«غول الحكاية الثامنة» .. الحكاية كاستعارة مراوِغة للواقع

محسن يونس

محمد ممدوح

فى رواية «غول الحكاية الثامنة» للروائى الكبير محسن يونس، دار نشر المحروسة 2025م، تتحوّل الحكاية إلى مركزٍ للسرد تدور حوله الأحداث، بطلها «غول» لا تخفى دلالته على أحد فى الأساطير والحكايات الشعبية؛ حيث أشار إليه الكاتب فى مفتتح الرواية: “الغول كائن شيطانى فى الأساطير السومرية والأكادية، واللغتين الإنجليزية والألمانية، وفى العربية لوصف وحش خيالى لشيء مفترس”. بالمقابل، فإنّ اقتران الحكاية برقم 8 قد يشير إلى نهاية عَالَم وبداية آخر، بعد رقم 7 دلالة اكتمال أيام الأسبوع.

لكن هل اكتملتْ حكاية الغول، أم ظلَّ شيء ينقصها؟

عِند بدء كاتب الحكايات الشعبية بتفريغ حكاية الغول، فى إطار مشروع لجمعها يُشرف عليه “مركز الدراسات الشعبية”، تختفى الحكاية من شريط المُسجِّل، ويخرج الغول لواقع الكاتب باحثاً عن مرجعية بديلة؛ كتعويض عن فَقْد تاريخه الشخصى فى الحكاية الأصلية، كوحش يخيف به الكبار الصغار: “هذا الدور الحقير كنتُ أقوم به فى الحكاية الغابرة”، التي ينظر إليها الكاتب بوصفها:
“الحكاية الثامنة التى بدأتْ وقائعها خارج نص الحكاية الأصلية، إلى أرض الواقع فى المدينة الكبرى التى أعيش فيها”.

نحن إذاً أمام حكاية تتلاشى فيها الحدود بين الخيال والواقع، وتتداخل فيها حياة بطل الحكاية الأصلية مع واقع الكاتب الذى يحاول إعادة صياغتها والإمساك بالبطل/ الغول فى سياق معرفى وجمالى مُحدَّدين؛ لكنه يتمرَّد عليهما ويواجه كاتبه متحدِّياً.

خروج الغول من حكايته/ جنته يُشبه من أحد الوجوه خروج آدم من الجنة؛ فبينما يشعر الغول داخل حكايته/ جنته الأصلية بالأمان المطلق، فإنه فى الأرض/ الواقع يبحث عن هوية جديدة عبْرَ معاناة وصراع لا يحكمه منطق.

“أن يكون صاحب حكاية طويلة يكون فيها صاحب المركز والهيلمان، يتعامل مع الناس بنفعية لا تنسيه غوليته”؛ هنا يتطوّر الصراع بين الغول “رستم سلتوم” وكاتب الحكايات؛ حيث يعمل الأخير فى شركة الدعاية والإعلان الخاصة بالأول بعد انتهاء عمله فى مركز الدراسات الشعبية.

وعملاً بمبدأ النفعية، يَصِلُ سلتوم لأصحاب النفوذ والثروة عن طريق زوجته الراقصة، التى قتلها وأخفى جثتها بعد ذلك أسفل طبقة خرسانة بحديقة الفيلا، مروراً بعلاقته بعذراء تقدَّمتْ لوظيفة فى إحدى شركاته، وصولاً إلى انتحاله تاريخاً مُزيَّفاً لجده العثمانى الذى جاء مع الاحتلال وتعيينه قائداً للطابية المطلة على البحر (موقع مدينته الجديدة التى أراد إنشاءها). يتعرّض كاتب السيناريو لشتى الإغراءات: مضاعفة الراتب، وإغراق أهل بيته بالهدايا، مع وعد بتوظيف زوجته؛ كى يشارك فى تبييض سمعة جده -وبالتالى تاريخه- لاستخدامه فى إعلان مدينته الجديدة!.ومن انتحال التاريخ إلى تزييف المدينة فى الإعلان، فالطابية فى الأصل ملك لوزارة الآثار! تَمّ تصوير أجواءها على خلفية صُنعتْ خصيصاً فى هول فيلا الغول، حتى الرمال نُقلتْ وغُيِّر لونها، لتكون دعاية للاستشفاء ومركزاً للعلاج الطبيعى؛ جرياً على فلسفة الغول / رستم سلتوم: “أن نوِّرط مَنْ يتابعنا على الاستهلاك وندفعه إلى تلبية حاجات وهمية يلحُّ فى إشباعها، ليكن إعلاننا الجديد مُركِّزاً على تمجيد ثقافة الاستهلاك” (ص 93).

واستمراراً للتزييف، يدعو العاملين فى شركته لرحلة مدتها يومين لمشاهدة الطابية، ويتضح أنه يختبئ داخلها “مهدى السيَّاخ”، الهارب من العدالة بأموال الناس والمتهم فى قضية قتل؛ وتخييم الرحلة كان للتغطية على تهريبه عن طريق البحر! لينتقده ثلاثة من شركائه -الذين جاءوا لزيارته، وأحدهم بلطجى يملك شركة للأمن- على هذا التصرف، فتقوم المعركة التي يقتلون فيها بعضهم البعض.

الرواية فى مستواها الأعمق تطرح إشكاليات زمننا وكل زمن: مَنْ يكتب التاريخ؟، وعلاقة المال بالسلطة، ومكانة القِيَم فى مجتمع استهلاكى يُؤسِّس له محتالون قَتَلة خلْف واجهات برّاقة؛ والأهم من ذلك كله: علاقة المثقف برأس المال، وحدود دوره فى مجتمعه.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع