذ ومديري المدارس وأولياء الأمور، وفتح كشكًا لإصلاح الهواتف المحمولة والولاعات والتكاتك. وأصبح مشهورًا في المنطقة الواسعة ما بين حلمية الزيتون والمرج، وأحيانًا كان الزبائن يأتون إليه من المطرية والسواح والألف مسكن”.

المفارقة التي يصدمنا بها الراوي في نهاية الرواية، حين ذهب سعد لمحبوبته نورهان هانم أباظة في شقتها، لفظه المكان وتنصل منه ورفض أن يستقبله وحيدًا: «لم تعد تتقبلني وحيدًا، وكأنها تمعن في رفضي حين أجلس منقوصًا بعيون شاردة مثل جثة حية… وكأنها تتعمد أن تعلن تجاهلها لنا وعدم معرفتها بنا، إلا إذا كنا مع بعضنا… أنكرتني الأماكن تمامًا”.

لعل ما تتركه هذه الرواية، في نهايتها، ليس إجابات بقدر ما هو صدى طويل لأسئلة معلّقة: عن تلك المدينة التي يبدو أنها قررت أن تواجه الأقنعة بأقنعتها الأخرى، وعن الإنسان الذي يضحك كي لا ينهار، وعن المعنى الذي يظل يتوارى كلما اقتربنا منه. وهكذا يظل النص مفتوحًا على احتمالات قراءة لا تنتهي، كأنه يدعونا إلى إعادة النظر فيما اعتقدنا أنه بديهي، وإلى الإصغاء جيدًا لذلك الضحك الخافت، أو حتى الصاخب، الذي يتردد خلف السخرية ليخفي قدرًا مرعبًا من الألم، فمن الجائز أنه في مكان ما يكمن أملٌ ما صغير يحتاج إلى مجرد وعي أكثر حدة من أجل العثور على “المفاتيح”.

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع