سمر مرسي
لم تكن قضية الموت لدى أديب نوبل نجيب محفوظ مجرد نهاية بيولوجية أو حدث عابر في سياق السرد، بل كانت «لغزًا وجوديًا» اشتغل عليه عبر مراحل تطوره الفني، محولاً إياه من واقعة مادية صلبة إلى رمز مراوغ يتشكل بين ثنايا الأحلام ونبوءات الغيب. وفي تتبعنا للمعالجة الفنية لهذه القضية، نجد أن محفوظ قد عبر مسارات عدة، انتقل فيها من «تجسيد الموت» كـ جريمة مجهولة، إلى «تجريده» كـ قدر حتمي يمتزج بدورة الحياة.
الموت كـ جريمة “ضد مجهول”
في بدايات معالجته، يضعنا محفوظ أمام مواجهة مباشرة مع الغموض في قصة «ضد مجهول». هنا، يتجسد الموت في صورة جريمة متكررة، يعجز العقل البشري عن فك طلاسمها أو إيقاف نزيفها. وما يلفت النظر في هذه المرحلة هو تلك المكاشفة الفنية التي تبلغ ذروتها في نهاية القصة؛ حين يظهر «المدير العام» _ وهو رمز لسلطة عليا تملك مقاليد الأمور _ ليعلن بصرامة: «لا حديث بعد اليوم عن الموت، يجب أن تسير الحياة سيرتها المألوفة».
إن هذا الموقف يمثل الرؤية المحفوظية الباكرة للتعايش مع اللغز؛ فالانتصار على الموت لا يكون بحله، بل بتجاهله والانخراط في تيار الحياة. ورغم أن النقاد قد يرون في هذا التدخل المباشر «زائدًا فنيًا» إلا أن الرمز يظل ناصعًا بانتهاء القصة على مشهدين متناقضين: بـميلاد ابنه الباسم الوجه، وموت البطل ذاته بنفس الاسلوب الذي يتربص له الموت بذات الأسلوب الغامض، لتعلن القصة أن الحياة والموت ليسا إلا وجهين لعملة واحدة في دورة أبدية لا تتوقف.
الحلم والنبوءة: حين يصبح الموت استشرافًا
مع نضوج التجربة، تخلت المعالجة المحفوظية عن الإطالة واتجهت نحو «التكثيف»، حيث صار الحلم هو المسرح الأساسي لتجلي الموت.
في قصة «كلمة غير مفهومة»، لا يظهر الحلم كـ خاطر عابر، بل كـ «نبوءة» مشطورة إلى نصفين: الذاكرة: وهي استعادة الموت ومواجهة الذنب (مقتل حسونة الطرابيشي).
الفعل: وهو ضرورة النسيان وإرجاع الأمر للخالق.
تكمن التراجيديا هنا في عجز الإنسان عن استيعاب «النبوءة» بكليتها؛ فالبطل «حندس» تشبث بشق الذاكرة وذهل عن شق النسيان، فكانت نهايته الفاجعة نتيجة لهذا الخلل في فهم الرسالة الغيبية.
الرسالة والكابوس: صراع الوعي والقدر
تتجلى ذروة التكثيف الرمزي في قصة «الرسالة»، حيث يُصاغ الموت في قالب كابوس وجودي. تبدأ المقاطع بجملة افتتاحية تقطر رهبة: «في البدء كان الخوف». هنا، يواجه البطل “سالم عبد التواب» قدره بوعي حاد مستمد من تجارب الماضي.
إن مأساة سالم تكمن في «المقاومة»؛ فهو يرفض الاستسلام للموت المُقدر، لكن «المصادفة» — ذلك المحرك الخفي في عالم محفوظ — تتدخل لتضع حدًا لـ حياته بسخرية مريرة. فالموت الذي كان يطارده، يدركه عبر ركلة طائشة أو رصاصة تخطئ هدفها لتصيب بريئًا آخر، وكأن القدر يسخر من محاولات البشر للفرار
دورة الفناء المتجدد.
إن المعالجة الفنية للموت عند نجيب محفوظ انتهت إلى مزاوجة مذهلة بين «النبوءة» و«الواقع». ففي قصص مثل «الليلة المباركة»، لم يعد الموت حدثًا خارجًا عن السياق، بل صار جزءًا من نسيج الحياة اليومية، يُستدل عليه بالحلم ويتحقق في الواقع.
لقد أراد محفوظ أن يقول لنا: إن الأشخاص يتغيرون، والأسماء تتبدل، ولكن «دورة الموت» تظل ثابتة، واحدة، ومتكررة. إنها رؤية فنية لا تدعو لليأس، بل تدعو لفهم قوانين اللعبة؛ حيث يظل الإنسان مسلحًا بخبراته، ينسى ويقاوم، ويستمر في الحياة حتى وهو يسير في ظلال الفناء.
……………………
*كاتبة مصرية














