مروة مجدي
أقترب من عامي الرابع والثلاثين، أتأمل المسافة التي قطعتها حتى وصلت إلى هنا. أربعة وثلاثون عامًا تبدو رقمًا صغيرًا حين تُقال، لكنها حين أفردها أمامي كحياة كاملة، أكتشف كم امرأة عشت داخلها.
أفكر في الطفلة التي كنتها، وأتعجب من اتساع العالم في عينيها. ظنّت أن كل شيء ممكن، ليس لأنها شجاعة، بل لأنها لم تعرف بعد عدد الأشياء التي لا يمكنها تغييرها. رأت الحياة من الجهة التي لا توجد فيها النهايات. كل باب يمكن فتحه، وكل شخص يمكن أن يبقى، وكل حلم يمكن أن يتحول إلى حقيقة إذا أحببناه بما يكفي. كانت السنوات أمامها كثيرة إلى درجة يصعب معها تخيل نهايتها. المستقبل لم يكن زمنًا ستصل إليه، بل مكانًا واسعًا يمكنها أن تضع فيه كل ما تشاء. لم تعرف أن بعض الأحلام ستتغير، وأن بعضها سيموت، وأن بعضها سيظل معها سنوات طويلة فقط لأنه لم يجد في الواقع مكانًا مناسبًا له.
ظنّت أن الكبار يعرفون. راقبت وجوههم، وتفاصيل كلامهم، وطريقة اتخاذهم للقرارات، وتصورت أن هناك لحظة ما، عمرًا ما، يصل إليه الإنسان فيفهم كل شيء. ربما ظننت أن الرابعة والثلاثين ستكون واحدة من تلك اللحظات؛ أنني سأستيقظ ذات صباح فأعرف من أنا، وما أريد، وكيف ينبغي أن أعيش. لكنني وصلت تقريبًا إلى العمر الذي رأته الطفلة بعيدًا، ولم يحدث ذلك. ما زالت هناك أسئلة، بل ربما أصبحت الأسئلة أكثر. الفرق أنني لم أعد أخاف منها كما كنت.
في الطفولة، أردت إجابات واضحة. أبيض أو أسود، صح أو خطأ، أحب أو لا أحب، أبقى أو أرحل. احتجت إلى ترتيب العالم كي أشعر بالأمان. أما الآن، فأعرف أن بعض الأشياء يمكن أن تكون صحيحة وخاطئة في الوقت نفسه، وأن الإنسان قد يحب ويؤذي، ويخاف ويكمل، ويشتاق إلى شيء يعرف أنه لم يعد يناسبه. وأن الرحيل لا يعني دائمًا أن الحب انتهى، وأن البقاء ليس دائمًا دليلًا عليه. كبرتُ حين توقفت عن البحث عن إجابة واحدة لكل شيء، وكبرت أكثر حين أدركت أنني لست مطالبة بفهم كل شيء كي أواصل حياتي.
في طفولتي، ظننتُ أن القوة تعني ألا أخاف. الآن أعرف أنها تعني أن أخاف وأتحرك رغم ذلك. رأيت القوة آنذاك في الشخص الذي لا يحتاج أحدًا، ثم اكتشفت أن أقسى أشكال القوة أحيانًا هي أن تعرف أنك تحتاج إلى يد، وأن تمد يدك فعلًا. وتخيلت أنني حين أكبر سأصبح أقل حساسية، وأن الأشياء ستتوقف عن الوصول إليّ بهذه السهولة. حدث العكس. لكنني تعلمت أن أضع للألم اسمًا، بدل أن أتركه يتحول إلى غضب أو صمت أو إرهاق لا أفهم مصدره. تعلمت أن أقول: أنا حزينة، بدلًا من أن أبحث عن سبب آخر لتعب جسدي. أن أقول: أنا خائفة، بدلًا من أن أتظاهر بأنني لا أبالي. أن أقول: أحتاج إلى حضن، دون أن أشعر أنني خسرت شيئًا من كرامتي.
النضج، بالنسبة لي، لم يكن أن أصبح أقل احتياجًا. كان أن أتوقف عن معاقبة نفسي بسبب احتياجي. ولم يعد الحب، كما عرفته في طفولتي، وعدًا بأن أحدًا لن يتركني. صار عندي معرفة أكثر قسوة وأكثر رحمة: أن الناس قد يحبوننا ولا يستطيعون البقاء، وأننا قد نحبهم ونضطر إلى الرحيل، وأن بعض العلاقات لا تفشل لأنها لم تكن حقيقية، بل لأنها أدت ما استطاعت ثم انتهت. ظننت طويلًا أن النهاية تلغي ما قبلها. الآن أعرف أنها لا تفعل. بعض الأشياء تنتهي وتظل جميلة. وبعض الأشخاص يغادرون حياتنا، لكنهم يتركون فيها طريقة جديدة للنظر، أو جملة نتذكرها، أو نسخة منا لم تكن موجودة قبلهم.
حتى الخسارات التي تمنيت طويلًا لو لم تحدث، لم تعد تبدو لي مجرد ثقوب في الحكاية. صارت جزءًا منها. وهنا تحديدًا أشعر بالفرق بين الطفلة والمرأة التي أصبحتها. أرادت الطفلة حياة لا تؤلمها. أما أنا فأريد حياة أستطيع أن أعيشها حتى حين تؤلمني. أرادت أن تحمي قلبها من كل ما يمكن أن يكسره. أما أنا فأريد قلبًا يعرف أنه قابل للكسر، ومع ذلك لا يغلق بابه تمامًا. أرادت أن تعرف المستقبل. أما أنا فأريد أن أكون مستعدة لمقابلته، أيًا كان.
وربما لهذا تغيّر معنى الحلم عندي. في طفولتي، رأيت الحلم غاية أريد الوصول إليها. الآن صار طريقة أعيش بها. لم أعد أحلم بأن تصبح الحياة كاملة. أريدها حقيقية. أريد أن أكون في مكان أشعر فيه أنني لا أحتاج إلى تمثيل القوة طوال الوقت. أن يكون في حياتي أشخاص أستطيع أن أكون بينهم كما أنا، لا كما ينبغي أن أكون. أريد أن أحب دون أن أذوب، وأن أعطي دون أن أختفي، وأن أعتني بالآخرين دون أن أنسى أن لي جسدًا وروحًا يحتاجان إلى العناية أيضًا.
أريد أن أظل قادرة على الدهشة. هذه تحديدًا لا أريد أن أفقدها. لا أريد للنضج أن يجعلني امرأة تعرف كل شيء، فلا يفاجئها شيء، ولا يدهشها شيء، ولا تستطيع أن تفرح بشيء صغير. أريد أن تظل داخلي تلك الطفلة التي تسعدها رائحة، أو أغنية، أو صفحة في كتاب، أو نافذة في قطار، أو ضوء يقع على وجه شخص تحبه. أريد لهذه الطفلة أن تكون الآن في أمان. أن تعرف أنني لن أتركها وحدها أمام ما يخيفها. أنني، هذه المرة، سأصدق خوفها بدلًا من أن أطلب منها أن تصمت.
أقترب من الرابعة والثلاثين، ولا أشعر أنني أصبحت الشخص الذي تخيلته يومًا. وهذا لم يعد يؤلمني كما كان. ربما لأنني فهمت أخيرًا أن الإنسان لا يكبر ليصبح نسخة مكتملة من نفسه. نحن نتغير ونحن نمشي. نكتشف بعضنا بعضًا متأخرين. نعود إلى أشياء ظننا أننا تجاوزناها، فنجد أننا لم نتجاوزها، بل فهمناها بطريقة أخرى. نترك أجزاء منا خلفنا، ثم نكتشف بعد سنوات أنها لم تختفِ؛ كانت فقط تنتظر أن نعود إليها بعين أكثر رحمة.
ولهذا، حين أنظر إلى وجهي الآن، لا أبحث عن المرأة التي ظننت أنني سأصبحها. أنظر إلى المرأة التي صرتُها. إلى ما بقي فيها من الطفلة. وما أضافته السنوات. وما أخذته. وما علّمتني إياه الحياة بصعوبة، وما اخترت أن أتعلمه منها برفق.
ربما لا أعرف بعد ماذا سيحدث في السنوات القادمة. لكن للمرة الأولى، لا أشعر أنني مطالبة بمعرفة ذلك. يكفيني أن أمضي إليها وأنا أعرف نفسي أكثر قليلًا، وأن أترك داخلي مساحة للدهشة، وللخطأ، وللحب، وللبدايات التي لم أفكر فيها بعد.
بعد أيام سأتم الرابعة والثلاثين. لن أحتفل بأنني كبرت عامًا. سأحتفل بأن تلك الطفلة ما زالت هنا، وأن المرأة التي صرتُها تعلّمت أخيرًا كيف تمسك بيدها.










